الصفقات العسكرية الأمريكية… وإعادة تشكيل تحالفات المنطقة

شحاتة محمد ناصر: الصفقات العسكرية الأمريكية... وإعادة تشكيل تحالفات المنطقة

  • 9 أغسطس 2007

تشير التحركات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الفترة الأخيرة إلى أن ثمة توجهاً أو محاولة ما تجري على أرض الواقع لإعادة تشكيل تحالفاتها السياسية والعسكرية، ورسم محاور جديدة للصراع والمواجهة فيها. ويأتي في هذا الإطار المؤتمر الذي عقد مؤخراً في مدينة "شرم الشيخ" المصرية، وضم وزراء خارجية دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومصر والأردن مع وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس"، فيما بات يعرف بصيغة (6+2+1)؛ حيث عقد هذا المؤتمر في ظل حديث أمريكي مكثف عن محور "معتدلين" يشمل أطرافه العرب، في مواجهة محور "متشددين" يضم إيران وسورية وحزب الله اللبناني، وضمن تركيز أمريكي واضح على "الخطر الإيراني" على أمن المنطقة، حتى أن البيان الختامي للمؤتمر أكد على الوقوف بقوة مع أية دولة خليجية تتعرض إلى خطر خارجي، وذلك في إشارة واضحة إلى هذا "الخطر الإيراني".

 الأمر المهم هنا هو أن الولايات المتحدة عملت على وضع "تحالف المعتدلين" في جانب واحد مع إسرائيل، من خلال الحديث عن "خطر إيراني" مشترك، وعبر الإعلان المتزامن عن صفقات ومساعدات عسكرية لدول الخليج ومصر وإسرائيل بلغت قيمتها 63 مليار دولار (منها 20 مليار دولار أسلحة للسعودية، و13 مليار دولار مساعدات عسكرية لمصر، و30 مليار دولار مساعدات عسكرية لإسرائيل) قالت وزيرة الخارجية الأمريكية إن هدفها هو مواجهة إيران وسورية. ولعل ما هو أكثر أهمية ودلالة في هذا الصدد أن إسرائيل لم تعترض، ربما لأول مرة في تاريخها، على صفقات ومساعدات واشنطن العسكرية للدول العربية، بل إن رئيس الوزراء الإسرائيلي "ايهود أولمرت" قال إن بلاده تتفهم موقف الولايات المتحدة الخاص بدعم "الدول العربية المعتدلة".

 هناك فكرتان أساسيتان تعمل واشنطن على ترويجهما في المنطقة وتسعى من خلالهما إلى إعادة تشكيل تحالفاتها وإحداث نقلة تاريخية في هذه التحالفات، الأولى هي الترويج لمقولة أن إيران هي الخطر الأساس على أمن المنطقة ودولها وليست إسرائيل، فهي تتدخل في شئون العراق الداخلية، وتعمل على تشييع المنطقة، وتمنع انفراج أزمة لبنان السياسية، وتتدخل لدعم حماس وحزب الله اللبناني، فضلاً عن أنها تسعى لامتلاك سلاح نووي يمكنها من فرض هيمنتها على الخليج والمنطقة. في المقابل فإنه يمكن إحلال السلام مع إسرائيل، والتعايش مع قدراتها النووية باعتبارها دولة ديمقراطية تصدر قراراتها عبر مؤسسات ديمقراطية على عكس إيران التي تتحكم الفردية والأيديولوجية الدينية في قراراتها بما في ذلك القرارات العسكرية. في هذا الإطار يمكن فهم التحرك الأمريكي من أجل دفع إسرائيل إلى إبداء مرونة أكبر بخصوص السلام مع الفلسطينيين من خلال المؤتمر الدولي للسلام الذي دعا "بوش" إلى عقده في الخريف القادم، كما يمكن فهم الخطاب السياسي لـ"رايس" ووزير الدفاع "جيتس" خلال جولتهما العربية الأخيرة، والذي تلازم فيه الحديث عن "خطر إيران" مع إطلاق آمال السلام.

 أما الفكرة الثانية فتتمثل في محاولة تحويل الصراع في المنطقة من صراع عربي-إسرائيلي إلى صراع إقليمي-إيراني، على أساس أن إيران تمثل خطراً مشتركاً على العرب وإسرائيل معاً. ولأن الصراع كذلك، فإنه يضم الدول العربية المعنيّة بهذا الخطر، وهذا ما يفسر سبب الحديث عن دول الخليج ومصر والأردن فقط باعتبارها عناصر"محور الاعتدال" على الرغم من وجود دول عربية أخرى معتدلة، بل ربما تكون أكثر اعتدالاً بكثير لا يشملها هذا المحور. إذن المسالة لا تتعلق بالاعتدال وعدم الاعتدال بقدر تعلقها باهتمام دولة عربية ما "بالخطر الإيراني" أو عدم اهتمامها. وهكذا فبعد أن كان التحالف المطروح هو تحالف "المعتدلين العرب" الذي يشمل مصر والأردن إضافة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مواجهة "تحالف المتشددين" الذي يشمل إيران وسورية وحزب الله، فإن واشنطن تسعى الآن إلى إدخال إسرائيل ضمن "تحالف المعتدلين" وذلك عبر قناة السلام التي تعمل على تحريك مياهها الراكدة أو الإيحاء بذلك.

 وبهذا تعود واشنطن مرة أخرى إلى أسلوبها القديم في التعامل مع إيران من خلال استنزافها في مواجهة إقليمية. حدث ذلك بعد الثورة الإيرانية في عام 1979 حينما دفعت "صدام حسين" إلى الدخول معها في حرب لمدة ثماني سنوات بمساندة عربية واضحة، ويحدث الآن عبر الحديث عن تحالف معتدلين لا يضم دول عربية فقط وإنما يضم إسرائيل أيضاً. وكانت دراسة لمعهد بروكينجز الأمريكي نشرت مؤخراً قد نصحت الإدارة الأمريكية بدعم حلفائها الإقليميين ودفعهم إلى مواجهة إيران، وذلك في إطار حديثها عن المقاربات المختلفة التي يمكن أن تستخدمها واشنطن ضدها خلال الفترة القادمة. 

 وعبر هذا التحالف الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيله في منطقة الشرق الأوسط، تكمل إدارة الرئيس بوش "انقلابها" على الأسس الثلاثة التي قامت عليها سياستها تجاه المنطقة منذ حرب العراق 2003، وهي: دعم الديمقراطية؛ الشرق الأوسط الموسع؛ والتحالف مع الإسلام الشيعي. فبعد أقل من ثلاثة أعوام على تأكيد وزيرة الخارجية "كونداليزا رايس" في محاضرتها الشهيرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة على أن سياسة بلادها في المنطقة خلال الفترة القادمة ستقوم على دعم الديمقراطية منتقدة السياسة الأمريكية على مدى السنوات الماضية التي كانت تعلي من أهمية الاستقرار على حساب الديمقراطية، عادت وتخلت عن هذا الشعار وتحالفت مع الدول التي كانت تطالبها بالإصلاح في مواجهة إيران. وبعد فترة من الحديث عن "الشرق الأوسط الموسع" الذي يضم الدول العربية مع إسرائيل وتركيا وباكستان وغيرها، أصبحت واشنطن تتحدث عن "شرق أوسط محدود" يضم عدداً من الدول العربية "المعتدلة" بجانب إسرائيل. وبعد أن تحالفت الولايات المتحدة مع "الإسلام الشيعي" على اعتبار أنه "إسلام مرن ومسالم" بعكس الإسلام السني "البنلادني المتطرف والمعادي للولايات المتحدة"، وهو ما كان واضحاً بقوة في العراق بعد الغزو عام 2003، انقلبت واشنطن عليه سواء في العراق أو في الإطار الإقليمي العام، فتحالف "المعتدلين" الذي تتحدث عنه أمريكا هو في حقيقته "تحالف للسنة" المتخوفين من "المد الشيعي" الإيراني في المنطقة.

