السودان: ماذا بعد توقيع اتفاق السلام التاريخي

  • 1 سبتمبر 2020

يحظى اتفاق السلام الذي تم توقيعه، أمس الاثنين، في جوبا عاصمة جنوب السودان من قبل ممثلين عن كل من الحكومة السودانية والجبهة الثورية بأهمية كبيرة، كونه ينهي نحو 17 عاماً من الحرب الأهلية، التي كانت لها تداعياتها المدمرة على وحدة الدولة الوطنية في السودان، فضلاً عن تأثيراتها السلبية الشديدة في عملية الاستقرار السياسي وما جلبته من خسائر فادحة لعملية التنمية الاقتصادية في البلاد.

وما يميز هذا الاتفاق التاريخي للسلام هو الطابع الشامل، إذ تضمن حلولاً متكاملة لجذور الحرب الأهلية في السودان، من خلال تضمنه بروتوكولات عدة، هي: الأمن وقضية الأرض والحواكير والعدالة الانتقالية والتعويضات وجبر الضرر وبروتوكول تنمية قطاع الرحل والرعاة وقسمة الثروة وبروتوكول تقاسم السلطة وقضية النازحين واللاجئين، الأمر الذي يعني أنه يشكل أساساً قوياً لإرساء مرحلة جديدة في تاريخ السودان يسودها الاستقرار والتعايش المشترك. كما ينص الاتفاق على ضرورة تفكيك الحركات المسلحة وانضمام مقاتليها إلى الجيش النظامي، الذي سيعاد تنظيمه ليكون ممثلاً لجميع مكونات الشعب السوداني.

ويمثل اتفاق السلام بين الحكومة السودانية وأطراف الجبهة الثورية، وهي تحالف يضم الحركات التي حاربت في دارفور (غرب) وفي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق في الجنوب، مكسباً جديداً للثورة السودانية التي أطاحت نظام الرئيس السابق عمر البشير، وتمثلت أهدافها الأساسية في تحقيق الحرية والسلام والعدالة وإنهاء الحرب الأهلية التي عاناها الملايين من الشعب السوداني وأدت إلى تشريد نحو 3 ملايين من سكان إقليم دارفور، وتشريد مئات الآلاف بسبب الاقتتال في جنوب كردفان والنيل الأزرق. وقد بذلت حكومة جنوب السودان جهوداً كبيرة للتوصل إلى هذا الاتفاق التاريخي.

ولا شك أن توقيع هذا الاتفاق التاريخي لإنهاء الحرب الأهلية في السودان هو خبر سار لكل الدول العربية التي بذل بعضها جهوداً كبيرة في مراحل تاريخية مختلفة لوضع حد لهذه الحرب، وتجدر الإشارة في هذا السياق على وجه التحديد إلى دولة الإمارات العربية المتحدة التي كانت في طليعة الدول العربية في دعم محادثات السلام التي أفضت إلى الاتفاق، وهو ما دفع رئيس فريق الوساطة مستشار رئيس جنوب السودان للشؤون الأمنية، توت قلواك، إلى الإشادة بالدور الإماراتي وتقديم الشكر إلى دولة الإمارات، لدى إعلانه يوم أول من أمس، أي قبل يوم واحد من توقيع الاتفاق جاهزية جوبا لاستقبال ضيوف البلاد للاحتفال بتحقيق السلام بين الحكومة السودانية، والجبهة الثورية.

وفي الواقع، فإن توقيع اتفاق السلام الذي بدأت المفاوضات بشأنه في نوفمبر الماضي بعد سقوط عمر البشير في إبريل 2019، يؤكد أن السلام أولوية للحكومة السودانية الجديدة، ويجب أن يكون لدى الجبهة الثورية، التي تتمتع بثقل سياسي، وتأثير ديمغرافي كبير، الحرص نفسه على تحقيق السلام ودعم الاستقرار على التراب السوداني كاملاً، وكذلك كل من «حركة تحرير السودان» بزعامة عبدالواحد نور، و«الحركة الشعبية لتحرير شمال السودان» بزعامة عبدالعزيز الحلو، اللتين لم توقعا اتفاق اللحاق بركب السلام، الذي يعد الوسيلة الوحيدة لبناء سودان جديد يتسع لجميع السودانيين على اختلاف انتماءاتهم السياسية والدينية والعرقية وغيرها.

لقد عانى السودان طويلاً حرباً أهلية مدمرة امتدت أكثر من عقد ونصف العقد، كانت لها تداعياتها السلبية في جميع المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية وغيرها، ويمثل اتفاق السلام خطوة مهمة في سبيل استعادة الاستقرار المفقود في البلاد، وهو ما سيوفر المناخ المناسب الذي يحتاج إليه السودان خلال المرحلة الانتقالية الحالية بعد إطاحة نظام البشير، لتأسيس نظام ديمقراطي تعددي لطالما مثّل هدفاً كبيراً لجموع الشعب السوداني الذي عانى عقوداً طويلة نظم الحكم الاستبدادية التي لم تجلب له سوى الفوضى وعدم الاستقرار والخراب.

Share