السياسة الروسية تجاه إيران بين الثبات والتغيير

  • 28 أكتوبر 2010

عقدت إيران صفقة مع روسيا في عام 2007 لشراء عدد من أنظمة صواريخ "إس 300" المتطورة، التي تتميز بقدرتها على تدمير الطائرات المهاجمة من مسافات بعيدة، مما يسمح لها بعرقلة أي غارات جوية يحتمل شنها على المنشآت النووية الإيرانية من جانب أي طرف. وقامت بسداد قيمة الصفقة بالكامل. وكانت روسيا على وشك تسليم الشحنة الأولى من أنظمة هذه الصواريخ، لكنها أرجات تنفيذ ذلك في اللحظة الأخيرة، بسبب الضغوط المتعددة التي تعرضت لها، قبل أن تعلن حظر تصديرها استناداً إلى ظروف قاهرة (Force majeure) التزاماً بتطبيق العقوبات الدولية الواردة في قرار مجلس الأمن رقم 1929 الصادر في يونيو/حزيران الماضي (2010).

وقد أثار هذا الموقف جدلاً بين الجانبين الروسي والإيراني؛ حيث انتقد الناطق الرسمي باسم الخارجية الإيرانية، رامين برست، القرار الروسي، مؤكداً أن هذا النظام الصاروخي نظام دفاع ولا يشمله القرار 1929، ومشيراً إلى أن بلاده وقعت عقداً لشراء هذه الصواريخ قبل سنوات من إصدار القرار المشار إليه،  وأنها تتوقع أمراً آخر من الدول الصديقة والجارة غير اللعب في الملعب الأمريكي.

وفي تقدير بعض المراقبين كان بإمكان روسيا أن تلجأ لأسلوب آخر غير إلغاء الصفقة بالكامل، مثل تأجيل تنفيذها لأسباب فنية أو أية أسباب أخرى، إذا كانت القيادة الروسية راغبة في ألا تذهب بعيداً في هذه العملية وفي اتجاه معاكس للمصالح الإيرانية، ولاسيما أن هناك علاقات ومصالح قوية تربط بين روسيا وإيران في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية اقتربت معها إلى مستوى الطابع الاستراتيجي. لكن إقدام روسيا على إلغاء هذه الصفقة في هذا التوقيت، واصطفافها هي والصين إلى جانب الولايات المتحدة والغرب في تأمين صدور قرار مجلس الأمن الأخير الذي فرض موجة رابعة مشددة من العقوبات على طهران، بعد أن كانت تعرقل القرارات السابقة المماثلة، يوضح أن هناك أيادي خارجية سعت بنشاط لتحجيم علاقات التقارب والتعاون بين الجانبين، وساهمت في حدوث التغير الذي شهده الموقف الروسي مؤخراً، والذي يمكن رده إلى مجموعة من العوامل والأسباب.

أولها، أن روسيا ربما تكون قد أجرت نوعاً من المقايضة السياسية بينها وبين الولايات المتحدة. وبموجب هذه المقايضة، تتراجع الولايات المتحدة عن إتمام خطط الدرع الصاروخي الذي كانت تنوي إقامته في عهد بوش الابن في المحيط الجغرافي المجاور مباشرة لروسيا، والذي اعتبرته موسكو مخططاً لمحاصرتها، مقابل قيام روسيا بتحجيم التعاون المتنامي بينها وبين إيران ولاسيما في المجالات المقلقة للغرب.

ثانيها، الموقف الإسرائيلي. فقد تعرضت روسيا لضغوط إسرائيلية غير عادية لإيقاف صفقة الصواريخ هذه؛ لعلم إسرائيل بقدرة هذه المنظومة الصاروخية على عرقلة تنفيذ أي هجوم جوي محتمل يمكن أن تقوم به على المنشآت الإيرانية النووية. وفي هذا الصدد، قام إيهود باراك، وزير الدفاع الإسرائيلي، بزيارة إلى موسكو في سبتمبر/ أيلول الماضي ركزت على تعزيز التعاون العسكري بين الجانبين؛ حيث تم توقيع اتفاق عسكري ينص على قيام إسرائيل بتزويد روسيا بصفقة طائرات متطورة من دون طيار، وتعزيز التعاون في مجال التكنولوجيا العسكرية. وقد نظرت العديد من المصادر إلى هذه الصفقة باعتبار أنها تشكل بداية "شهر عسل" أمني بين روسيا وإسرائيل، وكان من أول نتائجها إلغاء صفقة صواريخ "إس 300" التي كانت إيران على وشك الحصول عليها.

السبب الثالث، كما يرى بعض المراقبين، يتمثل في وجود ما يشبه أزمة ثقة بين روسيا والحكومة الإيرانية. فموسكو تعاني من صعوبة التفاهم مع الجانب الإيراني وتذبذب توجهات قادته السياسيين. ويعكس التصريح الذي أطلقه الرئيس الروسي، ديمتري مدفيديف، مؤخراً، والذي حذر فيه من اقتراب إيران من امتلاك وسائل صنع السلاح النووي، أزمة الثقة هذه التي تغذيها مواقف طهران الغامضة.

ويرجع عدد آخر من المراقبين هذا التغير في الموقف الروسي تجاه إيران الذي عكسه قرار حظر تصدير صواريخ "أس 300"، إلى الخلاف الداخلي بين رئيس الوزراء الروسي، فلاديمير بوتين، الذي كان مؤيداً لهذه الصفقة وسبق له زيارة طهران، ورئيس البلاد، ديمتري ميدفيديف، المعارض لها؛ حيث تغلب في النهاية رأي الأخير. وقد ظهرت بعض مؤشرات هذا التباين في مواقف بين الرجلين في إقدام ميدفيديف على إقالة عمدة موسكو لوجنكوف المقرب من فلاديمير بوتين، والذي ظل في منصبه 18 عاماً. ويرتبط هذا التباين بالتنافس الدائر حالياً بين الرجلين على الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة المقررة مطلع العام 2012.

وبصرف النظر عن الأسباب والعوامل التي تقف خلف قرار موسكو حظر  تصدير أنظمة الصواريخ "إس 300" إلى إيران، فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن هذا القرار ستكون له تداعيات سلبية على قدرات إيران العسكرية، وإمكانياتها لتطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية. فإيران تعتمد في ذلك بشكل كبير على المصادر الخارجية وفي مقدمتها روسيا، التي تعد من أهم مصدري الأسلحة إلى طهران، كما أن أنظمة الصواريخ هذه كانت ستعزز قدرة طهران على التصدي لأية هجمات محتملة تستهدف ترسانتها النووية، ما يعني أن عدم إتمام الصفقة يشكل خصماً من هذه القدرة. ولا يعني ذلك بطبيعة الحال، أن إلغاء هذه الصفقة سيضعف من القدرات العسكرية الكبيرة التي تمتلكها إيران، لكنه على أقل تقدير سيحرمها من تطوير هذه القدرات.

لا يعني ما سبق أن العلاقات الروسية-الإيرانية ستشهد انقلاباً أو تحولاً جذرياً، فالمواقف في السياسة الدولية لا تعرف الألوان الحدية، الأسود والأبيض، ولكن يغلب عليها غالباً اللون الرمادي، كما أن سياسة روسيا لا تعرف مثل هذه الانقلابات الفجائية وتتحرك دوماً بما تمليه عليها مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا رأت موسكو الاستمرار في تنفيذ تعهداتها بشأن تشغيل مفاعل بوشهر النووي، وإن تباطأت في التنفيذ ووضعت ضمانات صارمة في هذا الصدد، حتى لا يخرج هذا المفاعل عن النطاق السلمي؛ إذ إنه ليس من مصلحة روسيا أن تمتلك إيران قدرات نووية عسكرية تقلب موازين القوى في الشرق الأوسط وفي منطقة جوارها الجغرافي، كما أنه ليس من مصلحتها أيضاً أن تخسر العلاقات القوية التي تربطها بطهران، والتي تحقق لها مصالح اقتصادية واستراتيجية مهمة، ومن هنا كان من الضروري الإبقاء على التعاون القائم بين الجانبين، كما أن روسيا ترى أن في وسع طهران القيام بدور سلبي مضر لها في الشيشان وطاجيكستان، ومصاعب في القوقاز الشمالي وآسيا الوسطى، لذا وجدت في الإبقاء على التزامها في مفاعل بوشهر صك ضمان لضبط السلوك السياسي الإيراني في هذه المناطق.

إن الاهتمام الاستراتيجي الأول لروسيا يتركز في حماية نفوذها ومصالحها في منطقة الجوار الجغرافي المباشر لها، آسيا الوسطى والقوقاز، التي تعتبرها حديقتها الخلفية وتسعى إلى تثبيت الأوضاع فيها وإبعاد عوامل عدم الاستقرار التي قد تنجم عن التدخلات الخارجية. ورغم أن هناك تعاوناً مشتركاً بين روسيا وإيران في مجالات عدة يقترب أحياناً من مستوى التحالف، فإن هذه العلاقات يمكن أن تتضرر إذا تعارضت مع مصالح روسيا الاستراتيجية العليا، لاسيما في منطقة جوارها الجغرافي.

في هذه المرحلة تتبنى روسيا موقفاً سياسياً رمادياً يقتضي الموازنة بين الحفاظ على العلاقات مع إيران من ناحية، والعلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل ووعودهما التي مازالت تحت التحصيل، من ناحية أخرى. في هذا السياق جاء قرارها بحظر تصدير صواريخ "إس 300" لإيران في مقابل كسب متوقع من الجانب الآخر (واشنطن وتل أبيب)، ولكنها أبقت على بعض خيوط علاقاتهما مع إيران، ومن بينها مفاعل بوشهر النووي، تحسباً للتقلبات في مواقف الأطراف المعنية، حتى تصل إلى مرحلة شبه اليقين من المواقف النهائية لمختلف الأطراف.

وفي ضوء ذلك ستظل العلاقة الروسية-الإيرانية حبيسة المساحة الرمادية بين التغير التكتيكي والتحول الاستراتيجي، ويتوقف أمر اتجاهها النهائي على قدرة طرفي العلاقة المتصارعين (الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية وإيران من ناحية أخرى) على جذب البوصلة الروسية في اتجاهه بتقديم مزيد من الحوافز. وستستغل موسكو هذا التنافس بين الأطراف المعنية في مزاد السياسة الإقليمية، ولكن يبدو بصفة أولية أن حوافز الجانب الأمريكي/الإسرائيلي ستكون أكثر ثقلاً وأقوى ترجيحاً لجذب الطرف الروسي بعيداً عن تحالفات الماضي مع الجانب الإيراني، غير أن الأمر قد يتطلب بعض الوقت لاستكمال الدورة السياسية للتحالفات الجديدة وما تفرزه من متغيرات.

Share