الشركات الصغيرة والمتوسطة.. وجهاً لوجه مع «كورونا»

  • 5 أبريل 2020

يبرز تساؤل مُلحّ في مثل هذه الظروف؛ مفاده أنه إذا كانت الشركات الكبرى تقف الآن قلقة من انتشار «كورونا» وتداعياته التي قلّصت حجم الإنتاج وخفّضت الطلب على العديد من السلع والخدمات الحيوية، فما هي الحال بالنسبة إلى تلك التداعيات وحجم شدّتها وتأثيرها في «الصغيرة والمتوسطة» من الشركات؟
يدرك الاقتصاديون، في ظل انتشار وباء كورونا المستجد، (كوفيد – 19) أن الخطر الأكبر الآن يتربص بالشركات الصغيرة والمتوسطة، التي عليها أن تكافح من أجل البقاء والصمود في وجه الفيروس، نتيجة تعطّل العديد من مظاهر الإنتاج والتوريد على المستوى العالمي؛ الأمر الذي يلقي بها في دوامة من الأعباء لها علاقة بقدرتها على الإيفاء بالتزاماتها المالية، سواء كان الأمر يتعلق بأجور العاملين، أو سداد القروض، أو شراء المواد الخام اللازمة لاستمرارية حركة إنتاجها، أو أي متطلبات مالية مستحقة عليها.
وترتبط الشركات الصغيرة والمتوسطة بمعايير عدّة أبرزها: عدد العمال، وحجم رأس المال والأرباح، حيث باتت مشروعات هذا النوع من الشركات تشكل العصب الرئيسي لاقتصاد الدول النامية والمتقدمة على السواء، بوصفها قادرة على توفير فرص عمل متنامية، واعتبارها أحد أهم محفزات نمو وتنمية الاقتصادات الوطنية، وأبرز الأدوات التي تحفز على التشغيل الذاتي وتؤسس للأعمال، وخاصة أنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير، وليست دائماً تشترط وجود عمالة ماهرة في أروقتها، إضافة إلى أنها توفّر فرصاً للتدريب على المهارات واكتساب الخبرات، ولا تتعرض إلى نسب مخاطر عالية عند التأسيس، كما أنها تسهم في تعزيز الإنتاجية وزيادة الدخل.
وبمقدار السلاسة التي يمكن فيها تأسيس الشركات الصغيرة والمتوسطة، إلا أن هذا النوع من الشركات يعدّ الأكثر عرضة لأي تحديات مفاجئة؛ تؤثر في المؤشرات الكليّة للاقتصادات الوطنية، وهو ما ينطبق على التهديد السائد حالياً بفعل جائحة كورونا؛ ما دعا العديد من الحكومات، إلى إقرار حزم مالية ذهبت نسبة كبيرة منها لدعم هذه الشركات ومساعدتها على تجاوز الأزمة.
لقد تنبأ خبراء ومحللون بأن سياسات الإغلاق التي اعتمدتها الحكومات في العالم، في محاولة منها لاحتواء تفشي الوباء، ستؤثر في إمكانية استمرار أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة؛ ما يلقي بها في «غياهب جُبّ» تدني الإنتاجية، وتراجع الأرباح، وتقليص عدد العمالة، وعجز في المدفوعات وتهديد بالإفلاس؛ الأمر الذي سيأخذها نحو أزمة أشد وطأة، تتمثل في الانهيار؛ لتبرز إلى الواجهة، ضرورة اتخاذ العديد من الخطوات لضمان قدرة هذه الشركات على البقاء واستمرارية الأعمال.
وتتجلى الخطوات التي يتم من خلالها حماية الشركات الصغيرة والمتوسطة لنفسها، عدا الحزم المالية التي قدمتها الحكومات لها، بتجنب البيع الآجل لفترات طويلة، حتى يتم ضمان استمرار السيولة لدى هذه الشركات. كما بات من الضروري خفض النفقات الثانوية، والتقليل من مصاريف التنقل وتقليص أوقات العمل داخل مقرات الشركات، بما يضمن الحفاظ على الربحية، ويقلل من حجم الفاقد من أموال ومواد خام.
وينصح خبراء بأن تُولي الشركات الصغيرة والمتوسطة الاحتفاظ بعمالتها الاهتمام الكافي؛ كونها تمتلك الخبرات والمهارات اللازمة لتحقيق الإنتاجية الأفضل، فتسريح العمالة يفقِد الشركة ثقة العملاء مستقبلاً، كما أنه يعرضها لمصروفات تُنفق على التوظيف والتدريب والتأهيل للعمالة في المستقبل عندما تعود عجلة الاقتصاد إلى الدوران كما كانت. وفي هذه الأثناء فإن حرص الشركات الصغيرة والمتوسطة على التواصل مع عملائها أمر ضروري لها، بوصفه حائط صدّ يمكّنها من تجاوز مرحلة الركود، ويحافظ في الوقت نفسه عليهم، فلا يعود الأمر يتطلب منها بناء شبكة جديدة من العملاء مستقبلاً حال انتهاء الأزمة.
إن الخروج من الأزمات الاقتصادية الكبرى عادة ما تكون شاقة على الشركات الكبرى والمتوسطة والصغرى على حدٍّ سواء، لكن اللجوء إلى أدوات ابتكارية في هذه المرحلة، كتعزيز المبيعات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، سيكون أحد أهم الوسائل المرحلية التي تمكّنها من «البقاء حيّة»، فضلاً عن أهمية مواصلة الحكومات تخصيص حزم مالية تدعم بها أنشطة هذه الشركات الاقتصادية، وتحميها من خطر الانهيار، إضافة إلى اعتماد سياسات نقدية كخفض أسعار الفائدة، وتوجيه البنوك نحو تعزيز الإقراض وتسهيل الوصول إلى التمويل اللازم لتمكين هذه الشركات من دفع ديونها وأجور عامليها، بشروط وآجال استحقاق ملائمة وميسّرة.

Share