الصراع الداخلي الفلسطيني: خطأ النهج والتوقيت

الصراع الداخلي الفلسطيني: خطأ النهج والتوقيت

  • 8 يونيو 2009

مرة أخرى يتجدد الصراع والاقتتال الداخلي بين حركتي "فتح" و"حماس" في الوقت الذي يزدحم فيه المشهد السياسي الإقليمي والدولي بكثير من الأفكار والمبادرات الرامية إلى إنعاش عملية السلام العربية-الإسرائيلية وإخراجها من حالة الجمود المسيطرة عليها؛ حيث شهدت مدينة قلقيلية الواقعة شمال الضفة الغربية اشتباكات مسلحة بين أجهزة الأمن الفلسطينية التابعة لحركة "فتح" ونشطاء من حركة "حماس" أسفرت عن سقوط أكثر من عشرة قتلى من الجانبين، وأعادت إلى الأذهان الاقتتال الداخلي الذي دار بين الطرفين في قطاع غزة في منتصف العام 2007، وانتهى بسيطرة حركة "حماس" على القطاع.

وقد تبادل الطرفان الاتهامات بشأن المسؤولية عن التوتر الأخير ونيات كل منهما تجاه الطرف الآخر؛ حيث اتهمت السلطة الفلسطينية "حماس" بتحريض أنصارها في الضفة على ممارسة العنف ضد الأجهزة الأمنية لتكرار ما حدث في غزة، فيما وصفت كتائب شهداء الأقصى، الجناح المسلح لحركة "فتح"، ما حدث في قلقيلية بأنه ملاحقة من قبل الأجهزة الأمنية لفئة ضالة خارجة عن الصف الوطني هدفها زعزعة الأمن. في المقابل، اعتبرت "حماس" ما حدث في المدينة "عدواناً بالوكالة" عليها وتوعدت المشاركين فيه بالقصاص، وذهبت إلى ما هو أبعد وأخطر من ذلك عندما دعت على لسان الناطق باسم "كتائب القسام"، الجناح العسكري للحركة، إلى التعامل مع قوات الأمن الفلسطينية في الضفة الغربية "كقوات احتلال"، في الوقت الذي تعالت فيه الأصوات داخل الحركة للمطالبة بوقف وتجميد الحوار الفلسطيني الذي ترعاه القاهرة. كما ردت "حماس" ميدانياً على هذه الأحداث بشن حملة اعتقالات ضد من وصفتهم بـ"خارجين عن القانون" في غزة، واستهدفت هذه الحملة عشرات من قادة وكوادر حركة "فتح" في القطاع بتهمة "جمع معلومات عن قيادات سياسية وبيوت مقاومين وإرسالها إلى السلطة الفلسطينية التي تقوم بدورها بإرسال هذه المعلومات إلى إسرائيل لتأسيس بنك معلومات عن حماس في القطاع"، إضافة إلى "نشر الإشاعات والفوضى والقيام باعتداءات تهدد أمن المواطنين"، وهو الأمر الذي انتقدته حركة "فتح" معتبرة أن "حماس" تحقق بذلك أهدافاً إسرائيلية محضة بحرف الأنظار عن الضغط السياسي الدولي على حكومة الاحتلال بعد موقف إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما الأخير.

ويرى بعض المراقبين أن الحملات الأمنية التي تشنها أجهزة الأمن الفلسطينية على نشطاء "حماس" في الضفة الغربية تعكس خوف السلطة من إمكانية تكرار ما حدث في قطاع غزة في منتصف عام 2007 عندما استولت "حماس" على السلطة في القطاع، ويزيد من هذا الخوف التقارير الإعلامية التي تشير إلى سعي "حماس" إلى تكوين خلايا عسكرية نائمة في الضفة الغربية، وقد عبر العميد عدنان الضميري، المتحدث باسم أجهزة الشرطة الفلسطينية، عن هذا الأمر بوضوح، قائلاً: "إن لدى الأجهزة الأمنية معلومات مؤكدة تشير إلى أن حماس تسعى إما للقيام بانقلاب في الضفة الغربية، أو على الأقل إثارة القلاقل والانفلات الأمني، ونحن لن ننتظر حتى يتكرر انقلاب غزة الدموي، ولذا فإننا جاهزون ومستعدون لمواجهة أي عمل". أما "حماس" فتنظر إلى هذه الحملات الأمنية على أنها تنفيذ لأجندة إسرائيلية-أمريكية تستهدف القضاء على  مشروع المقاومة الفلسطيني، وتشير في هذا الصدد إلى أن المسلحين الثلاثة الذين قتلوا في الاشتباكات الأخيرة هم من المطلوبين لإسرائيل منذ خمس سنوات. ويثور التساؤل حول مصير الجهود المبذولة لتحقيق التوافق الوطني الفلسطيني في ظل هذه الحالة من انعدام الثقة والتخوين المتبادل بين الطرفين.

إن ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة من صراعات واقتتال داخلي بين "فتح" و"حماس"، يبدو في نظر كثير من المراقبين والمهتمين بالقضية الفلسطينية وتطوراتها، أمراً مستعصياً على الفهم والإدراك؛ لأن التحديات والأخطار التي تحيط بالقضية الفلسطينية، يفترض أن تتضاءل أمامها أي صراعات داخلية أخرى مهما كانت شدتها أو عمقها، وتتراجع في مواجهتها كل المصالح الفئوية والحزبية، ولكن ما يحدث هو العكس.

فالاقتتال الداخلي الفلسطيني يحدث في ظل وجود حكومة يمينية إسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو تسعى إلى الانقلاب على كل اتفاقات السلام المبرمة مع الفلسطينيين، وترفض قيام دولة فلسطينية تتمتع بمقومات السيادة، وتعمل على سرعة إنجاز مخطط تهويد مدينة القدس، فضلاً عن توسيع المستوطنات القائمة عبر إقرار مزيد من الخطط الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وبدلاً من أن تسهم هذه السياسات في تقريب المواقف الفلسطينية لمواجهة هذه التحديات التي تهدد مستقبل القضية الفلسطينية برمتها، نجد أن حدة الخلاف والتوتر والصراع تتزايد بين الإخوة الفلسطينيين، الأمر الذي يعكس غياب البوصلة التي تحدد الاتجاه الصحيح لدى الفصائل الفلسطينية نتيجة سعي كل طرف إلى تغليب مصالحه الفئوية أو الفصائيلية على حساب المصلحة الفلسطينية العامة.

كما أن تجدد الاقتتال الداخلي الفلسطيني جاء في الوقت الذي يشهد فيه الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية تحولاً إيجابياً مهماً بعد تسلم إدارة الرئيس بارك أوباما السلطة في البيت الأبيض؛ حيث أعلن الأخير بوضوح تأييده لمبدأ حل الدولتين، وطالب إسرائيل باتخاذ "قرارات صعبة"، بتجميد البناء في المستوطنات وإخلاء "البؤر الاستيطانية غير القانونية"، كما طالبها بفتح المعابر أمام المنتجات الحيوية، وأعلن رفضه للموقف الإسرائيلي الذي يطالب بالتركيز على معالجة الملف النووي الإيراني قبل أي ملف آخر، معتبراً أن إحراز تقدم في مسيرة التسوية السلمية هو الذي سيؤدي إلى الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. وكان أوباما أكثر تفهماً للقضية الفلسطينية في خطابه الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من القاهرة يوم 4 يونيو الجاري (2009)، وهو اليوم نفسه الذي شهد وقوع اشتباكات مسلحة في مدينة قلقيلية بين أجهزة الأمن ونشطاء "حماس"؛ حيث أكد أن بلاده لن تدير ظهرها للتطلعات المشروعة للفلسطينيين، ولن تعترف بمشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية التي أعتبر أنها تقوض الجهود المبذولة لتحقيق السلام وأنه قد آن الأوان لكي تتوقف.

ولا شك في حقيقة أن استثمار هذه التوجهات الإيجابية للإدارة الأمريكية الجديدة بما يحقق تطلعات الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يتحقق في ظل حالة الانقسام والصراع القائمة حالياً بين حركتي فتح وحماس؛ ففي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن تمسكها بإقامة دولة فلسطينية تتمتع بمقومات السيادة، يشير بعض المراقبين إلى أن هناك دولتين فلسطينيتين في الضفة الغربية وقطاع غزة تتبنى كل منهما توجهات مناقضة للأخرى، ويتساءل هؤلاء مع من يمكن التفاوض لتحقيق هدف قيام الدولة الفلسطينية؟ وإذا توصلت السلطة الفلسطينية، باعتبار أنها هي المسؤولة عن ملف التفاوض، إلى اتفاق ما بهذا الصدد كيف يمكنها تطبيقه في قطاع غزة؟ ويرجح هؤلاء أن يكون هذا التوجه الإيجابي للإدارة الأمريكية الجديدة فرصة ضائعة أخرى للقضية الفلسطينية إذا استمر هذا الانقسام والصراع الداخلي.

وثمة نتيجة سلبية أخرى للصراع الداخلي الفلسطيني يشير إليها المراقبون وهي إضافة مزيد من التعقيدات يمكن أن تحد من فرص نجاح الحوار الوطني الفلسطيني، وكان هذا الحوار قد انطلق قبل عدة أشهر في القاهرة، وتم عقد نحو خمسة جولات بغرض التوصل إلى توافق بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، ولاسيما حركتي فتح وحماس، حول مجمل الاستحقاقات المطروحة على أجندة العمل الوطني، وبالرغم من فشل هذه الجولات في تذليل كل العقبات ونقاط الخلاف التي تعترض تحقيق هذا التوافق، فإنها قربت وجهات النظر في بعض القضايا، غير أن تجدد الاشتباكات مرة أخرى بين فتح وحماس من شأنه أن يزيد من أزمة الثقة القائمة بين الطرفين اللذين يستعدان للمشاركة في جولة حوار جديدة مقرر عقدها هذا الشهر في مصر، وهو ما يزيد من مخاوف بعض المراقبين من إمكانية تعثر هذه الجولة الحوارية الأخيرة، وهو ما يعني أن الطريق سيصبح مفتوحاً للعنف والمواجهة.

إن صراع القوى الفلسطينية وتقاتلها بهذا الشكل من شأنه أن يقدم خدمة مجانية لإسرائيل، ويساعدها على التنصل من التزاماتها الدولية بحجة عدم وجود شريك فلسطيني، والالتفاف على الضغوط الدولية المفروضة عليها للعودة إلى مسار السلام، فهل تعي الفصائل الفلسطينية هذه الحقيقة وتعمل على تغليب المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني على حساب مصالحها الفئوية؟!

Share