السياسة الخارجية الإماراتية: تحركات نشطة وأدوار فاعلة

  • 8 مارس 2012

شهدت السياسة الخارجية الإماراتية في الآونة الأخيرة نشاطاً دبلوماسياً واسعاً عكس بجلاء ما تتمتع به الدولة وقيادتها من احترام وتقدير كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية، وما تتميز به هذه السياسة من حيوية وديناميكية ورغبة في توسيع خيارات التحرك في الشرق والغرب. فخلال الشهرين الماضيين كانت دولة الإمارات العربية المتحدة محطة رئيسية لمسؤولين كبار من عدة قوى إقليمية ودولية، وفدوا إلى الدولة لبحث سبل تعزيز العلاقات بين بلدانهم ودولة الإمارات. ومن هؤلاء، على سبيل المثال لا الحصر، رئيس جمهورية كوريا الجنوبية، لي ميونج باك، ورئيس وزرائه، كيم هوانج سيك، ورئيس مجلس الدولة الصيني، وين جياو باو، والرئيس التركي عبدالله جول؛ ورئيس الوزراء اليمني، محمد سالم باسندوه، ووزيرة خارجية باكستان، حنا رباني، التي ترأست وفد بلادها في أعمال الاجتماع العاشر لـ"اللجنة المشتركة الإماراتية- الباكستانية"؛ ورئيس الحكومة الفلسطينية المقالة، إسماعيل هنية، والسيد ميخائيل ماسنيكوفيتش رئيس وزراء بيلاروسيا، إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، الذي أطلق خلال مشاركته في القمة العالمية لطاقة المستقبل، التي عقدت بأبوظبي في يناير الماضي، دعوته إلى أن تكون السنة الحالية 2012 هي "السنة الدولية للطاقة المستدامة للجميع".

في المقابل، تعددت الزيارات التي قام بها مسؤولو الدولة للخارج، بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بهدف فتح مجالات جديدة للتعاون مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة، بما يخدم المصالح العليا لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومن أمثلة ذلك، الزيارتان اللتان قام بهما، مطلع مارس الجاري، الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لكلّ من تركيا وألمانيا، والزيارات المتعددة التي قام بها مؤخراً سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، إلى كل من روسيا وإيران وكندا والعراق وتونس للمشاركة في مؤتمر أصدقاء سورية، وإلى المكسيك لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين "جى 20" وغيرها من العواصم المهمة.

هذا التحرك الفاعل والنشط على الساحة الخارجية للدبلوماسية الإماراتية في الفترة الأخيرة يثير مجموعة من الملاحظات المهمة. تتعلق الأولى بدلالات هذا التحرك بالنسبة لموقع الإمارات ومكانتها على الساحة الدولية، فلاشك أن توافد هذا العدد من كبار مسؤولي القوى الدولية والإقليمية على الدولة في هذه الفترة الوجيزة يؤكد ما تتمتع به الدولة من ثقل وحضور كبيرين على الساحتين الإقليمية والدولية بفضل السياسات الحكيمة التي تنتهجها قيادتها الرشيدة تجاه القضايا المختلفة، والتي تنطلق من المبادئ ذاتها، التي أرسى دعائمها المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس الدولة، رحمه الله، والتي تقوم على تبني نهج الاعتدال والتوازن، ومناصرة قضايا الحق والعدل في المحافل الدولية، واعتماد أسلوب الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء، واحترام المواثيق الدولية وقواعد حسن الجوار، وسيادة الدول ووحدة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وحل النزاعات بالطرق السلمية. فالالتزام بهذه المبادئ جعل الإمارات عنواناً للاعتدال والحكمة والسياسة المتزنة. ومن هنا يمكن تفهم سبب حرص مختلف القوى الإقليمية والدولية على الاستماع لرؤى قيادتنا الرشيدة وتصوراتها لكيفية التعامل مع مختلف الأزمات والمشكلات الإقليمية.

الأمر الثاني المهم الذي يفسر سبب توافد المسؤولين العرب والأجانب على دولة الإمارات، يتعلق بما تشهده الدولة من نهضة اقتصادية واستقرار داخلي، فما حققته الإمارات في السنوات الأخيرة من نهضة تنموية شاملة، جعلها مثار إعجاب وتقدير مختلف دول العالم، ونموذجاً تنموياً رائداً للمنطقة بأسرها، فهذه التجربة التنموية نجحت في الانتقال بالمجتمع الإماراتي من مرحلة ما قبل النفط إلى مجتمع متقدم تتوافر فيه كافة متطلبات الحياة العصرية وأدواتها التقنية المتطورة. أما الأمر الثالث، فيتعلق بالدور الفاعل والبنّاء الذي تؤديه الإمارات في أسواق الطاقة العالمية التقليدية والمتجددة، فهي أحد المنتجين الرئيسيين للنفط في العالم، والدولة الرائدة في مجال تطوير مصادر الطاقة المتجددة؛ حيث تحتضن المقر الدائم للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

في المقابل، تحرص الإمارات على إقامة علاقات فاعلة ومتوزانة مع دول العالم أجمع؛ انطلاقاً من إيمانها الراسخ بـأن ذلك هو المدخل لتعميق أواصر الصداقة والتفاهم بين الشعوب، وخدمة مصالحها الوطنية العليا، الأمر الذي يفسر سبب هذه الحركة الدؤوبة للدبلوماسية الإماراتية، التي نجحت في تعزيز مكانة الإمارات على الساحتين الإقليمية والدولية، وجعلها رقماً صعباً يصعب تجاوزه من قبل أي مهتم بشؤون المنطقة.

