السياحة البينية العربية.. مجال خصب للتعاون بعيداً عن إرهاصات السياسة

  • 26 ديسمبر 2019

يمكن للاقتصاد بمختلف جوانبه، والسياحة بشكل خاص، أن تشكل عامل التقاء بين الدول العربية بعيداً عن السياسة وإرهاصاتها وتجاذباتها، وأن تكون مجالاً خصباً للتعاون نحو تحقيق المصالح المشتركة وتعظيم الاستفادة من هذا النشاط العالمي الذي يعتبر في الكثير، من دول العالم مثل تركيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا وغيرها الكثير ثروة تفوق في دخلها ومساهمتها في الناتج المحلي لتلك البلدان الكثير من القطاعات الأخرى التي تفتقر إليها الدول العربية وتتطلع إلى الاستثمار فيها.
من هذا المنطلق وفي إطار الجهود العربية لتطوير القطاع السياحي في الدول العربية، خصوصاً وأنه يتميز بتنوعه وثرائه واحتوائه على مختلف أنواع السياحة التقليدية، بما في ذلك التاريخية والدينية والبيئية والترفيهية، والحديثة مثل سياحة التسوق وسياحة المعارض والمؤتمرات والسياحة العلاجية، فقد استضافت مدينة الأحساء في المملكة العربية السعودية خلال الأسبوع الجاري الدورة الـ 25 للمكتب التنفيذي للمجلس الوزاري العربي للسياحة، والدورة الـ 22 للمجلس السياحي العربي، الذي ناقش تحديات الأمن السياحي وآليات مواجهتها، واستعرض المسودة المحدثة لوثيقة الاستراتيجية العربية للسياحة وتفعيل الاستفادة من المعلومات والإحصاءات السياحية لدعم الاستراتيجية.
مثل هذه الاجتماعات يُنتظر أن تحقق نتائج يلمسها الإنسان العربي على أرض الواقع، سواء كان سائحاً أو مشتغلاً في المجال السياحي، باعتبارها فرصاً سانحة للارتقاء بهذا القطاع وتحويله إلى مصدر مهم لدعم اقتصادات الدول العربية، يتوازى مع متوسط إسهام السياحة عالمياً في الدخل القومي الذي يصل إلى 10% على الصعيد العالمي، بينما لا يتجاوز الـ 3% في العالم العربي، وذلك نتيجة ضعف السياحة البينية ما بين الدول العربية، وتوجّه غالبية السياح العرب نحو الدول الأخرى، ليس لأنها تملك مقومات سياحية أفضل أو خدمات أرقى، ولكن بسبب غياب استراتيجية عربية فاعلة ومؤثرة تستطيع إقناع الإنسان العربي وجذبه نحو البلدان العربية.
ولأن التكامل والتنسيق والتواصل الدائم والفعال والفهم المشترك هي الخطوات الأولى لنجاح أي تعاون، فإنه لا بد للدول العربية لتتمكن من الاستفادة مما تملكه من ثروات سياحية وتحقيق نتائج تنعكس بشكل إيجابي مباشر على واقعها الاقتصادي ومستوى شعوبها المعيشي عبر مخرجات حقيقية ترفع العائدات الاقتصادية وتزيد من فرص العمل، لا بد لها من وضع وتنفيذ برامج مشتركة للتوعية والتعريف بما تضمه كل دولة من مقومات سياحية، وأن تعمل على تسهيل إجراءات تنقل المواطنين عبر حدودها، وأن تمنح للمواطن العربي امتيازات وتسهيلات تشعره بتميزه عن غيره من حملة الجنسيات غير العربية، بالإضافة إلى إتاحة الفرص التدريبية للعاملين في القطاعات السياحية وزيادة ضخ الاستثمارات في هذا القطاع وإيجاد منظومة للأمن السياحي.
الاجتماع العربي الذي يشكل بارقة أمل نحو تعظيم الاستفادة من هذا القطاع المهم، ناقش مسودة استراتيجية عربية للسياحة، وتبادل الإحصاءات والمعلومات واختيار عاصمة للسياحة العربية وموضوعات أخرى، لكنه لم يتطرق إلى الكثير من التحديات التي تواجه القطاع السياحي العربي بشكل عام والسياحة البينية بشكل خاص، وفي مقدمتها غياب الاستقرار السياسي والأمني في بعض الدول، وحاجة البنية التحتية المتعلقة بالقطاع السياحي إلى مزيد من الدعم، فضلاً عن الإجراءات المعقدة والروتينية التي تعرقل انتقال السائح العربي بين بلد عربي وآخر أكثر من تلك التي تواجه نظيره الأجنبي.
ومع أن هناك منظمة عربية للسياحة تتبع جامعة الدول العربية، وتتمثل مهمتها الأساسية في تطوير السياحة بمفهومها الشامل وتفعيل دورها في تعظيم الميزة النسبية والتنافسية للدول العربية كمنطقة جذب سياحي، إلا أن الواقع مختلف عن الطموح، لأن الجهود العربية لتطوير التنمية السياحية البينية العربية لا تزال غير كافية وهي بحاجة إلى العديد من الآليات التنفيذية التي تقود نحو رؤية جديدة يتم فيها المزج بين المكون السياحي والمكون الثقافي على المستوى العربي وتوظيفهما لخدمة السياحة البينية العربية، وتجنيبها كل تأثيرات وإرهاصات السياسة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات