السياسة الروسية في منطقة الخليج وجنوب آسيا

د. كينيث كاتزمان: السياسة الروسية في منطقة الخليج وجنوب آسيا

  • 3 يناير 2008

ثمة جدل جوهري يثار داخل الولايات المتحدة الأمريكية حول ما إذا كانت روسيا تمثل خصماً أم حليفاً للجهود الأمريكية الرامية إلى تحقيق الاستقرار في منطقة الخليج وجنوب آسيا. وكان يُفترض أن تبدو الولايات المتحدة وروسيا كحليفين طبيعيين في هذه المنطقة في مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، على أساس أن الإرهاب والتطرف النابعين من تلك المنطقة يهددان كلتا القوتين اللتين يغلب عليهما الطابع المسيحي، غير أن شعور روسيا بالتنافس الكامن مع الولايات المتحدة بعد انتهاء حقبة الاتحاد السوفيتي عرقل التوصل إلى تحالف أوثق بينهما، كان من شأنه أن يعمل على تحقيق استقرار أفضل في المنطقة، يجعلها أحسن حلاً مما هي عليه الآن.

وترى روسيا، وكذلك الولايات المتحدة، أن المخاطر التي تهدد أمنها تنبع من المنطقة. ففي جنوب روسيا مباشرة توجد دول إسلامية كانت فيما مضى جزءاً من الاتحاد السوفيتي وهي خاضعة الآن لتأثير ونفوذ التيارات الإسلامية من إيران والمملكة العربية السعودية والجماعات المتطرفة الناشطة في باكستان. ومنذ تفكك الاتحاد السوفيتي أصاب العنف الإسلامي كلاً من طاجكستان وأوزبكستان رغم أنهما نجحا، على الأقل حتى يومنا هذا، في كبت هذا العنف. كما تواجه روسيا أيضاً حركات التمرد الإسلامية داخل الاتحاد الروسي ذاته، مثلما هو حادث في الشيشان منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي؛ فالمتمردون الشيشانيون الذين سبق لهم التدريب، في معسكرات تنظيم القاعدة بباكستان، وربما يستمرون في ذلك، أو الذين تربطهم علاقات مستمرة مع زعماء القاعدة في باكستان، هم المسؤولون عن كثير من الهجمات الإرهابية الكبرى التي وقعت في روسيا خلال السنوات القليلة الماضية، ومن ضمنها واقعة احتجاز رهائن مسرح موسكو ومذبحة مدرسة بيسلان.

وعلى عكس الولايات المتحدة الأمريكية، نجد أن روسيا تسعى إلى  تغيير إحساسها بأن نفوذها العالمي قد تقلص وبأنها أصبحت تابعة للولايات المتحدة في السياسات الدولية. وقد صرح بعض الصحفيين بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشعر بأن الولايات المتحدة باتت تنظر إليه كموظف يعمل لديها نظرياً، أو كزعيم خاضع لحمايتها يتوقع منه تأييد إمبراطوريتها المتعاظمة، وهذا الإحساس الروسي بالمجد المفقود يلقي بظلاله إلى حد ما على سياساتها في منطقة الخليج وجنوب آسيا.

لا تزال روسيا مستاءة من طردها المهين من أفغانستان بعد احتلالها لهذا البلد أكثر من عشر سنوات؛ فرغم القوة العسكرية الطاغية لم تستطع روسيا وشركاؤها في الاتحاد السوفيتي البقاء والاستقرار في أفغانستان، وتم النظر إلى انسحابها باعتباره هزيمة لها. وبينما نظرت روسيا إلى هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة باعتبارها مؤشراً على قابلية الولايات المتحدة للخطأ والسقوط، إلا أنها رأت بالتأكيد أن تنظيم "القاعدة" وحركة طالبان يشكلان تهديداً كامناً لأمن روسيا ومصالحها. ومن خلال الاكتفاء بالسماح للولايات المتحدة بأن تتولى عمليات المعارك والحرب التي من شأنها تحقيق مصالح روسيا ذاتها، تعاونت موسكو مع الحرب التي قادتها أمريكا ضد طالبان والقاعدة، عبر تقليص معارضتها للولايات المتحدة والسماح لقوات التحالف باستخدام القواعد الجوية في أوزباكستان وقيرغستان وطاجيكستان. وفي فترة ما بعد طالبان زودت روسيا أفغانستان بكميات صغيرة من المساعدات الإنسانية والتنموية، ولكنها ظلت تلعب دوراً صغيراً في أفغانستان ما بعد طالبان بسبب ذكريات الاحتلال الروسي الطويل لأفغانستان والتي لا تنسى.

ورغم أن روسيا تكبدت هزيمة سياسية في أفغانستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، فقد كسبت حليفاً لصيقاً في العالم العربي وهو عراق صدام حسين. وقد أعطى التحالف الروسي مع العراق ذي التوجه البعثي لروسيا مجالاً للتدخل في منطقة الخليج، كما أعطاها بعض النفوذ أو التأثير في النزاع العربي-الإسرائيلي، رغم أن هذا التأثير نبع أيضاً من علاقات موسكو مع سورية. غير أن سقوط نظام صدام حسين قضى على نفوذ روسيا في العراق، وألغى اتفاقياتها التي كانت أبرمتها مع هذا النظام، والتي كانت تهدف إلى  تطوير عدد من حقول النفط في العراق. وتغمر المسؤولين الروس سعادة صامتة عندما يرون الولايات المتحدة وهي تواجه صعوبات بالغة في مساعيها الرامية لتحقيق الاستقرار في العراق، مع أن هذه الصعوبات قد خفت، إلى حد ما، مع النجاح الذي حققته استراتيجية زيادة القوات الأمريكية على ما يبدو. وتعتقد روسيا أن إخفاقات الولايات المتحدة في العراق قد أفادتها من حيث أنها أعاقت المغامرات العسكرية المقبلة للولايات المتحدة أو طموحاتها التوسعية. ولذا فقد رفضت بإصرار مساعدة الولايات المتحدة على تحسين وضعها في العراق، ولكن موسكو تدرك في الوقت نفسه أن التطرف الإسلامي الذي نما في العراق ربما يسبب في نهاية المطاف أضراراً لها أو لدول آسيا الوسطى.

وفيما يتعلق بالسياسة الأمريكية تجاه إيران تعتبر الولايات المتحدة الأكثر اعتماداً على روسيا في هذا الصدد، والأكثر حذراً، في الوقت نفسه، من النوايا الروسية. وعلى عكس العراق لم يسبق لإيران أن كانت عميلاً لموسكو، وكان تأثير روسيا على إيران بصفة دائمة محدوداً، وظلت العلاقات بينهما مقصورة نسبياً على مبيعات روسيا لإيران من الأسلحة التقليدية والتكنولوجيا النووية وبعض المساعدة في برامج إيران المتعلقة بالصواريخ. ورغم ذلك فإن مبيعات الأسلحة والتكنولوجيا النووية الروسية لإيران قوضت، إلى حد ما، جهود الولايات المتحدة الرامية إلى احتواء إيران استراتيجياً. وربما مثّل ذلك مسعى من قبل روسيا لتعزيز نفوذها في منطقة الخليج، أو كسر احتكار الولايات المتحدة بصفتها ضامن الأمن الاستراتيجي للخليج. علاوة على ذلك، فإن الدولتين، روسيا وإيران، عادة ما تجدان نفسيهما متحالفتين ضد جهود الولايات المتحدة الرامية إلى  تنمية صادرات الطاقة إلى أوروبا بشكل يتجاوز كلاهما.

لقد استمرت السياسة الروسية الخاصة ببناء وتنمية العلاقات مع إيران طوال الثلاث سنوات الماضية، رغم أن روسيا نفسها ترى أن إيران النووية تشكل تهديداً كامناً لها؛ لأن "إيران نووية" ستشكل خطراً على دول آسيا الوسطى، مما قد يضع روسيا في موقف صعب بصفتها ضامن الأمن لتلك الدول. وسعياً منها للحفاظ على علاقاتها مع إيران، قامت روسيا بإبطاء المساعي الأمريكية الرامية إلى إرغام إيران، من خلال فرض عقوبات تدريجية أكثر تشدداً من جانب الأمم المتحدة، على التخلي عن برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم، والذي تعتقد إدارة بوش أنه يرمي في نهاية المطاف إلى  تطوير برنامج للأسلحة نووية، رغم نشر "تقدير الاستخبارات الوطنية" الأمريكي الأخير، الذي أفاد بأن إيران قامت منذ خريف عام 2003، بتعليق الجوانب السرية لبرنامجها النووي.

وقد صوتت روسيا حتى الآن على قرارين يفرضان عقوبات من جانب الأمم المتحدة على إيران؛ لأنها تدرك بلا شك أن حماية إيران من أية عقوبات دولية في الوقت الذي تتحدى فيه طهران صراحة المجتمع الدولي سوف يضر بروسيا نفسها ويكون في غير صالحها. ومع ذلك وفيما يخص هذين القرارين استخدمت روسيا قوتها لضمان إعفاء عقدها البالغ قيمته بليون دولار أمريكي والخاص ببناء مفاعل نووي مدني لإيران في بوشهر من نطاق هذه العقوبات. وحتى وقت قريب كانت روسيا تتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال رفضها إمداد مفاعل بوشهر بالوقود إلى أن تعلق إيران برنامجها الخاص بتخصيب اليورانيوم. وربما يكون تقدير الاستخبارات الوطنية الأمريكي الأخير قد أعطى روسيا غطاء سياسياً لعكس هذا الموقف، ففي ديسمبر/كانون الأول 2007 بدأت في تزويد مفاعل بوشهر بالوقود، كما تقف روسيا والصين معاً ضد محاولة إصدار قرار ثالث يفرض مزيداً من العقوبات من قبل الأمم المتحدة على إيران.

وما نستطيع أن نخلص إليه في هذا الصدد، هو أن احتمال تعزيز التعاون الأمريكي-الروسي بعد الحادي عشر من سبتمبر في محاربة التطرف الإسلامي وتحقيق الاستقرار في منطقة الخليج قد أُهدر؛ فروسيا ترفض التعاون مع الولايات المتحدة بصفتها شريكاً صغيراً، كما ترفض اتباع أية سياسات يمكن أن تؤدي إلى تحسين صورة الولايات المتحدة بصفتها القوة العظمى الوحيدة الباقية في العالم. والأمر الذي ينذر بمخاطر أشد هو ملاحظة أن روسيا تبدي نوعاً من التشفي فيما تلاقيه الولايات المتحدة من صعوبات في المنطقة، سواء في إخفاقها في القبض على زعماء تنظيم القاعدة، أو في إرساء الاستقرار الكامل في العراق أو أفغانستان. وقد تتسبب سياسة روسيا تجاه إيران في انضمام تلك الدولة إلى  نادي الدول النووية، الأمر الذي قد يبدأ معه سباق تسلح شامل في منطقة الخليج، ويشجع الجهود الإيرانية الرامية إلى إعادة هيكلة الشرق الأوسط لصالحها.

Share