السياسة والاقتصاد في تباين المواقف الدولية حيال العراق

  • 19 فبراير 2003

مرة أخرى تجد مقولة "إن السياسة تعبير مكثف عن الاقتصاد" نفسها مقلوبة على رأسها في حالة المواقف المتباينة للمجتمع الدولي حيال الأزمة العراقية. فعلى الرغم من قناعة العديد من الأوساط، وبالتحديد شريحة كبيرة من المعارضة الشعبية العالمية للحرب، بأن الهدف الحقيقي لسياسة الإدارة الأمريكية في تغيير النظام العراقي من خلال التدخل العسكري يكمن في السيطرة على النفط وفي ضمان مصالح الشركات الكبرى في قطاع النفط العراقي، وهو ما يمثل الأساس لشعار "لا للحرب من أجل النفط"، فإن السياسة تقف في واقع الأمر في صدارة الأهداف التي تبتغي واشنطن تحقيقها من وراء الحرب. والشيء نفسه يمكن أن يقال عن مواقف بعض الدول المعارضة للتوجه الأمريكي حيال العراق حيث ليس للاقتصاد والمصالح الاقتصادية المباشرة تأثير كبير فيها.

إن أهم تغير طرأ على المجتمع الدولي منذ هجمات 11 سبتمبر على الولايات المتحدة قد تمثل في تراجع الدور التاريخي للاقتصاد في التحكم بشكل شبه مباشر بالعلاقات السياسية الدولية بما في ذلك عقد الاتفاقيات والتحالفات أو اندلاع الخلافات والنزاعات. لذلك فإن القول بأن المصالح الاقتصادية، وتحديدا النفطية منها، تشكل الأساس الذي تقف عليه سياسة الولايات المتحدة في العراق ربما يغفل هذه الحقيقة إن لم ينطو على التبسيط في تحليل طبيعة المصالح الاقتصادية الأمريكية بشكل عام أو بسوق النفط ودور العراق فيه بشكل خاص. إذ يكفي الإشارة إلى أنه ليس هناك ما يهدد إمدادات النفط العراقية، سواء إلى السوق العالمية أو إلى السوق الأمريكية، من عوائق وخصوصاً أن للعراق، شأنه شأن الدول المنتجة الأخرى، مصلحة حيوية في بيع النفط ربما تفوق حتى مصالح الدول المستهلكة في شرائه. كما أن الفوائد التي يمكن أن تجنيها شركات النفط الأمريكية، حتى إذا افترضنا أنها ستستحوذ على عمليات إعادة إعمار القطاع النفطي العراقي جميعها، وهو افتراض لا تسنده حقيقة تعدد التخصصات وتقسيم العمل بين الشركات الكبرى، لا تجد تبريرا معقولا في حجم التكاليف الباهظة المترتبة على الحرب المحتملة والتي تضعها بعض التقديرات بنحو يتجاوز 120 مليار دولار، ستتحمل الولايات المتحدة الجزء الأكبر منها.

والشيء نفسه ينطبق على معارضة كل من فرنسا وألمانيا للحرب على العراق التي لا تنبع، مثلما يرى البعض، من مصالح اقتصادية ملموسة. إذ إن تحقيق المصالح الحقيقية بالنسبة إلى البلدين يكمن في ضمان علاقات أفضل مع أكبر شركائها الاقتصاديين في العالم بدلا من السعي للحصول، مثلما يزعم، على حصة في "الكعكعة" العراقية التي لا يمكن لها أن تصل في أهميتها أو حجمها إلى مستوى يقرب من قيمة العلاقات التجارية بين فرنسا وألمانيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى. وذلك لا يعني أن تباين المواقف يشير إلى أن هناك أسباباً أعمق وأهم من المصالح الاقتصادية المباشرة تدفع نحو اتخاذ هذا الموقف أو ذاك. ومعرفة طبيعة هذه الأسباب، بدلاً من ترديد مقولات لا تصمد أمام الواقع، تمثل الأساس الذي يمكن أن ينطلق منه اتخاذ المواقف الصحيحة حيال الأزمة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات