السياق الدستوري والقانوني للانتخابات الرئاسية المصرية

  • 16 مايو 2012

يتوجه الناخبون المصريون يومي 23 و24 مايو الحالي لاختيار أول رئيسٍ للجمهورية بعد ثورة يناير 2011، في انتخابات يتنافس فيها ثلاثة عشر مرشحاً، ينتمون إلى مختلف الاتجاهات السياسية الإسلامية والليبرالية والقومية واليسارية. وقد تستغرق الانتخابات الرئاسية المصرية نحو الشهر؛ حيث من المتوقع أن تعلن النتيجة النهائية للانتخابات في 21 يونيو القادم، ويتسلم الرئيس الجديد سلطته بنهاية الشهر نفسه. ومن ثم، تنبع أهمية هذه الانتخابات من أنها سوف تضع نهاية للمرحلة الانتقالية التي بدأت في فبراير من العام المنصرم. وتجري هذه الانتخابات بعد أن تم تغيير الإطار الدستوري والقانوني الذي يحكم العملية الانتخابية في مصر، فما هي ملامح هذا الإطار الجديد ومظاهر التغيير فيه؟

تتحدد ملامح السياق الدستوري والتشريعي الجديد في تعطيل العمل بأحكام الدستور الدائم لعام 1971، وإصدار إعلان دستوري مؤقت في 30 مارس 2011، ونشر تشريعٍ جديد يتيح للمصريين المقيمين في الخارج التصويت في الانتخابات، وإدخال عدة تعديلات رئيسة على قانوني الحقوق السياسية (رقم 73 لسنة 1976) والانتخابات الرئاسية (رقم 174 لسنة 2005).

بعد تعطيل العمل بالدستور الدائم، تم إصدار إعلان دستوري مؤقت تضمن 63 مادة، منها ثماني مواد استفتي عليها الشعب في 19 مارس 2011. يتضمن الإعلان الدستوري شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، ومتطلباته، ومدة الرئاسة، واختصاصات الرئيس، وكيفية الإشراف على الانتخابات. وقد حدّد الإعلان الدستوري شروطاً عدة في المرشح الرئاسي: من حيث الجنسية (تمتعه بالجنسية المصرية، وعدم حمله، ووالديه المصريين، جنسية دولة أخرى، وعدم الزواج بغير مصري)، والسن (لا يقل عن أربعين عاماً)، والتمتع بمباشرة الحقوق المدنية والسياسية. أما بالنسبة لمتطلبات الترشح للمنصب، فيلزم أن يحصل المرشح على تأييد ثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء البرلمان المنتخبين، أو تأييد ما لا يقل عن ثلاثين ألف ناخب في 15 محافظة على الأقل بحيث لا يقل عدد مؤيديه في أية محافظة عن ألف. ولكن يحق، وفقاً للإعلان الدستوري، لأي من الأحزاب الممثلة في البرلمان بعضوٍ واحد منتخب على الأقل الدفع بمرشح رئاسي. وقد حدد الإعلان الدستوري مدة الرئاسة بأربع سنوات قابلة للتجديد مرةً واحدةً، على أن يُعين الرئيس المنتخب نائباً له أو أكثر خلال 60 يوماً من مباشرة منصبه.

وكما كان الحال في دستور 1971، يتبنى إعلان مارس 2011 النظام الرئاسي في تعريفه لصلاحيات الرئيس التي تشمل أدواراً تنفيذية وتشريعية وقضائية. وتتلخص صلاحيات الرئيس التنفيذية في تمثيل الدولة في الداخل والخارج، وإبرام الاتفاقات الدولية، وتعيين الحكومة وإقالتها، وتعيين الموظفين المدنيين والعسكريين والمبعوثين الدبلوماسيين وعزلهم. أما اختصاصاته التشريعية، فتتمثل في دعوة البرلمان للانعقاد في دورات عادية أو استثنائية وفض دوراته، وحق إصدار القوانين أو الاعتراض عليها. بينما تتحدد سلطة الرئيس القضائية في العفو عن العقوبة أو تخفيفها. ويلاحظ أن بعض القوى السياسية في مصر تطالب بإصدار إعلان دستوري مكمل لمدة عام يتضمن تقليص صلاحيات الرئيس أو على الأقل تحجيمها، وذلك حتى الانتهاء من صياغة الدستور الجديد وعرضه على الاستفتاء الشعبي. وفي الحقيقة، فإن ما يتوافق مع الإعلان الدستوري، وبصرف النظر عن إصدار آخر مكملٍ له من عدمه، هو إجراء الانتخابات الرئاسية قبل الانتهاء من الدستور الجديد؛ حتى يتسنى وضع الدستور في ظل حكمٍ مدني.

وفي نوفمبر 2011، تم تعديل الإعلان الدستوري بما يمكن المصريين بالخارج من التصويت في الانتخابات والاستفتاءات، وذلك لأول مرة في تاريخ الانتخابات المصرية. ومن ثم، صدر في الشهر نفسه مرسوم بقانون في هذا الخصوص، مبيناً أن لجنة الانتخابات الرئاسية تشرف على آلية ممارسة المصريين في الخارج لحق انتخاب رئيس الجمهورية. وقضى المرسوم بوضع جداول انتخابية مخصصة لهذا الغرض، وتشكيل لجان عامة وفرعية من أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي بقرار من لجنة الانتخابات الرئاسية بناء على ترشيح من وزير الخارجية. وقد بدأ تصويت المصريين بالخارج في مقار السفارات والقنصليات المصرية بالفعل في 11 مايو الجاري، ويستمر حتى السابع عشر منه.

علاوة على ذلك، تم إدخال عدة تعديلات رئيسة على قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية. ويحدد القانون تكوين الهيئة الناخبة من المواطنين الذين لهم حق التصويت (أكثر من 50 مليون مواطن)، وكذلك المعفيين من حق الانتخاب (ضباط وأفراد القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية وضباط وأفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم)، والمحرومين من هذا الحق. وتشمل الفئة الأخيرة، على سبيل المثال، المحكوم عليه في جناية، والمحكوم عليه بعقوبة الحبس في جرائم النقد والأموال أو التزوير وخيانة الأمانة وشهادة الزور أو التفالس بالتدليس أو هتك عرض وغيرها، والمحكوم عليه بعقوبة سالبة للحرية في جرائم الانتخاب المختلفة والجرائم المرتكبة في قاعة اللجان الانتخابية مثل الاعتداء على رئيس لجنة الانتخابات وأعضائها. وتجب ملاحظة أن القانون المذكور يأخذ بقاعدة رد الاعتبار لكل هؤلاء.

وعلى الرغم من أن قانون الحقوق السياسية قد بالغ نسبياً في توسيع دائرة المحرومين من مباشرة حقوقهم السياسية، فقد تضمنت التعديلات التي أدخلت عليه، وصدرت في أواخر أبريل المنصرم، فرض العزل السياسي على رموز نظام الرئيس السابق حسني مبارك. ومن هنا، اشتهرت هذه التعديلات إعلامياً بأنها تمثل قانون العزل السياسي، وتقضي بالحرمان من مباشرة الحقوق السياسية "كل من عمل خلال السنوات العشر السابقة على 11 فبراير سنة 2011 رئيسا للجمهورية أو نائباً له أو رئيساً للوزراء أو رئيساً للحزب الوطني الديمقراطي المنحل أو أميناً عاما له أو كان عضواً بمكتبه السياسي أو أمانته العامة"، وذلك لمدة عشر سنوات. ولم يتضمن قانون العزل السياسي من شغلوا مناصب وزارية؛ ولذلك لم يتأثر ترشح عمرو موسى، الذي عمل وزيراً للخارجية في الفترة 1991-2001، بهذا التشريع. وكانت اللجنة استبعدت بسبب هذه التعديلات الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في النظام السابق، من الترشح، ثم قبلت تظلمه من قرار الاستبعاد لما ادعاه من مخالفة التعديلات للدستور، وإحالة القانون للمحكمة الدستورية العليا للفصل فيه. وقد قضت المحكمة الإدارية العليا في 12 مايو الجاري بصواب قرار الإحالة، رغم الحكم ببطلانه من قبل محكمة القضاء الإداري بالقاهرة.

