الشرق الأوسط في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2004

الشرق الأوسط في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2004

  • 8 مايو 2004

يحتل الشرق الأوسط المكانة الأبرز على خارطة التحديات الخارجية للولايات المتحدة، وينعكس ذلك بالطبع على البرامج السياسية لمرشحي الرئاسة الأمريكية لهذا العام، فهناك ثلاث حروب أشعلتها الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها؛ الحرب على الإرهاب، والحرب على أفغانستان، والحرب على العراق. وما انفكت قضايا تتعلق بعملية السلام العربية-الإسرائيلية، وإيران، والسعودية، والعراق تفرض نفسها بقوة على برامج المرشحين للرئاسة الأمريكية 2004. تمثل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في كل مرة نقطة مراجعة وتصفية حسابات في القضايا الداخلية والخارجية للولايات المتحدة، وتساعد شفافية النظام السياسي هناك على تمكن جميع الأطراف من طرح وجهات نظرهم، وانتقاد غيرهم بكل حرية ووضوح من خلال البرامج الانتخابية والخطط التي يتبارى المرشحون في طرق عرضها وإقناع الناخبين بها. ويمثل حمى الصراع على الرئاسة الأمريكية لهذا العام؛ عن الحزب الديمقراطي السيناتور جون كيري المحارب القديم في فيتنام، والجمهوري جورج دبليو بوش الرئيس الحالي للولايات المتحدة الذي يحاول جاهداً الفوز بفترة رئاسية ثانية. وقد جمع كل منهما مبالغ ضخمة لتمويل حملته الانتخابية تقدر بـ 140 مليون دولار لجورج بوش، و 32 مليون دولار لجون كيري. في الوقت الذي يعلم فيه الجميع سياسة جورج بوش الحالية من الشرق الأوسط وقضاياه، يرى كيري، الذي أولى الشرق الأوسط اهتماما خاصاً آخذا في الاعتبار الوضع الأمني المتأزم الذي تعيشه بلاده، أن "أمن الولايات المتحدة يعتمد على مدى مساعدة شعوب الشرق الأوسط في العمل من خلال رؤية حقيقية للسلام".

كانت الولايات المتحدة الأمريكية حاضرة في جميع محاولات الوصول إلى سلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، منذ اتفاقية أوسلو عام 1993، مروراً بكامب ديفيد عام 2000، وخارطة الطريق التي أطلقها جورج دبليو بوش عام 2002 بعد وقت طويل من محاولة النأي بنفسه عن التدخل في قضية الصراع العربي الإسرائيلي. وحتى هذه اللحظة لم يتمكن الطرفان من تطبيق أي من هذه الاتفاقيات عمليا على أرض الواقع؛ حيث كان العنف المتبادل سيد الموقف، بل زاد تعقيداً بعد سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية لرموز المقاومة الفلسطينية، وبناء السور، وأخيراً ضمانات بوش الابن لرئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون، التي تتنافى مع قرارات الأمم المتحدة وحتى خارطة الطريق نفسها.  لا شك أن تفاصيل تدخل الرئيس الحالي والمرشح للفوز بفترة رئاسية ثانية بقضية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل ستؤثر في مجرى حملته الانتخابية، وأنه يتعين عليه وعلى المرشح الديمقراطي جون كيري توضيح مستوى دعم الولايات المتحدة لشارون وحكومته، ومدى تشجيعها لمزيد من مبادرات السلام، وإمكانية الضغط على إسرائيل لإقناعها بوجهة النظر الأمريكية لا سيما ما يخص بناء السور وتوسيع المستوطنات، والعلاقة بين عملية السلام والأهداف الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، وموقفها من مشروع نشر قوات دولية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بهدف مراقبة الأوضاع هناك.   يدافع كيري بكل صراحة ووضوح عن سياسته اللا مشروطة لدعم إسرائيل بقوله: "إن التاريخ ومصالحنا يتطلبان أن تُبقي الولايات المتحدة على سياستها الثابتة من صداقة ودعم إسرائيل، باعتباره البلد الديمقراطي الوحيد في الشرق الأوسط، إسرائيل أحد أهم حلفائنا، وشريك ضروري في تلمس طريق الأمن والسلام في هذه المنطقة المضطربة". وهو من الداعين إلى السلام بين الطرفين باعتباره ضرورة "للأمن القومي الأمريكي، ولأمن إسرائيل وبقية دول المنطقة، ولأنه يُعطي الأمل للفلسطينيين ببناء دولة حقيقية لهم، والانتصار في الحرب ضد الإرهاب". ويعتبر تجاهل الرئيس الأمريكي جورج بوش للتدخل في عملية السلام لوقت طويل "لعبة خطيرة". إلا أنه يدعم "خارطة الطريق" بشرط أن يكون دور الولايات المتحدة أكثر فاعلية وثباتا في تطبيقها. ويبدو حل الصراع وإحلال السلام سهلاً بالنسبة إلى كيري، وهذا ماجعله يدعو رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع إلى اتخاذ خطوات جادة لوقف التفجيرات ضد إسرائيل، وكبح الجماعات الفلسطينية المسلحة، عندها ستقدم الولايات المتحدة الدعم الفني والتدريب اللازمين لقوات الأمن الفلسطيني للقيام بهذه المهمة. في المقابل يعتقد أن على إسرائيل ألا تتوقف عن ممارسة حقها في حماية شعبها، كما أن عليها التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني. في الوقت نفسه يتجاهل كيري توضيح موقفه من بناء المستوطنات وحق اللاجئين في العودة إلى وطنهم، وبناء الجدار العازل، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، وسياسة الاغتيالات الإسرائيلية، الأمر الذي يدعو إلى التساؤل عن الدور الذي تلعبه أصوله اليهودية في هذا الطرح الذي لا يتوقع له أي نجاح في حال نجح كيري في الوصول إلى كرسي الرئاسة الأمريكية. لم تعد سياسة الولايات المتحدة تجاه دعم إسرائيل لغزاً محيراً إذا ما عُرف الدور المسيطر الذي تلعبه "لجان العمل السياسي" في التأثير على المرشحين وتوجهاتهم السياسية بما يخدم توجهات هذه اللجان التي تسيطر عليها الجماعات المؤيدة لإسرائيل، والتي تقدم الدعم المالي للمرشحين السياسيين الذين يخوضون الانتخابات الفيدرالية، كما لا يمكن إنكار دور جماعات اللوبي اليهودي الموالي لإسرائيل.

بعد تعرض الولايات المتحدة الأمريكية لأكبر هجوم في تاريخها في 11 سبتمبر، شنت حربها ضد جماعة "القاعدة" المتهمة الرئيسة بهذا الهجوم، وسميت الحرب التي قادتها الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم "القاعدة" وكل من له صلة بها "الحرب على الإرهاب"، وكانت أولى أهدافها ضرب مركز  قيادة "القاعدة" في أفغانستان. وما زال الرئيس بوش الابن يتعهد بمواصلة حربه على الإرهاب، ويعتبر الحرب على العراق جزءاً منها، إلى جانب محاربة الجماعات المتشددة في السعودية وغيرها والمتهمة بإذكاء مشاعر العداء للولايات المتحدة. ويتعهد بوش في كل مناسبة باستمرار "الحرب على الإرهاب" إلى أن تحقق أهدافها في القضاء على "الجماعات الإرهابية" وفي ضمان أمن الولايات المتحدة. يتفق كيري مع كثير من توجهات بوش، وينتقده في آن معاً، فهو يرى أن بوش لم يكن سوى "رئيس الحرب"، وأنه لم يستغل فرصة التحالف العالمي مع الولايات المتحدة الذي أعقب أحداث 11 سبتمبر بالشكل المناسب. ويضع كيري تصوراً مختلفاً للسياسة التي سيتبعها في حماية أمن الولايات المتحدة، وتتمثل هذه السياسة في عدد من النقاط هي: عدم جعل القوة العسكرية الأداة الوحيدة في الحرب، وإنما تستخدم عند الضرورة فقط، وتطوير وسائل الاستخبارات الدولية وحكم القانون، والقضاء على مصادر تمويل الجماعات الإرهابية، وضبط عملية انتشار أسلحة الدمار الشامل، وإحلال السلام في العراق عن طريق توسيع التحالف الدولي وعلى رأسهم الأمم المتحدة، وكسب الأجيال الجديدة وأفكارهم في العالم العربي والإسلامي، إضافة إلى تشديد حماية الأراضي الأمريكية ومواقعها الاستراتيجية.

