السياحة رافداً لتنويع مصادر الدخل القومي في الإمارات

  • 22 ديسمبر 2011

تمثل قضية تنويع مصادر الدخل القومي هدفاً استراتيجياً لدولة الإمارات العربية المتحدة بشكل خاص، ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل عام، كما تمثل في الوقت نفسه تحدياً كبيراً بسبب الطبيعة الاقتصادية والتركيبة الاجتماعية والسكانية والبيئية لهذه الدول، وما تفرضه من قيود على هذا التوجه الحيوي لضمان أمنها الاقتصادي والاجتماعي والحفاظ على ازدهارها وتقدمها.

لقد اعتمدت دولة الإمارات وباقي دول مجلس التعاون الخليجي في العقود الأربعة الماضية على عوائد النفط، كمصدر أساسي للدخل القومي وتمويل موازناتها السنوية، ومن خلال هذه العوائد أمكن استثمار مبالغ طائلة لتطوير قطاعات البنى التحتية والتعليم والصحة والإسكان والخدمات العامة، إلى جانب تمويل كثير من المشروعات الاستراتيجية في قطاعات الصناعة والنقل والسياحة.

ومنذ البداية أدركت دولة الإمارات أن عمر الثروة النفطية قصير إذا ما قورن بالتاريخ الاقتصادي وبالنهضة الصناعية على وجه التحديد، والتي استمرت قرنين من الزمن في أوروبا وأمريكا الشمالية، مما جعلها تعمل على محاولة استغلال عائدات النفط لإقامة بنى تحتية متطورة لتنمية قطاعات إنتاجية وخدمية أخرى تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتشكل بصورة تدريجية بديلاً للنفط على المدى البعيد.
 
ومع أن القطاعات الاقتصادية غير النفطية المؤهلة للقيام بهذا الدور محدودة، لكن الدولة استطاعت أن تحقق تقدماً مهماً في العديد من هذه القطاعات، ولاسيما قطاع الصناعات التحويلية والتجارة والنقل والخدمات المالية، إضافة إلى القطاع السياحي الواعد الذي حققت فيه دولة الإمارات تقدماً ملحوظاً في العقدين الماضيين؛ إذ تحولت الدولة إلى معلم سياحي من الطراز الأول، وصارت تستقطب سنوياً ملايين السياح من بلدان العالم كافة.

ولمعرفة مدى التطور الذي شهده القطاع السياحي، نشير إلى نسبة مساهمة هذا القطاع في الناتج القومي، فهذه النسبة التي لم تتجاوز 1% قبل أربعين عاماً، أي عند قيام الاتحاد، ارتفعت لتصل إلى نحو 10.4% من حجم الناتج المحلي الإجمالي للإمارات في الوقت الحاضر. والقطاع السياحي يقف الآن إلى جانب أهم القطاعات الاقتصادية غير النفطية التي تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي في دولة الإمارات؛ حيث يتوقع أن تزداد أهمية هذا القطاع في العقود القادمة؛ وذلك لوجود بنية تحتية تتيح تطوير القطاع السياحي على أكثر من صعيد.

فأولاً هناك بنية تحتية قوية للصناعة الفندقية، لا يوجد لها مثيل في المنطقة من حيث النوعية والتسهيلات المقدمة، والتي استقطبت رواد الفن والرياضة والثقافة من خلال إقامة المناسبات العالمية، كما تتوافر مرافق بمواصفات عالية للسياحة العائلية والترفيهية، ولاسيما مراكز التسوق والشواطئ والأماكن التراثية؛ مما جعل القطاع السياحي أكثر تنوعاً وجذباً للزوار من مختلف بلدان العالم.

وتشير البيانات المتوافرة إلى أن نحو 50 مليون سائحاً زاروا مهرجان دبي للتسوق منذ انطلاقته قبل أربعة عشر عاماً تقريباً وحتى الآن، وأنفقوا قرابة 88 مليار درهم. أما في العام الحالي وحده، فقد بلغ عدد سائحي دبي 1.1 مليون زائر، في حين تخطى العدد 2 مليون على مستوى الدولة؛ حيث يعتبر ذلك إنجازاً للقطاع السياحي على اعتبار أنه يأتي في ظل استمرار تداعيات الأزمات العالمية وأزمة منطقة اليورو تحديداً؛ إذ إن الزوار من أوروبا الغربية يشكلون نسبة كبيرة من إجمالي زوار الدولة.