كما تم إدخال عدة تعديلات رئيسة على قانون الانتخابات الرئاسية لسنة 2005. فأولاً صدر مرسوم بقانون في يناير 2012 يتضمن توضيحاً وتفصيلاً لأحكام الإعلان الدستوري بخصوص متطلبات الترشيح وإجراءاته، وتشكيل لجنة الانتخابات الرئاسية وكيفية عقد اجتماعاتها، وتنظيم تصويت المصريين في انتخابات رئيس الجمهورية، وتقنين التبرعات للحملات الانتخابية للمرشحين وغيرها. ثم أدخل مجلس الشعب تعديلات إضافية على القانون المذكور (مايو 2012)، وهي معروضة حالياً على المحكمة الدستورية العليا للبت في مدى دستوريتها. وتتضمن هذه التعديلات تسليم جميع المرشحين أو وكلائهم صورًا مختومة من لجان فرز الأصوات في اللجان الفرعية والعامة بالأصوات التي حصل عليها كل منهم، والسماح للجان العامة بإعلان نتيجة الانتخابات بحضور المرشحين أو وكلائهم وممثلين عن منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، وذلك قبل إرسال محاضر الفرز إلى لجنة الانتخابات الرئاسية. ويرى المراقبون أن هذا التعديل يسعى إلى الحد من سلطات اللجنة الأخيرة؛ حيث سيقتصر عملها على إعلان النتائج التي وصلتها وأذيعت في اللجان العامة. وتسمح التعديلات بأن تمتد الدعاية الانتخابية حتى يوم الاقتراع، ومن ثم إلغاء ما يعرف بفترة الصمت الانتخابي. كما تقضي التعديلات بأنه لا يحق لرئيس اللجنة أو أعضائها أو أمينها العام تقلد أي منصب سياسي أو برلماني بعد انتخابات الرئاسة.

وتُجرى الانتخابات في ظل إشرافٍ قضائي كامل، على أساس نظام الأغلبية المطلقة، حيث تتولى لجنة الانتخابات الرئاسية، وهي لجنة قضائية بحكم الإعلان الدستوري وبحكم تشكيلها، الإشراف على الانتخابات بدءاً من الإشراف على جداول الناخبين وإعلان فتح باب الترشيح لرئاسة الجمهورية وإقرار القائمة النهائية للمرشحين، مروراً بتحديد تاريخ بدء الحملة الانتخابية ونهايتها (بدأت الحملات في 30 أبريل الفائت)، ودعوة المواطنين للانتخاب (قامت بذلك بالفعل في 7 مارس 2012)، وإصدار قواعد تمويل الحملات الانتخابية، والتحقق من تطبيق القواعد المنظمة للدعاية الانتخابية، وتشكيل لجان الاقتراع والفرز بمندوبين للجنة من أعضاء الهيئات القضائية، وانتهاءً بالفصل في جميع التظلمات والطعون المتعلقة بالانتخاب وإعلان النتيجة النهائية للانتخابات. وتتشكل اللجنة من رئيس المحكمة الدستورية العليا (المستشار فاروق سلطان) رئيساً، وعضوية كلٍ من رئيس محكمة استئناف القاهرة، والنواب الأول لكلٍ من رئيس المحكمة الدستورية العليا ورئيس محكمة النقض ورئيس مجلس الدولة. ووفقاً لبيانات اللجنة، يبلغ عدد القضاة المشرفين على الانتخابات الرئاسية 14 ألفا و500 قاض، يعاونهم 65 ألف موظف من العاملين بالجهاز الإدارى للدولة.

وقد حصّن الإعلان الدستوري قررارات اللجنة، في مادته 28 الشهيرة الخلافية؛ بأن جعلها نهائية ونافذة وغير قابلة للطعن عليها بأية صورة وأمام أية جهة. وكانت إحدى محاكم القضاء الإداري قد أصدرت قراراً ببطلان قرار لجنة الانتخابات الرئاسية بدعوة الناخبين للاقتراع، وهو القرار الذي قضت المحكمة الإدارية العليا بإلغائه. ومن جهتها، أقرت لجنة الانتخابات الرئاسية لمنظمات المجتمع المدني، سواء أكانت مصرية أو أجنبية أو دولية، العاملة في مجالات التنمية السياسية وحقوق الإنسان ودعم الديمقراطية الرقابة على الانتخابات، بعد الحصول على ترخيصٍ بذلك من اللجنة.

وأخيراً، حدد قانون الانتخابات الرئاسية النظام الانتخابي الذي تحسب على أساسه الأصوات في الانتخابات، وهو نظام الأغلبية المطلقة أو نظام الأغلبية على دورين، وهو النظام الانتخابي نفسه المتبع في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. وفي ظل هذا النظام، ووفقاً لصيغته التي تتبناها القانون، يفوز برئاسة الجمهورية المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة لعدد الأصوات الصحيحة ( 50% + صوت واحد). فإذا لم يحصل أي من المرشحين الثلاثة عشر على هذه الأغلبية، وهو محتمل بدرجة كبيرة جداً، تُجرى جولة ثانية بين المرشحين اللذين حصلا على أكبر عدد من الأصوات. ويفوز في هذه الجولة المرشح الذي يستطيع تأمين غالبية أصوات الناخبين.

Share