السياحة العالمية أكثر القطاعات المُهدَّدة بسبب كورونا وتحتاج إلى مزيد من تكاتُف الجهود

  • 23 أبريل 2020

يُنظَر إلى اجتياح وباء كورونا مُعظمَ دول العالم على أنه أكثر التحديات التي هدَّدت وتُهدد قطاع السياحة حالياً؛ لارتباط هذا القطاع بالعديد من القطاعات والأنشطة الاقتصادية الرئيسية والفرعية، ولدوره المُسهِم في تعزيز الناتج المحلي للدول، باعتباره أحد القطاعات التي تتضمن أنواعاً عدّة، كالسياحة الثقافية والدينية والطبيعية، التي توقّفت تماماً في ظل انتشار الجائحة.يرتبط قطاع السياحة بقطاعات وأنشطة اقتصادية أخرى، كالنقل الجوي والبحري، ووكالات السفر والفنادق والمطاعم والمراكز الترفيهية والمحال التجارية، وغيرها، وهو ما جعل المنظمات الدولية ترصد وتستشرف التوقعات حول مستقبل القطاع؛ إذ توقعت منظمة السياحة العالمية أن يصل حجم الخسائر إلى 62 مليار دولار على المستوى العالمي، كما قدّرت خسائر سياحة الاجتماعات والحوافز والمؤتمرات بـ 42 مليار دولار، مشيرة إلى أن خسائر السياحة الأوروبية تصل إلى 2 مليار يورو، إضافة إلى خسائر في قطاع الطيران تصل إلى 30 مليار دولار.
أما منظمة السياحة العربية، فقد قالت إن خسائر العالم العربي من السياحة في حال عدم السيطرة على الوباء ستبلغ 30.6 مليار دولار، وإن قطاع السياحة العالمي سيخسر من 30 إلى 50 مليار دولار، مشيرة إلى أن المنطقة الأكثر تضرراً على صعيد القطاع السياحي ستكون آسيا؛ حيث انخفض عدد السائحين إليها بنسبة تقترب من 12%، وخاصة بعد أن حظرت الصين، المُصدّر الأكبر للسياح في العالم، تسويق السفر وألغت منذ نهاية يناير الماضي جميع البرامج المحجوزة.
كما توقع المجلس العالمي للسياحة والسفر في مارس الماضي أن يُعرّض تفشي كورونا نحو 50 مليون وظيفة في قطاع السياحة والسفر عالمياً للخطر، مشيراً إلى ضرورة تخفيض الضرائب على المسافرين، وتقليص الحواجز غير الضرورية في الموانئ والمطارات؛ موضحاً أن انتشار «كورونا» سيؤدي إلى خسائر بقيمة 22 مليار دولار لقطاع السياحة العالمي. ورجّح الاتحاد الدولي للنقل الجوي «إياتا» أن تبلغ خسائر قطاع الطيران العالمي نحو 63 مليار دولار إذا ما جرت السيطرة على المرض، لكن في حال انتشار المرض على نطاق أوسع، فإن الخسائر قد تصل إلى 113 مليار دولار.
وفي محاولات لتلافي الانتكاسة التي طالت وستطُول قطاع السياحة العالمي، دعت منظمة السياحة العالمية حكومات الدول إلى جعل السياحة أولويةً في خططها التنموية المقبلة، وجزءاً من خطط الإنعاش، قائلة في بيان لها إن السياحة تُواجه تحدي (كوفيد-19) نتيجة الأهمية الكبرى التي تذهب للصحة العامة؛ حيث ترتكز طبيعة هذا القطاع على التعامل بين الناس، ومن ثَمَّ ترى المنظمة أنه سيكونُ للسياحة، بوصفها نشاطاً اقتصادياً شاملاً، وله علاقة باعتبارات التنمية المستدامة، دور رئيسي في جهود الإنعاش المقبلة.