وقد ساهمت هذه الزيادة في عدد السياح في تنشيط مرافق مطارات الدولة، حيث ارتفع عدد القادمين بنسبة سنوية تصل إلى 10-12% مما رفع عدد القادمين عبر مطار دبي في هذا العام ليصل إلى ما يقارب 50 مليون وفق التقديرات الأولية، في حين سيتجاوز القادمون عن طريق مطار أبوظبي 10 ملايين لأول مرة.

وساهمت شركات الطيران الوطنية، كطيران الإمارات والاتحاد والعربية في هذه الزيادة الكبيرة، حيث ربطت مدن الدولة بشبكة كبيرة مع المدن العالمية تمتد من اليابان في الشرق وحتى الأمريكيتين في الغرب، مما حول الدولة، ليس إلى مركز عالمي للنقل فحسب، وإنما إلى منطقة جذب سياحي يسهل الوصول إليها من كافة أنحاء العالم، وهذه ميزة مهمة لا تتوافر في العديد من مناطق الجذب السياحي في العالم، وفي الشرق الأوسط تحديداً.

من ناحية أخرى، ساهم الاهتمام الملحوظ من جانب الدولة بصناعة المعارض واستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، ولاسيما في إمارة أبوظبي، في جعل الدولة مركزاً عالمياً متميّزاً للمعارض المتخصصة تتطلّع إليه الأنظار في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية وغيرها. كما قامت الدولة بإطلاق العديد من المشروعات السياحية العملاقة التي عززت من دور هذا القطاع في الاقتصاد الوطني، مثل مشروع جزيرة السعديات وحلبة مرسى ياس لسباقات الفورمولا1، وإنشاء نسخة من متحف "اللوفر" الفرنسي في أبوظبي، وغير ذلك من مشروعات تعكس اهتمام الدولة بتطوير هذا القطاع.

وفي الحقيقة، فإن لهذا القطاع الاقتصادي الهام ميزات عديدة تتعدى تنامي مساهمته في تنويع مصادر الدخل القومي لتشمل جوانب أخرى لا تقل أهمية؛ إذ إنه يعتبر من أكثر القطاعات الاقتصادية كثافة في استخدام الأيدي العاملة، وبالتالي فهو يؤمّن فرص العمل للمواطنين.

ومع أن هذه الميزة المهمة للغاية لا تعبر عن ذاتها في الوقت الحاضر بسبب قلة عدد المواطنين العاملين في القطاع السياحي، إلا أن الآفاق المستقبلية لالتحاقهم للعمل في هذا القطاع تبدو واعدة، بل إن بوادرها بدأت في البروز من خلال العاملين المواطنين في شركات الطيران المحلية وفي المراكز القيادية في سياحة المعارض والرياضة؛ حيث يتوقع أن يلتحق مزيد من المواطنين بالعمل في المرافق السياحية الأخرى، كالفنادق، ولاسيما أن هناك توجهاً رسمياً لتقديم مزيد من الدعم والتشجيع لعمل المواطنين في هذا القطاع.

وضمن الميزات الاقتصادية والتجارية المهمة للقطاع السياحي تأتي مسألة ارتباط كثير من المرافق والخدمات بأنشطته المتعددة، كتجارة التجزئة والمطاعم والنقل الداخلي والاتصالات والخدمات والمرافق العامة، مما يجعل مساهمته في تنويع مصادر الدخل تتعدى المساهمة المباشرة إلى مساهمة غير مباشرة لا تقل أهمية؛ لأن مساهمة بعض القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي ستتدنى عما هي عليه الآن، إذا لم يكن هناك قطاع السياحي نشط.

وإذا ما استمر نمو القطاع السياحي بهذه المعدلات المرتفعة في السنوات العشر القادمة، فإن هذا القطاع سيرفع من حصته في الناتج المحلي الإجمالي لتبلغ 12.1%، وهي نسبة كبيرة تنافس مساهمة قطاعات مهمة، كالصناعات التحويلية وقطاع الخدمات المالية، كما أن ذلك سيؤدي إلى أن تصبح دولة الإمارات إحدى أكبر ثلاث دول سياحية في الشرق الأوسط؛ حيث استحوذت الإمارات على سبيل المثال في العام الحالي، وفق تقرير مجلس السفر والسياحة العالمي، على 41% من إجمالي الاستثمارات السياحية في الشرق الأوسط  بمبلغ 40.5 مليار درهم ( 11 مليار دولار)، وهو ما يمثل في الوقت نفسه 20.9% من مجموع الاستثمارات في الدولة لعام 2011، مما سيشكل إلى جانب التطورات الأخرى التي أشرنا إليها نقلة نوعية للقطاع السياحي بشكل خاص ولتنويع مصادر الدخل للاقتصاد المحلي بشكل عام.

Share