الملاحظة الثانية، تتعلق بأهداف هذا التحرك النشط للدبلوماسية الإماراتية، فمن المعروف أن تحرك أي  دولة على الساحة الخارجية له أهداف محددة يسعى إلى تحقيقها، وفي الحالة الإماراتية يمكن الإشارة إلى أمرين مهمين: الأول يتعلق بحرص الإمارات على تنويع علاقاتها الخارجية، وتوسيع خيارات التحرك في الشرق والغرب لتعزيز جهود تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة لأبناء الإمارات. ومن هنا كان الحرص على تعزيز العلاقات الثنائية مع القوى الاقتصادية الصاعدة، وعلى رأسها كوريا الجنوبية والصين؛ حيث ركزت مباحثات مسؤولي البلدين مع المسؤولين الإماراتيين على بحث سبل تعزيز التعاون المشترك في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية، علماً بأن ثمة تطوراً ملحوظاً في علاقات البلدين الاقتصادية بالإمارات في الفترة الأخيرة؛ فالإمارات باتت أكبر شريك تجاري لكوريا الجنوبية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويصل حجم التبادل التجاري بينهما إلى ما يزيد على 15.7 مليار دولار وفق أرقام العام الماضي 2011. كما تعد دولة الإمارات ثاني أهم شريك تجاري بعد السعودية بالنسبة للصين في منطقة الشرق الأوسط، فهي تستحوذ بمفردها على نحو ثلث التبادل التجاري الصيني مع دول الخليج العربية البالغ نحو 100 مليار دولار، وأكثر من خمس التبادل التجاري الصيني مع الدول العربية ككل والبالغ نحو 150 مليار دولار. ومن المتوقع أن تتوطد هذه العلاقات على ضوء النتائج التي أسفرت عنها زيارة نائب رئيس الدولة الصيني للبلاد مؤخراً، والتي كان من أبرزها الاتفاق على إقامة علاقة شراكة استراتيجية بين البلدين، والاتفاقية التي تم توقيعها بين البنك المركزي الإماراتي ونظيره الصيني لمقايضة عملتي البلدين بنطاق 20 مليار درهم. كما شهدت العلاقات الاقتصادية الإماراتية- التركية بدورها تطورات مهمة في السنوات الأخيرة، حيث تعدّ الإمارات حالياً أكبر سوق تصديرية لتركيا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خمسة مليارات دولار في عام 2011، ويتوقع أن يصل إلى عشرة مليارات دولار في عام 2015.

وبطبيعة الحال فإن التوجه نحو تعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية الصاعدة لم يأت على حساب علاقات الدولة مع حلفائها التقليديين، والتي شهدت بدورها تطورات إيجابية مهمة في السنوات الأخيرة، فعلى سبيل المثال، ارتفع حجم التبادل التجاري غير النفطي بين الإمارات والولايات المتحدة خلال العام 2011 إلى 67.6 مليار درهم، بنسبة نمو بلغت 43.8% مقارنة بعام 2010، وفقاً لبيانات مركز الإحصاء التابع لوزارة الخارجية الأمريكية. وشهدت العلاقات مع الاتحاد الأوروبي تطورات مماثلة، رغم الأزمة المالية العالمية، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري مع كل من ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفرنسا وبلجيكا، والتي تمثل نحو 85% من حجم التجارة الإماراتية مع الاتحاد الأوروبي، بنسبة 20% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2011. وذلك وفقاً لدراسة تحليلية أصدرتها وزارة التجارة الخارجية في نهاية فبراير الماضي.

لقد نجحت دولة الإمارات العربية المتحدة في إقامة علاقات قوية وفاعلة مع مختلف الأطراف والقوى الدولية من دون أن تكون العلاقة مع منطقة ما على حساب العلاقة مع منطقة أخرى، أو أن تكون العلاقة مع طرف دولي أو إقليمي على حساب العلاقة مع طرف آخر، حيث تؤمن الإمارات بأن التواصل يظل دائماً ممكناً مع الجميع، باعتباره الطريق الحضاري والإنساني للتفاهم وحل النزاعات.

الأمر الثاني يتعلق برغبة دولة الإمارات وحرصها على تحقيق الاستقرار الإقليمي والمساهمة في كل جهد يخدم تحقيق هذا الهدف. فالإمارات، ومن منطلق حرصها على توفير البيئة المناسبة لتحقيق التنمية التي تصبّ في مصلحة الشعوب تقف دائماً إلى جانب أيّ جهد أو تحرك أو مبادرة تهدف إلى إقرار السلام والاستقرار في أي منطقة في العالم بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، وهذا ما اتضح بجلاء في تصريحات المسؤولين الإماراتيين خلال استقبالهم لوفود الدول الزائرة، أو خلال زياراتهم الخارجية، حيث اتسمت هذه التصريحات بالموضوعية والحكمة في طرح الرؤى بشأن كيفية معالجة العديد من الأزمات الإقليمية المشتعلة، من خلال التركيز على ضرورة تحقيق التوافق الداخلي في المجتمعات التي تعاني من أزمات سياسية وأمنية، وتسوية هذه الأزمات بالطرق السلمية.

لقد أظهرت تصريحات كافة المسؤولين الذين وفدوا إلى دولة الإمارات، أو الذين التقاهم المسؤولون الإماراتيون في الخارج، مدى الاحترام والتقدير الكبيرين اللذين يكنهما المجتمع الدولي لدولة الإمارات العربية المتحدة، ولقيادتها الحكيمة، التي نجحت بكفاءة واقتدار، في تأكيد حضور الدولة في المشهدين الإقليمي والعالمي، وجعلها طرفاً مقبولاً ومرحَّباً به في كل دول العالم ومناطقه، ليس فقط على المستوى الرسمي، وإنما أيضاً على المستوى الشعبي، ومحطة مهمة في زيارات المسؤولين العرب والأجانب إلى منطقة الخليج.

Share