 وفي الوقت الذي يعبر فيه هذا "الانقلاب" عن التخبط الذي مارسته إدارة الرئيس "بوش" في سياستها تجاه المنطقة تأثراً بأفكار نظرية وقناعات أيديولوجية غير واقعية، فإن فكرة التحالف الجديد الذي تعمل على تشكيله في مواجهة إيران، ربما لن تخرج عن كونها فصلا أخر من فصول التخبط في هذه السياسة، وتأكيداً إضافياً على عدم قدرة الولايات المتحدة على فهم تعقيدات المنطقة وخطوط التفاعل فيها.

 فعلى الرغم من أن سياسة إيران وخطابها السياسي تجاه دول الخليج العربية والعرب عموما ينطوي على الكثير من المخاطر، فإنه لا يمكن الحديث عن رؤية متسقة لدول "الاعتدال" العربي بشأن "الخطر الإيراني" الذي تعمل واشنطن على تسويقه بقوة، فالنظرة إلى إيران وتهديداتها ليست واحدة في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بل إن هناك من يرى أنه لا مخاطر لها مثل سلطنة عمان حسب تصريح وزير خارجيتها مؤخراً، والأمر نفسه ينطبق على مصر والأردن؛ حيث تختلف مواقفهما نوعاً ما بشأن طبيعة هذا الخطر. وحتى إذا كان هناك اتفاق ما حول خطر إيران، فإنه خطر يختلف في المنظور العربي عنه في المنظور الأمريكي.

 أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن هناك العديد من العوامل التي تجعل من الصعب الحديث عن تحالف بينها وبين دول عربية ضد إيران أو غيرها، أهمها: أن إسرائيل تمتلك سلاح نووي، وتحتل أراض عربية، ولا تشير المؤشرات الصادرة عنها إلى نية جادة للموافقة على إنشاء دولة فلسطينية حقيقية، كما أن أي تحالف من هذا النوع سوف ينطوي على هيمنة إسرائيلية عليه، بسبب تفوقها العسكري والتكنولوجي. علاوة على ذلك، فإن هناك تناقضاً واضحاً في الطرح الأمريكي بهذا الخصوص، ففي الوقت الذي تشكل فيه الولايات المتحدة تحالفاً للمعتدلين لمواجهة إيران، نجدها تجري حوارات معها، بل إنها تصر على هذه الحوارات وتطلبها بإلحاح، وتؤيد بقوة رئيس الوزراء العراقي "نوري المالكي" أحد حلفاء إيران الأساسين في العراق والمنطقة؟!!

 مشكلة السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في عهد "بوش الابن" أنها تتبنى أطروحات راديكالية كبيرة، تقوم على منطلقات أيديولوجية ونظرية غير واقعية، ولهذا فإنها فشلت حينما اصطدمت بالواقع. وبدلاً من أن يقود هذا الفشل صنّاع السياسة في واشنطن إلى محاولة فهم المنطقة بصورة أفضل، فإنهم أصروا على ألا تنتهي فترة "بوش" الثانية في البيت الأبيض من دون تقديم هذه الأطروحة الجديدة، التي تقوم على إمكانية قيام تحالف عربي-إسرائيلي ضد خطر مشترك، تشير كل المعطيات إلى أنها ربما لن تكون أفضل نصيباً من الأطروحات السابقة كـ"الفوضى البناءة" أو "الشرق الأوسط الموسع" أو "نظرية الدومينو الديمقراطية" أو غيرها من الأطروحات التي ثبت فشلها وقادت المنطقة إلى الوضع الحالي من التوتر وعدم الاستقرار.

Share