السياسة الخارجية السورية في بيئة متغيرة

  • 31 أكتوبر 2010

لا شك أنه قد أصبح من الممكن للمهتمين بالسياسة الخارجية السورية والمتابعين لتطوراتها أن يتبينوا نموذجاً واضح المعالم لقدرة هذه السياسة على التكيف مع المتغيرات الإقليمية والعالمية، وقد يقتضي هذا التكيف تراجعاً مؤقتاً في بعض المواقع المؤثرة لهذه السياسة، غير أنه سرعان ما يتضح أن هذا التراجع كان "تكتيكي" الطابع تعود بعده إلى استرداد ما خسرته. ولا شك أن ثمة عوامل عربية وإقليمية وعالمية ساعدت السياسة السورية أحياناً على نجاح تحركاتها في هذا الصدد، لكن الفعل الأساسي يبقى سورياً.

ويمكن القول إن هذا النموذج قد ثابر طيلة عهد الرئيس حافظ الأسد (1970-2000) ثم عهد ابنه بشار (2000- الآن) أي لأربعة عقود كاملة، الأمر الذي يعطي صدقية عالية لهذا النموذج. ويكفي للتدليل على ذلك أن نتذكر مأزق السياسة السورية في النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي. في تلك الفترة كان لسورية وجودها العسكري في لبنان، وكانت تقود فريق المعارضين لعودة العلاقات العربية-المصرية التي تقطعت أوصالها بعد أن دشن الرئيس المصري أنور السادات سياسته الجديدة للتسوية مع إسرائيل، منتهياً بعقد معاهدة سلام معها في1979، وكانت تراهن إقليمياً على إيران في حربها مع العراق (1980-1988)، وعالمياً على الاتحاد السوفيتي الذي كان يزود سورية قبل تولي جورباتشوف سدة الحكم فيه بأحدث ما في ترسانته من أسلحة لم يكن بعض الدول الأعضاء في حلف وارسو يحصل عليها أصلاً.

غير أن هذه الرهانات السورية سرعان ما بدأت تنهار واحداً تلو الآخر، ففي1986 استطاعت القوات الإيرانية أن تحدث اختراقاً في شبه جزيرة الفاو العراقية، وهو أمر بدا خطيراً، ونُظر إليه كبداية لتحول موازين القوى في تلك الحرب التي بدأت بتفوق عراقي ظاهر نتيجة عوامل لا مجال للحديث عنها في هذا السياق، وفي ذلك الوقت كانت أبجديات التفكير الاستراتيجي تشير إلى أن سقوط العراق في حربه مع إيران سوف يكون بداية لتهديد إيراني لكافة دول الخليج، ومن هنا لم تكن مصادفة أن القمة العربية في عمان1987 قد اتخذت قراراً يسمح للدول العربية بإعادة علاقاتها مع مصر فرادى إن شاءت، بعد أن كان الموقف العربي هو أن هذه العلاقات قُطعت بقرار جماعي ويجب أن تعود بقرار جماعي. وكان واضحاً أن السياسة السورية لم يكن بمقدورها أن تمنع صدور هذا القرار في سياق مخاوف دول الخليج خاصة والدول العربية عامة من اختراق إيراني واسع للأراضي العربية، وكان كل ما تمكنت منه السياسة السورية هو تأجيل قرار عودة مصر إلى المنظومة العربية على الصعيد الجماعي، أي على صعيد منظومة العمل العربي المشترك، لكن الدول العربية أعادت جميعها في تعاقب سريع علاقاتها الدبلوماسية مع مصر باستثناء ليبيا وسورية ذاتها، وهكذا خسرت سورية رهان عزل النظام المصري عن محيطه العربي بسبب سياسة التسوية المنفردة مع إسرائيل.

غير أن الخسارة السورية لم تقف عند هذا الحد، فقد شهد منتصف عام1988 سلسلة من الانتصارات العراقية في الحرب مع إيران انتهت بإجبار الأخيرة في أغسطس من تلك السنة على قبول وقف إطلاق النار بعد أن ظلت ترفضه طويلاً، وخرج العراق –ولو على الصعيد التكتيكي- منتصراً من هذه الحرب، وهكذا خسرت سورية رهانها الثاني على إيران. غير أن الأمور لم تقف عند هذا الحد، ذلك أن صدام حسين الذي كان يعرف أبعاد الموقف السوري المعادي للعراق في حربه مع إيران قد اختار أن يرد الضربة لسورية بعد وقف إطلاق النار بتزويد غريمها الأول في لبنان ميشيل عون بأسلحة متطورة مكنته من أن يسبب إحراجاً بالغاً للوجود السوري العسكري في لبنان.

ولكي تكتمل الحلقة المحكمة حول السياسة السورية حينذاك كانت تداعيات السياسة الخارجية الجديدة لجورباتشوف في الاتحاد السوفيتي قد بدأت تؤتي حصادها المر بالنسبة للسياسة السورية. كان جورباتشوف قد طرح في تلك السياسة مبدأيه الشهيرين: عالم واحد أو لا عالم، وتوازن المصالح لا توازن القوى، وكان واضحاً أن هذا يعني للسياسة السورية أن الاتحاد السوفيتي بات يدعم بلا حدود سياسة التسوية بين العرب والإسرائيليين، وأنه لم يعد مستعداً للاستمرار في تزويد سورية بالأسلحة الحديثة التي تستند إليها في موقفها المتشدد تجاه تلك التسوية. وهكذا اكتملت الحلقة المحكمة حول السياسة السورية عربياً وإقليمياً وعالمياً، فماذا فعلت هذه السياسة؟

تبدو القدرة العالية على التكيف واضحة هنا، فقد أعادت سورية علاقاتها الدبلوماسية مع مصر في ديسمبر1989. صحيح أنها كانت بذلك آخر دولة عربية تتخذ هذه الخطوة، لكن مدلولها الرمزي كان يشير إلى تخلي سورية عن تشددها تجاه التسوية مع إسرائيل، ويلاحظ من ناحية أخرى أنها لم تمانع في عودة مصر إلى القمم العربية في تلك السنة (1989) وعودة الجامعة العربية إلى مصر لاحقاً. ثم كان العامل المساعد الذي وفر لسورية فرصة كبرى في تعزيز الخروج من إسار مأزقها هو الغزو العراقي للكويت 1990. هنا اختارت السياسة السورية أن تنحاز بوضوح للكويت ضد خصمها التقليدي المتمثل في النظام العراقي، وأن تقبل الانضواء تحت راية التحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت، وفي هذا السياق استطاعت أن تفرض شرطها بإسقاط المساندة الدولية لميشيل عون الذي هدد وجودها العسكري في لبنان، وأن تجهض أي إمكانية لتعاظم نفوذ النظام العراقي، وأن تصلح علاقاتها مع الغرب بزعامة الولايات المتحدة في الوقت الذي كان الاتحاد السوفيتي يلفظ فيه أنفاسه الأخيرة.

ما أشبه الليلة بالبارحة! في عام2003 وقع الغزو الأمريكي للعراق، وتدهورت علاقات سورية مع الولايات المتحدة على أساس أنها كانت تدعم المقاومة العراقية للغزو، وتستضيف البعثيين العراقيين الفارين من نار "الاجتثاث"، ولولا أن الإدارة الأمريكية قد شُغلت بتعقيدات الوضع في العراق لكانت سورية نفسها قد أصبحت هدفاً محتملاً لقوات الغزو، ثم وقع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني "السابق" رفيق الحريري في2005، وكان متهماً بضلوعه في صدور قرار مجلس الأمن رقم1559 الذي أسس ضمن أشياء أخرى لوجوب خروج القوات السورية من لبنان، الأمر الذي جعل أصابع اتهام كثيرة تشير إلى سورية بالتورط في اغتيال الحريري، وتولدت ضغوط هائلة على صانع القرار السوري أجبرته على سحب قواته من لبنان بعد أن بقيت هناك قرابة ثلاثين عاماً. تصور البعض حينذاك أن هذا الانسحاب يمثل نهاية للنفوذ السوري في لبنان وبداية لأفول نجمها عربياً، غير أن السياسة السورية سرعان ما أثبتت أن تراجعها هذا كان تكتيكياً، وأنها استطاعت عبر القوى السياسية اللبنانية الصديقة لها أن تستعيد ذلك النفوذ ربما على نحو أفضل طالما أنه مبرأ من شبهة الفرض بقوة السلاح، والأهم أن استعادة السياسة السورية مكانتها في لبنان امتدت بالتدريج خارج أنصارها التقليديين إلى قوى ناصبتها العداء يوماً كتيار وليد جنبلاط الذي اعتذر علناً عن خطأ تقييمه السياسة السورية في السنوات الماضية، ورئيس الوزراء اللبناني الحالي وزعيم تيار المستقبل سعد الحريري الذي أسقط عن سورية تهمة الضلوع في اغتيال الحريري. وعادت سورية من جديد رقماً أساسياً في المعادلة اللبنانية سواءً من خلال صيغة "س س" أي سورية والسعودية وفق تعبير رئيس مجلس النواب اللبناني، أو من خلال صيغة "س إ س" بإضافة إيران في أعقاب زيارة نجاد الأخيرة للبنان.

لم يقف الأمر عند حد استعادة  سورية نفوذها في لبنان، فقد ساعد الإخفاق المزمن لمسار التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي السياسة السورية على أن تكسب أوراقاً من استضافتها الفصائل الفلسطينية الرافضة هذا المسار، كما تمكنت من جسر الفجوة بينها وبين السعودية بعد التوتر الذي شاب علاقات البلدين عقب خطاب الرئيس السوري في أغسطس2006 بعد نهاية العدوان الإسرائيلي على لبنان الذي تحدث فيه عن "أنصاف المواقف" و "أنصاف الرجال"، واستعادت مكانتها بعد توتر لافت في العلاقة مع العراق لدى كثير من القوى السياسية العراقية على نحو بدا معه أنها صارت رقماً مهماً في معادلة السياسة العراقية. ولم يبق لها عربياً إلا علاقتها المتوترة مع مصر التي يبدو واضحاً أنها لا تؤثر على مجمل الحضور السوري في السياسة العربية لأسباب غير خافية.

على الصعيد الإقليمي حافظت سورية على علاقات الصداقة المتينة مع إيران التي أصبحت بدورها لاعباً مهماً في الشرق الأوسط منذ الغزو العراقي للكويت في1990، وبصفة خاصة في أعقاب الغزو الأمريكي للعراق الذي سمح -بما أحدثه من خلخلة هائلة في بنية هذه الدولة- بأن يصبح لها نفوذ واسع على مقدرات ذلك البلد العربي. من ناحية ثانية استطاعت سورية أن تطور نموذجاً بالغ النجاح للعلاقة مع تركيا التي اقتربت كثيراً من العرب في الآونة الأخيرة، وبدلاً من أجندة للعلاقات السورية-التركية تتضمن قضايا صراعية كالمطالبة السورية بلواء الاسكندرون، والغضب التركي من إيواء سورية زعيم حزب العمال الكردستاني الذي مثَّل لعقود شوكة موجعة في خاصرة الدولة التركية بلورت هذه العلاقات نموذجاً فريداً للتعامل مع قضايا المطالبات الإقليمية يقوم على التعاون وليس الصراع، وازدهرت العلاقات السورية-التركية إلى حد بعيد، بما في ذلك قيام تركيا لبعض الوقت بدور الوسيط بين سورية وإسرائيل ضمن محاولات التسوية السياسية للمسار السوري-الإسرائيلي. ومكَّن هذا كله من تحسين الصورة السورية لدى الغرب، فحدثت انفراجة واضحة في العلاقات السورية-الأوروبية عامة والفرنسية خاصة، بل إن التهدئة قد طالت حيناً من الوقت العلاقات السورية-الأمريكية نفسها، وإن كانت قد عادت للتوتر مؤخراً بسبب الموقف المتأزم في لبنان.

لقد أثبتت السياسة السورية قدرة عالية على "البقاء" و"فاعلية الحركة" رغم الظروف الصعبة مستفيدة في ذلك من بعض التوترات المواتية إقليمياً وعالمياً، وإن كانت الإشارة واجبة إلى أن البيئتين الإقليمية والعالمية كثيراً ما حملتا من ناحية أخرى تحديات هائلة للسياسة السورية. تبقى السياسة السورية إذن لاعباً مهماً في الساحتين الإقليمية والعالمية، وإن كان الاختبار الحقيقي لهذه السياسة يتمثل دون شك في مدى قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

Share