السودان يواجه تهديد كورونا وبوادر خلافات تهدد حالة الانسجام والتوافق

  • 16 أبريل 2020

على الرغم من حالة الانفراج التي حققها السودان عقب إطاحة نظام الرئيس السابق عمر حسن البشير، التي انعكست إيجابياً على مختلف جوانب الحياة هناك بما في ذلك السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن هذا البلد الذي عانى طويلاً من العقوبات الدولية والحروب الأهلية والانقسامات، ما يزال بحاجة إلى المزيد من الإجراءات التي تضمن ترتيب بيته الداخلي بشكل يضمن له الاستقرار والانطلاق نحو التركيز على تطوير وتعزيز مسيرة النهضة والانفتاح على العالم.

فالسودان الذي عانى الصراعات الداخلية التي امتدت على مدى عشرات السنين واستنزفت من طاقاته البشرية وموارده الاقتصادية ما لو تم توظيفه واستثماره لحقق للبلاد قفزات كبيرة على الصعد كافة، وفي المقدمة من ذلك الخدماتية والمعيشية، ما زال يرزح تحت طائلة فساد السياسات وفوضى المسؤوليات وغياب التخطيط المبني على أسس علمية في استشراف المستقبل، وهو ما يتطلب جهداً كبيراً وعملاً دؤوباً وتعاوناً استثنائياً بين الأطراف المعنية كافة؛ بما في ذلك الائتلاف الذي يقود البلاد حالياً، والقوى الأخرى المعنية بإدارة الفترة الانتقالية.
بوادر خلافات تهدد حالة الانسجام والتوافق التي يعيشها السودان، طفت على السطح مؤخراً وتمثلت في الاتهامات التي وجهتها الجبهة الثورية السودانية التي تضم 3 حركات مسلحة، هي: «تحرير السودان» و«العدل والمساواة» بإقليم دارفور (غرب)، و«الحركة الشعبية/ قطاع الشمال»، لقوى الحرية والتغيير (التحالف الحاكم) بـ «إقصائها»، عقب توصل الأخيرة إلى ترتيبات واتفاقات فيما بينها لتعيين الولاة المدنيين، أطلقت عليها «مصفوفة قضايا المرحلة الانتقالية» وتضمنت جدولاً زمنياً للتنفيذ وتقاسماً للمواقع والمسؤوليات.
المقلق في هذا الخلاف هو التهديد الذي أطلقته الجبهة بشأن اللجوء إلى الشارع عندما أكدت أنها ستتعامل بصورة مباشرة مع لجان المقاومة والشارع ومجلسي السيادة والوزراء، وسكان الولايات فيما يخص إدارة الشأن العام من دون الوقوع في فخ محاصصات قوى الحرية والتغيير بالخرطوم، معتبرة أن ما جرى هو تكرار لتجارب الماضي الفاشلة لن يؤدي إلى إقامة دولة المواطنة المتساوية، ولا إلى تحقيق السلام الذي تكتمل به الثورة، وهو ما يعني في حال تنفيذ الجبهة ما تحدثت عنه العودة إلى حالة الانقسام السياسي التي تقود إلى تشتيت الجهود وإضعاف التركيز على الملفات ذات الأولوية، فضلاً عن إعادة البلاد إلى مربع الاعتصامات التي عادة ما تقود إلى حالة من الشلل في الحياة العامة.
التطوّر الآخر الذي يثير القلق هو تعثر المفاوضات بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية بزعامة عبدالعزيز الحلو التي تنشط في جنوب كردفان والنيل الأزرق وتطالب بتطبيق النظام العلماني في البلاد، وهو ما دفع الأخيرة إلى إصدار بيان أشارت فيه إلى توترات أمنية وتحركات عسكرية في منطقتي النزاع، واتهمت الحكومة بالقيام بعدد من الاعتداءات والتحرشات وبعرقلة وصول الإغاثة والمساعدات الإنسانية للنازحين الحقيقيين في المنطقة.
الحركة الشعبية التي بدأت مفاوضات مع الحكومة الانتقالية في سبتمبر الماضي برعاية دولة جنوب السودان، بالتوازي مع مفاوضات الحكومة والجبهة الثورية، وذلك بهدف التوصل إلى حل شامل يعيد الأمن والاستقرار وينهي النزاعات المسلحة على كامل التراب السوداني، أكّدت في بيانها عزمها على إنجاح جهود تحقيق السلام والتزامها بمواصلة المفاوضات في منبر جوبا على الرغم من التطورات الخطيرة على الأرض، والتي من شأنها عرقلة العملية السلمية، وهو ما يتطلّب من الحكومة السودانية استثماره ومواصلة البناء عليه لمنع انزلاق المفاوضات إلى حافة الانهيار وبالتالي عودة التمرّد في إقليمي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
وفي ظل تفشي فيروس كورونا المستجد ووصول السودان إلى مرحلة الانتشار المجتمعي في الإصابات به وفقاً لما أعلنه وزير الصحة الدكتور أكرم التوم قبل أيام عدة، فقد بات من المُلحّ انصهار مكونات الشعب السوداني كافة في بوتقة واحدة توحد الجهود في مواجهة هذا الوباء الخطير وكبح تفشيه في مدن البلاد، وهو ما يستدعي من التحالف الحاكم تعزيز إجراءات الثقة بأطياف الشعب السوداني كافة من سياسيين وجماهير، الأمر الذي بدأته الحكومة بإعلان زيادة الرواتب بنسبة وصلت إلى 569%، ورفع الحد الأدنى للأجور إلى 3 آلاف جنيه اعتباراً من أواخر إبريل الحالي، ومن الأطراف الأخرى وضع مصلحة السودان على رأس أولوياتها بعيداً عن النعرات الإقليمية والمصالح الفئوية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات