الصراع العربي-الإسرائيلي: المتغيرات الراهنة وآفاق المستقبل

  • 25 أغسطس 2011

أصبح لدينا من المؤشرات ما يفيد بأن الصراع العربي- الإسرائيلي يمر حالياً بمرحلة جديدة، أو على الأقل بإرهاصات تلك المرحلة. كان نموذج هذا الصراع قد استقر في العقود الأخيرة على معادلات عدة، أولاها سلام مستقر مع مصر أقوى الأطراف العربية ذات الصلة المباشرة بالصراع، والأردن صاحبة الوضع الحساس فيه سواءً لوضعها الخاص بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، أو لطول حدودها المشتركة مع إسرائيل، ولم تكن مصادفة بطبيعة الحال أن علاقات الدولتين بالولايات المتحدة أكثر من جيدة، وأنهما تصنفان ضمن ما يسمى بالدول المعتدلة.

أما المعادلة الثانية فتقوم على ممانعة لهذا النموذج تتزعمها سورية ويدخل فيها لبنان ولاسيما حزب الله، وانضمت حماس اعتباراً من 2006 إلى هذه المعادلة بعد سيطرتها على غزة، غير أن المفارقة في هذه المعادلة أنها، وعلى الرغم من استنادها إلى فكرة الممانعة، انطوت على استقرار كامل أو شبه كامل في العلاقة مع إسرائيل، فالجبهة السورية ساكنة تماماً منذ حرب أكتوبر1973، كما تم التوصل إلى تهدئة معلنة أو غير معلنة بين حماس وإسرائيل، والاستثناء المهم هنا هو مقاومة حزب الله في لبنان، والتي حققت إنجازات عدة، منها إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب في عام 2000 مما كانت تسميه الشريط الحدودي الآمن جنوب لبنان، والنجاح في صد العدوان الإسرائيلي على لبنان في عام 2006، ومنعه من تحقيق أهدافه. ثم سكنت الجبهة اللبنانية بعد قرار مجلس الأمن الذي صدر عقب العدوان برقم 1701، والذي وضع قيداً دون شك على حرية حركة المقاومة، كما يمكن إضافة صد حماس العدوان الإسرائيلي على غزة في 2008/2009، غير أن نموذج التهدئة عاد ليسيطر على العلاقة بين حماس وإسرائيل.

أما المعادلة الثالثة فهي خاصة بالقضية الفلسطينية جوهر الصراع، وهي تشير إلى درجة عالية من درجات الاستقرار على الأقل منذ اتفاقية أوسلو1993 التي يفترض أنها كانت أساساً لتسوية شاملة، وعلى الرغم من أن تنفيذها أخذ يتدهور بالتدريج إلى أن عدنا لنقطة الصفر، فإن الاستقرار استمر بصفة عامة بسبب الفكرة العبقرية التي انطوت عليها هذه الاتفاقية بخصوص إنشاء سلطة وطنية في ظل الاحتلال في سابقة هي الأولى من نوعها في حركات التحرر الوطني المعاصرة، وبموجب هذه الاتفاقية تشكلت هذه السلطة بالفعل: رئيس للسلطة ومجلس تشريعي وحكومة، وتم تحييد مقاومة حركة فتح كبرى الفصائل الفلسطينية آنذاك، وتحول رجالها من الاضطلاع بدور المقاومة إلى القيام بدور الشرطة المحلية التي تحمي الوضع الراهن الذي لم يشهد أي نقلة جدية بعيداً عن وضع الاحتلال. وحتى حركة حماس، التي أخذ عودها يشتد بسرعة في ظل تراجع الدور المقاوم لفتح، وقعت في الفخ نفسه اعتباراً من 2006 بدخولها الانتخابات البلدية ثم التشريعية، واكتساحها هذه الانتخابات، واكتفائها لاحقاً من المقاومة برفع شعاراتها. هكذا استمر نموذج الاستقرار في المعادلة الفلسطينية التي لم تفض حتى الآن إلى أي إنجاز يعتد به على طريق التسوية.

غير أنه اعتباراً من بداية هذا العام بدأت أركان المعادلات الثلاثة تهتز ولو نسبياً؛ فقد نجحت الثورة الشعبية في مصر في الإطاحة بالرئيس مبارك الذي وُصف بأنه "كنز استراتيجي" لإسرائيل، ورفعت جماهير الثورة شعارات محددة معادية للسياسات الإسرائيلية، وعلى الرغم من أن هذه التطورات لم تنعكس حتى الآن في السياسة الرسمية المصرية تجاه إسرائيل، فإنها أضافت متغيراً جديداً إلى معادلة الصراع، وهو ضغط شعبي غلاب لتعديل السياسة تجاه إسرائيل لا يمكن لأية حكومة مصرية حالية أو قادمة أن تتجاهله، ويمكن أن ينسحب التحليل نفسه –مع خلاف في التفاصيل- على الحالة الأردنية التي شهدت تصاعد موجة المطالبة بالإصلاح الداخلي من ناحية، ومراجعة العلاقة مع إسرائيل من ناحية أخرى.