كثيرا ما دافعت الإدارة الأمريكية الحالية عن هدفها من الحرب على العراق ونفت أن يكون النفط أحد أسبابها الرئيسة، ولكن كيري يعتقد عكس ذلك، وأن الولايات المتحدة تلقي بأبنائها ضحايا للحرب التي تشنها في الشرق الأوسط من أجل النفط، وأنه آن الأوان لأمريكا أن تنعتق من أسر حاجتها لنفط الشرق الأوسط. ويرى كيري أنه إذا ما أصبح رئيسا للولايات المتحدة فإنه سيعمل على إيجاد وقود بديل للنفط خلال عشر سنوات مما يوفر نصف مليون فرصة عمل ويحمي "أبناءنا وبناتنا من حرب النفط في الشرق الأوسط". ورغم شهرة كيري بمعارضته لحرب فيتنام، الأمر الذي كان في صالحه، فإنه صوّت في مجلس الشيوخ لصالح بدء العمل العسكري في العراق عام 2002، ويشارك كيري جورج بوش في خطته لما بعد احتلال العراق، من أهمية أن تؤدي الأمم المتحدة دوراً أساسياً في مساعدة الشعب العراقي على تطوير مؤسساته السياسية الجديدة، وبقاء القوات الأمريكية في العراق إلى أن تحقق أهدافها. ويحاول كيري أن يميز نفسه عن بوش بدعوته أن تكون العراق جزءاً من مهمة حلف شمال الأطلسي "الناتو" العالمية، باعتبار أن لأعضاء الناتو مصالح مختلفة في العراق، ويكون هذا التدخل على مراحل بدءاً من حماية أمن الحدود العراقية، وامتداد مسؤوليتها إلى الجزء الشمالي من العراق، إلى جانب تدريب قوات الأمن العراقية، وهذا سيهيئ المجال لعودة 20 ألف جندي أمريكي إلى وطنهم، ويفتح الباب لبقية الدول غير الأعضاء في الناتو في الدخول إلى التحالف مثل الهند وباكستان، والهدف من ذلك كله هو "إقناع الشعب الأمريكي أن الولايات المتحدة لا تتحمل عبء حماية العراق وحدها".

منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، تعتبر إيران إحدى أعداء الولايات المتحدة، واتُّهمت إيران في عهد الرئيس بوش الحالي بأنها أحد "محاور الشر" بسبب إيوائها ودعمها للحركات "الإرهابية"، وبسعيها لتطوير أسلحة للدمار الشامل. وفي محاولة أخرى لتمييز نفسه عن بوش، يعتزم كيري، في حال وصوله إلى كرسي الرئاسة الأمريكية، كسر الجمود الذي يلف العلاقة الأمريكية الإيرانية، وفتح حوار مع إيران متجاوزاً بذلك نهج رؤساء الولايات المتحدة في خمسة وعشرين عاماً مضت. فقد نشرت صحيفة طهران تايمز في 8 فبراير/شباط 2004 رسالة بعث بها مكتب كيري إلى وكالة الأنباء الإيرانية يوضح فيها أسباب ضرورة انتخابه لرئاسة الولايات المتحدة، وأن سلوك بوش العدائي تجاه شعوب عديدة هو السبب في كثير من مشكلات العالم، وأوضح في رسالته أن رفض إدارة بوش التعامل مع إيران أمر مرفوض. لكن كيري لم يوضح موقفه من برنامج أسلحة الدمار الشامل الإيرانية، ولم يتحدث عن الدور الذي ستلعبه إيران في ترتيبات الأمن الإقليمي، وعن دورها في الحرب ضد الإرهاب، في حال استئناف الحوار الأمريكي الإيراني. على خلفية أحداث 11 سبتمبر، والاحتلال الأمريكي للعراق؛ تشهد العلاقات الأمريكية-السعودية أسوأ أزمة في تاريخها، وحسب برنامج كيري الانتخابي، وبالنهج نفسه الذي تبعه بوش ضد تمويل "الإرهاب"، سيعمل كيري على "فرض قوانين مالية صارمة ضد البلدان والبنوك المتورطة بقضايا غسيل الأموال". وفيما يخص الإصلاح السياسي في الشرق الأوسط والعالم العربي، لا تختلف رؤية كيري عن بوش في اعتقاده أن "دمقرطة الشرق الأوسط هي جزء متمم للتقدم في المنطقة"، ويؤكد أن "الديمقراطية لن تأتي بين عشية وضحاها، ولكن على الولايات المتحدة أن تسرّع قدومها من خلال "مساندة قوى الديمقراطية ضد الأنظمة القمعية، وعن طريق مكافأة الحكومات التي تتخذ خطوات حقيقية نحو التغيير". تأخذ السياسة الخارجية للولايات المتحدة نصيباً مهماً من البرامج الانتخابية للمرشحين، وتشكل التطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مقياساً لاحتمالات فوز أي من المرشحين، فلطالما كان للسياسة الخارجية دور في إسقاط ناخبين وإنجاح غيرهم، ويتعين على مرشحي الرئاسة الأمريكية لهذا العام إقناع الناخب الأمريكي بتوجهه نحو مجموعة من القضايا تأخذ فيها السياسة الخارجية مكانة متقدمة، لا سيما في تمكنه من تحديد التوازن الذي يحكم خيارات الولايات المتحدة العسكرية والدبلوماسية، والدور الذي يُعطى لوجهات نظر البلدان الأخرى، وطرق تقوية نظام التجارة العالمية، ووسائل تصدير الديمقراطية إلى بقية دول العالم، وغيرها من القضايا المهمة.

Share