الصحافة في الإمارات.. اعتبارات الحرية والمسؤولية

الصحافة في الإمارات.. اعتبارات الحرية والمسؤولية

  • 28 أكتوبر 2007

الصحافة مرآة المجتمع وأحد أهم مصادر الرقابة الشعبية على مؤسساته، وهي الضمير الحي للأمة، الذي من خلاله يمكن الكشف عن مواطن الخلل والفساد في المجتمع، والتعبير عن طموحات وآمال وآلام المواطنين، وتوعيتهم بالتطورات والتحديات المختلفة المحيطة بهم وبأوطانهم داخلياً وخارجياً، وهي مركز اتصال وتواصل بين القادة السياسيين والجماهير، فضلاً عن كونها أداة للتنمية والتوعية والتطوير، غير أنها لا تستطيع أن تقوم بهذه الأدوار أو بغيرها من الأدوار الكثيرة التي تهم المجتمع، إلا إذا توافرت لها المساحة المناسبة من الحرية والاستقلالية، التي تساعدها على القيام بواجبها دون خوف من عقاب أو ملاحقة. ولا نبالغ إذا قلنا إن صحافة بلا حرية، تعني مجتمع بلا مناعة أو ضمير.

 ولم يكن هذا الأمر ليغيب عن إدراك صانع القرار الإماراتي، الذي أطلق حرية الرأي والتعبير بشكل عام، بما في ذلك حرية الصحافة، ولم يقيدها إلا بقيود بسيطة رأى أنها ضرورية للحفاظ على الأمن والاستقرار الذي تنعم به البلاد، وحماية تقاليدها وتراثها وقيمها الدينية والأخلاقية التي ارتضاها المجتمع الإماراتي منذ القدم، فضلاً عن حماية الحياة الخاصة لأفراد هذا المجتمع وتجنب الإساءة إليهم دون وجه حق. وقد سنت الدولة القوانين والتشريعات التي تحمي هذه الحرية وتحافظ عليها، وشجع قادتها رجال الصحافة والإعلام للقيام بدورهم دون خوف من رادع أو عقاب، الأمر الذي جعل الإمارات تأتي في طليعة دول المنطقة في مجال الحرية الصحفية بحسب العديد من التقارير الدولية المهمة، والتي كان آخرها تقرير منظمة "مراسلون بلا حدود" حول حرية الصحافة لعام 2007، والذي وضع الإمارات في المرتبة الـ 65 عالمياً من بين 169 دولة شملها التقرير، والثانية عربياً بعد الكويت التي احتلت المرتبة 63 عالمياً، وقد أشاد التقرير بالتقدم الملحوظ الذي حققته الإمارات في مجال الحرية الصحفية، والذي جعلها تتقدم أكثر من 12 مركزاً، بعد أن كان ترتيبها العام الماضي في المركز الـ77 عالمياً.

 وقد تعرضت حرية الصحافة في الإمارات لاختبار مهم خلال الفترة القليلة الماضية بعدما قررت إحدى المحاكم المدنية في دبي حبس رئيس تحرير جريدة "خليج تايمز" والصحفي المصري الذي يعمل بذات الصحيفة لمدة شهرين مع النفاذ بسبب نشر خبر قالت المحكمة إنه كاذب، وهو الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً داخل الساحة الصحفية والإعلامية الإماراتية حول حدود حرية الصحافة والعمل الإعلامي ككل، ولكن هذا الجدل لم يستمر طويلاً؛ فقد سارعت الحكومة الإماراتية لتنتصر لحرية الصحافة، وأصدر الشيخ "محمد بن راشد آل مكتوم" نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي توجيهاته إلى الجهات المعنية بعدم حبس أي صحفي بسبب عمله، فيما أكد الشيخ "عبدالله بن زايد آل نهيان" وزير الخارجية رئيس المجلس الوطني للإعلام أن هناك إجراءات أخرى، لا تصل إلى السجن، يمكن أن تتخذ بحق الصحفي الذي يرتكب مخالفة معينة، مشيراً إلى أن نائب رئيس الدولة أصدر توجيهاته إلى الحكومة بالإسراع في اتخاذ الخطوات اللازمة لإصدار قانون المطبوعات والنشر الجديد في ضوء التعديلات التي أعدها المجلس الوطني للإعلام بالتشاور مع الجهات المعنية. وهو الأمر الذي لاقى ترحيباً واسعاً من مختلف الأوساط الصحفية والإعلامية داخل الدولة وخارجها.

 ومن المتوقع أن يشكل إصدار القانون الجديد للمطبوعات والنشر بعد إقراره من جانب السلطات المختصة خطوة مهمة في إرساء العمل الصحفي في الدولة على أسس ثابتة وقوية وتوفير مناخات إيجابية جديدة له، لاسيما في ظل التعديلات المهمة المقرر إدخالها على بنود هذا القانون والتي ستتيح مساحة أوسع من الحرية للعمل الصحافي والإعلامي؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر، تنص المادة الثالثة من هذه التعديلات المقترحة، بحسب ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية، على ما يلي: "يضمن هذا القانون استقلالية الصحافة استقلالاً تاماً وعليه يحظر على أية جهة حكومية فرض رقابة مسبقة أو لاحقة على الصحافة وكذلك يحظر التدخل الحكومي في شؤونها أو كيفية أداء مهامها"، وتعتبر هذه التعديلات حرية تدفق المعلومات حقاً من حقوق الصحافة، وتشدد على ضرورة أن تلتزم كافة الهيئات والمؤسسات والدوائر الحكومية بتمكين الصحف من الحصول على المعلومات دون عوائق، كما تنص على استحداث دائرة كلية بالمحاكم تسمى دائرة قضايا الصحافة تكون مهمتها فقط القضايا المرفوعة ضد الصحف والصحفيين، فيما تعتبر المادة (26) المقترحة أن مخالفة الصحافة لنصوص هذا القانون لا تعتبر من جرائم القذف ولا تقع مخالفتها تحت وصف الجناية أو الجنحة، وذهبت المادة (39) إلى أبعد من ذلك عندما اعتبرت أنه لا يجوز للجهة الإدارية أياً كانت صفتها تعطيل أو إغلاق أو سحب ترخيص الصحيفة.. إن كل هذه التعديلات المقترحة وغيرها تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإمارات مقدمة على مرحلة جديدة ومتطورة من الحرية الصحفية تتماشى مع نهج الانفتاح العام الذي تشهده الدولة في جميع المجالات.

 هذا التوجه الحكومي نحو توسيع مساحة الحرية الصحفية كان لابد من أن يقابل بتقدير الوسط الصحفي داخل الدولة، وهو ما تجسد بالفعل في مبادرة رؤساء تحرير الصحف المحلية إلى التوقيع على "ميثاق الشرف الصحافي وأخلاقيات المهنة"، الذي تم إقراره بدعوة من جمعية الصحفيين بالدولة في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول 2007. ويشتمل هذا الميثاق على 26 مادة تحدد قواعد العمل الصحفي والأخلاقيات الواجب توافرها أثناء العمل، والتي تؤكد احترام الحقيقة وحق الجمهور في الوصول إليها، واحترام خصوصية الأفراد وحياتهم الشخصية وعدم تشويه سمعتهم والالتزام دائماً بمبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وعدم المساس بالمعتقدات الدينية للأفراد واحترام النظام والقانون والتمسك بمبادئ الحرية والعدالة والأخلاق السامية، وغير ذلك من المبادئ المهمة التي تضمنها هذا الميثاق.

 ولا يعني ما سبق بطبيعة الحال أن مناخ الحرية الصحفية في الإمارات أصبح مثالياً، فهناك بعض القيود ما تزال مفروضة على الأداء الصحفي، وهناك قضايا ما زالت الصحافة المحلية تتجنب الخوض فيها أو الحديث عنها نتيجة بعض القيود الإدارية والرقابية المفروضة عليها، أو بسبب الرقابة الذاتية التي يفرضها الصحفيون على أنفسهم عند تناول القضايا والملفات المختلفة، وهذه الأخيرة قد تكون أخطر على حرية الصحافة من الرقابة الحكومية أو الإدارية. ولكن ذلك لا يقلل على الإطلاق من التطور المهم الذي تشهده الدولة في مجال الحرية الصحفية، لاسيما إذا ما قورنت بباقي دول المنطقة، فعلى سبيل المثال، وفي الوقت الذي تتجه فيه الإمارات بخطوات ثابتة وسريعة نحو إطلاق حرية الصحافة، ويسارع مسؤوليها إلى إلغاء عقوبة الحبس وغيرها من العقوبات السالبة للحريات، تتراجع مستويات الحرية الصحفية في بلدان أخرى في المنطقة بشكل مثير للقلق، ففي بلد كمصر التي تتميز بعراقتها الصحفية، يواجه أكثر من سبعة صحفيين مصريين عقوبات بالحبس، في الوقت الذي خرجت فيه بعض الفتاوى الدينية التي تطالب بجلد الصحفيين الذين ينشرون الشائعات!!.

 لقد آلت الإمارات على نفسها أن تكون الأول في كل شيء، وها هي ذي تتحرك بشكل جاد لانتزاع الصدارة العربية في مجال الحرية الصحفية من خلال إجراءات عملية أشاد بها الخارج قبل الداخل، ورحبت بها المنظمات الإقليمية والدولية المدافعة عن حرية الصحافة، وهو ما يفرض على الصحف والصحفيين المحليين أن يكونوا على قدر المسؤولية؛ فالحرية ينبغي استغلالها لكشف جوانب الخلل والقصور والفساد بهدف تصحيحها ومعالجتها، وليس للتعدي على حرمة الحياة الخاصة للمواطنين أو نشر الأكاذيب والشائعات والكلام غير الموثوق منه لإحداث ضجة إعلامية لا مبرر لها. بمعنى آخر الحرية لابد أن تكون مسؤولة، وأن توظف لخدمة المجتمع والنهوض به وتطويره، وهذا ما نأمله من صحافة الإمارات وصحفييها.

Share