وفيما يتعلق بالمعادلة الثانية بدأت أركان النظام السوري تهتز، وكما سبقت الإشارة فإن سياسته جمعت بين نقيضي الممانعة الصريحة للسياسات الإسرائيلية والتهدئة الواضحة معها، حتى إنه لوحظ أن إسرائيل أظهرت القلق من سقوط النظام السوري الحالي لما سوف ينطوي عليه ذلك من تغييرات لا يوجد بشأنها أي نوع من اليقين، لكن إسرائيل لا شك تشعر بالارتياح من الآثار السلبية الأكيدة لسقوط النظام السوري على كل من المقاومة اللبنانية والفلسطينية.

وأخيراً فإن المعادلة الثالثة بدأت تهتز بدورها؛ لأن السلطة الفلسطينية التي تمثل أقصى ألوان الطيف الفلسطيني اعتدالاً بدأت تشعر بمعضلة التسوية بالنسبة لها، فهي تمتنع عن المقاومة طلباً للتسوية، لكن التسوية لا تجيء أبداً، ومن هنا كان التحرك الفلسطيني الأخير القاضي بالذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستخلاص اعترافها بدولة فلسطينية، ومحاولة تتويج هذا الاعتراف بموافقة مجلس الأمن على تمتع هذه الدولة بالحق في الانضمام إلى الأمم المتحدة كعضو كامل العضوية وليس مجرد مراقب، وعلى الرغم من أنه يمكن النظر إلى هذا المسعى الفلسطيني باعتباره مسألة رمزية فإنه يمكن، إن حدث، أن تترتب عليه تداعيات قانونية وسياسية مربكة لإسرائيل.

في هذه الظروف من عدم اليقين بالنسبة لما يجري في الوطن العربي عامة والصراع العربي-الإسرائيلي خاصة وقعت عملية إيلات التي سقط فيها من القتلى والجرحى الإسرائيليين ما يجعلها فعلاً حدثاً مختلفاً نوعياً لأول مرة منذ سنوات بالنسبة لإسرائيل، وأياً كان الغرض من هذه العملية، فإن تزامنها مع ظاهرة "عدم اليقين" هذه حتّم على إسرائيل أن يكون ردها قوياً، فنشطت قواتها بحثاً عن منفذي العملية، وصعدت من عدوانها على غزة، وإن لم يصل الأمر إلى العدوان الشامل حتى الآن، وفي البحث عن منفذي عملية إيلات بلغ الحماس بإسرائيل مبلغه، فلم تراع الظروف الجديدة في مصر، فتغلغلت وحدة إسرائيلية في منطقة الحدود المصرية-الإسرائيلية، وأطلقت النار على أفراد القوة المصرية المكلفة بحماية الحدود، فسقط ستة من الشهداء المصريين، وعلى الرغم من أن هذا الحدث قد تكرر قبل ذلك عدة مرات فإنه سجل رقماً قياسياً في هذه المرة بالنسبة لعدد الشهداء والمصابين المصريين الذين سقطوا من جراء الاعتداءات الإسرائيلية.

كان هذا الحدث بمثابة الشرارة التي أشعلت غضباً شعبياً مصرياً عارماً تضمن محاصرة مقر السفارة الإسرائيلية، والمطالبة بطرد السفير، وإنزال العلم الإسرائيلي من على ساريته في مبنى السفارة (تم ذلك بالفعل عن طريق أحد الشباب المصريين الغاضبين الذي تسلق البناية التي يقع فيها مقر السفارة وصولاً إلى الدور الثاني والعشرين ونزع العلم الإسرائيلي ووضع علم مصر محله)، والدعوة إلى تعديل معاهدة السلام مع إسرائيل أو إلغائها، وعلى الرغم من أن رد الفعل الرسمي المصري لم يصل إلى هذا المستوى فإن الضغط الشعبي الغلاب سوف يؤدي، إذا اتسم بالرشاد، إلى تغيير في معادلة الصراع مع إسرائيل، فهو إما أن يترجم في النهاية إلى سياسة مصرية جديدة للحكومة المنتخبة القادمة، أو قد تبادر إسرائيل إلى تقييد ردود فعلها تجاه مصر، والاستجابة إلى بعض مطالبها الثانوية بشأن المعاهدة خشية مزيد من التدهور في العلاقة مع مصر، وإن كان التدهور ليس مرشحاً للتطور إلى مواجهة مسلحة شاملة بسبب الأوضاع الداخلية السائدة في مصر حالياً. وفي الحالتين يكون التغير الذي وقع في مصر قد أدى إلى تحسين، ولو نسبياً، لوضعها في معادلة الصراع مع إسرائيل.

غير أن الأخطر أن التطورات نفسها قد تحدث في الأراضي الفلسطينية إذا ما تمكنت إسرائيل بمساعدة أمريكية من إفشال المسعى الفلسطيني في الأمم المتحدة، وكذلك في سورية إذا تم التخلص من النظام الحالي. ويعني هذا أن "الربيع العربي" قد يكون هو المقابل الموضوعي لبداية "خريف إسرائيلي".

Share