وفي آخر بيانات لها، عدّلت منظمة السياحة العالمية توقعاتها لعام 2020 بشأن السياحة الدولية، لتصبح سلبية؛ حيث ستتراجع بين 1% و3%، فيما كانت تتوقع قبل انتشار الوباء نمواً بنسبة تتراوح بين 3% و4% للعام الجاري، داعية إلى تقديم الدعم المالي والسياسي لتدابير إنعاش السياحة، وإدراج دعم هذا القطاع على نطاق أوسع في الاقتصادات المتضررة. وقال الأمين العام للمنظمة، زُراب بولوليكاشفيلي، إن «الشركات الصغيرة والمتوسطة تشكل نحو 80% من قطاع السياحة، وهي معرضة للأذى بشكل خاص مع سبل عيش ملايين الناس في العالم أجمع، بما في ذلك داخل المجتمعات الضعيفة التي تعتمد على القطاع»، الأمر الذي يشير إلى أثر سياسات احتواء الوباء وإغلاق الحدود والمدن؛ إذ قررت الحكومات إلغاء فعاليات ثقافية وموسيقية ورياضية مع تفشي الفيروس، وإلغاء العديد من الرحلات تحسُّباً للعدوى.
لقد تحوّلت السياحة في العقود الأخيرة إلى قطاع راسخ، ومُسهِم قوي في النمو والتنمية المستدامة الوطنية، كما شهدت السياحة العالمية نمواً مستمراً، ما يشير إلى قوة هذا القطاع ومرونته، إذ لم تعرف السياحة العالمية التراجع إلا في عام 2003 بفعل وباء متلازمة الالتهاب الرئوي الحاد (سارس)، الذي انتشر في دول عدّة، وتوفي بسببه 774 شخصاً، إضافة إلى عامي 2008 و2009، نتيجة الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، إلا أن السياحة عادت في السنوات التالية إلى الانتعاش القوي سريعاً.
الأمر المختلف في هذا الوباء، أنه في عام 2003 كانت الصين تقع في المركز السابع باعتبارها أكبر اقتصاد في العالم؛ حيث شكلت في حينه 4% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما اليوم فهي ثاني أكبر اقتصاد عالمي، وتمثل 16% من الاقتصاد العالمي. كما كانت الصين في عام 2003 تمثل 3% من إجمالي الإنفاق على السياحة الدولية، فيما تمثّل اليوم 20% من هذا الإنفاق. 
وباتت معظم الوجهات العالمية تفرض اليوم قیوداً على السفر والتنقل، وهي أكبر العقبات التي قد تقف في وجه استعادة السياحة عافيتَها سريعاً. ولأجل تجاوز هذه العقبات، يرى خبراء أن هناك ضرورة لانتهاج سياسات اقتصادية عدّة حين يتمُّ التعافي من كورونا، أهمها تعزيز جاهزية البنية التحتية السياحية وشبكة الطيران، وتقديم المزيد من الدعم الحكومي للقطاع السياحي وتنويع المنتجات التي يقدمها، وتنويع الخيارات السياحية والفندقية، وتعزيز تنافسية الأسعار، وتعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وإطلاق المبادرات والمحفزات لمساعدة القطاع على عبور تداعيات كورونا.
وعلى الرغم من كل تلك التداعيات، إلا أن خبراء يعتقدون أن الدول التي تمتلك شبكة طيران وبنى تحتية مؤهلة، ولديها استراتيجيات تتعلق بالشراكة مع القطاع الخاص وتقديم المزايا والحوافز الاقتصادية، ستكون قادرة على استعادة الانتعاش لقطاعها السياحي، وهو ما جرى بالفعل من قبل بعد الأزمات السابقة. لكن كل ذلك مرتبط باستعادة المسافرين والسائحين رغبتَهم في السفر، وخاصة في ظلّ الحذر الذي سيستمر لديهم حتى بعد انتهاء الجائحة، إضافة إلى ضرورة اقتناعهم بالتغييرات الملموسة التي ستجعل السفر أكثر أمناً. وإلى جانب توافر أمن التنقل والسفر، هُناك أولويات يجب التركيز عليها من قبل شركات السياحة والسفر والفنادق وأصحاب المنشآت السياحية، أهمها: توفير أسعار رحلات وإقامة تنافسية لجذب العملاء، وضرورة تكثيف الاهتمام بالنظافة والتعقيم، واهتمام شركات الطيران بتوفير أسعار تنافسية لتذاكر السفر، وتعزيز وتوفير جو أكثر مرونة في الحجز وأقل صرامة مع رسوم الإلغاء والتغيير، وخاصة أن سرعة انتشار الفيروس أضرّت بصناعة السياحة والسفر، التي تُمثل أكثر من 10% من النمو الاقتصادي العالمي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات