الشرق الأوسط ما بعد ضرب إيران

د. عبدالغفار الدويك: الشرق الأوسط ما بعد ضرب إيران

  • 6 يوليو 2008

من الصعب الوصول إلى درجة اليقين حول قضية بعينها في ظل عالمنا المتسارع الذي يموج بالمتغيرات، إلا أن عصف العقل والفكر من خلال طرح فرضيات غير مستبعدة يمكن أن يقترب بنا من دائرة اليقين ويقودنا إلى تقديم صورة أقرب للواقع عن مسار تطور تلك القضية بكل أبعادها في المستقبل المنظور.

هذا الأمر ينطبق على الجدل المثار الآن بشأن الملف النووي الإيراني واحتمال تعرض إيران لضربة عسكرية محتملة، لاسيما بعد التهديدات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة. والقضية المثارة هنا ليست ضرب إسرائيل لإيران بشكل منفرد أو من خلال تحالفها مع الولايات المتحدة، ذلك أن سيناريو توجيه ضربة عسكرية لإيران يعتبر من السيناريوهات المطروحة أمام متخذ القرار الأمريكي في تعامله مع الملف النووي الإيراني منذ فترة طويلة، وهذا السيناريو يخضع لحسابات دقيقة للغاية تراعي كافة الأبعاد والمصالح الإسرائيلية والأمريكية والغربية عموماً، واقتصاديات الوقود على وجه الخصوص، والذي يؤثر بدوره على الاقتصاد العالمي.

وعلى الرغم من أن بعض الخبراء استبعدوا احتمالات الإقدام الإسرائيلي الأمريكي على السيناريو العسكري في إطار حسابات التكلفة والعائد وغموض طبيعة رد الفعل الإيراني حتى الآن، إلا أن العاملين في مجال الأزمات لا يستبعدون هذا البديل في ظل القدرات العسكرية غير المحدودة لإسرائيل والولايات المتحدة، إلى جانب عامل آخر مهم يتمثل في الهاجس الأمني لدى القيادة الإسرائيلية من خطر امتلاك طهران بتوجهاتها العدائية للقنبلة النووية، والعقيدة القتالية التي تعتمدها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية والتي اصطلح على تسميتها "الضربات الاستباقية" والتي تستهدف محاولة إجهاض أي تهديد محتمل للدولة العبرية.

وقد تم الانتقال مؤخراً من مستوى التصريحات إلى مستوى المناورات العسكرية، والتي نظر إليها الخبراء العسكريون باعتبارها مؤشراً على جدية التهديدات باحتمال اللجوء إلى القوة المسلحة في التعامل مع الملف النووي الإيراني. ولاشك أن اللجوء إلى هذا السيناريو سيكون له العديد من الآثار والتداعيات المحتملة في مرحلة ما بعد الضربة العسكرية لإيران، وهي آثار تبدو كلها كارثية، تبدأ من احتمالات تعرض إسرائيل والقوات الأجنبية المتمركزة في منطقة الخليج لضربات عسكرية من إيران وحلفائها، وتمتد إلى تعريض المنشآت الاقتصادية والنفطية للخطر وربما التدمير، فضلاً عن عرقلة الملاحة البحرية في مضيق هرمز ووقف الصادرات النفطية التي تعبر من خلاله. وكانت التهديدات الإسرائيلية والأمريكية الأخيرة قد دفعت إيران إلى إعادة نشر قواتها ونظم دفاعتها الجوية إلى جانب منصاتها الصاروخية، بحيث يصعب استهدافها وتكون مجهولة الهوية للطرف الآخر.

وإذا كان من الممكن معرفة قوة الضربة الإسرائيلية الأمريكية لإيران، والتي ستتراوح بحسب الخبراء ما بين ضربة شاملة أو ضربات محدودة للمنشآت النووية فقط (وهي كثيرة!!)، فإن رد الفعل الإيراني يصعب التنبؤ به في الحالتين، وإن كانت المؤشرات تشير إلى ردود عنيفة ربما تتجاوز ما هو متوقع. فمن المحتمل أن تكون أكثر من 50% من آبار النفط الخليجية خارج نطاق الخدمة ونطاق التشغيل، وقد يتوقف تدفق ونقل النفط بالكامل إذا اتسع نطاق المواجهات (بما فيه النفط الإيراني)، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث ارتفاع رهيب في أسعار الوقود في أوروبا والولايات المتحدة بكل ما قد يصاحب ذلك من ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية. وستكون نتائج الارتفاعين كارثية على الاقتصاد العالمي بصفة عامة، ودول العالم الثالث التي تئن تحت وطأة الفقر، بصفة خاصة.

أما منطقة الخليج فالحرب تعني لها توقف عجلة التنمية؛ حيث ستؤدي الحرب إلى رحيل العمالة الأجنبية من المنطقة، وهو ما يهدد الاستقرار في هذه البلدان التي تعتمد كلياً على عوائد النفط الذي قد تتوقف صادراته، الأمر الذي يخرج المنطقة من دائرة التنمية المستدامة إلى دائرة الجمود الاقتصادي وتدني مستويات النمو، إضافة إلى انخفاض مستوى المعيشة الذي سينعكس بدوره على الاستقرار السياسي؛ حيث ستتدافع حينئذ عوامل التوتر السياسي وتهديد نظم الحكم بالمنطقة.

 وإذا اعتبرنا أن إسرائيل هي الطرف الفاعل في هذه الأزمة؛ فإن حكومتها تعلم جيداً أن لديها منشآت نووية مرصودة، ورغم أن هذه المنشآت محاطة بالفعل بسياج دفاعي من صواريخ وبطاريات الباترويوت إلا أنها ليست بعيدة عن الاستهداف، ومن ثم فإن احتمال تعرض إسرائيل ومنشآتها الاقتصادية والعسكرية للضربات الصاروخية الإيرانية أمر غير مستبعد، ونتائجه معروفة مقدماً سواء على إسرائيل أو على مستوى دائرة دول الجوار. كما أن حزب الله  اللبناني وحركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ستعاود وربما تكثف نشاطها في ضرب المستوطنات والمدن الإسرائيلية، وقد يخرج من تحت الأرض عناصر مقاومة عربية من قلب عرب إسرائيل، لتتحول الدولة العبرية من داخلها إلى ساحة معركة جديدة من معارك الاستنزاف، وهو ما لن تتحمله إسرائيل لفترة طويلة. أما بالنسبة لإيران فإنها قد تخرج بعد هذه الضربة أو الضربات التالية لها خارج حسابات وميزان القوى الإقليمية لأمد غير محدود، لاسيما إذا نجحت تلك الضربات في تدمير ترسانة الأسلحة الإيرانية أو بعضها.

إن هذا السيناريو الأسوأ لمرحلة ما بعد ضرب إيران يحوي كارثة أكبر، وهي جرّ منطقة الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية ممتدة تهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ومن هنا فإن تغليب صوت العقل يصبح أمراً ضرورياً لكافة الأطراف كما ينبغي أن تواصل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الأمم المتحدة جهودهما دون توقف لحل هذه الأزمة بطريقة سلمية، وأن تعي إيران دروس التوافق الأمريكي الكوري. ومن الضروري كذلك أن تحترم إسرائيل الشرعية الدولية وألا تبني جسوراً جديدة للكراهية الباعثة على التطرف والعنف.

إن اندلاع عمليات عمليات عسكرية جديدة في منطقة الشرق الأوسط الملتهب بطبيعته والمحتقن داخلياً في معظم بلدانه سيعني عملياً فشل الأمم المتحدة في القيام بمهامها الدولية والإنسانية داخل هذا النطاق الإقليمي الحيوي، لاسيما على صعيد حفظ السلم والأمن الدوليين. والعائد الوحيد من هذه العمليات هو إعادة المنطقة سنوات طويلة إلى الوراء في الوقت الذي ينبغي أن تتحرك فيه إلى الأمام. ومن ثم فإن على شعوب المنطقة والنظم المعتدلة بها العمل بلا كلل ولا توقف على حث مختلف الأطراف على التحرك في إطار شرعية القانون الدولي والبحث عن نتيجة مقبولة من خلال طاولة المفاوضات. وما يتعين أن يدركه الجميع أخيراً هو أن منطقة الشرق الأوسط، والخليج تحديداً، لن تتحمل تداعيات اندلاع حرب رابعة في المنطقة.

Share