السلطة الفلسطينية وإدارة جو بايدن القادمة

  • 14 ديسمبر 2020

منذ بداية النصف الثاني من العام الجاري، تقريبًا، وحتى الانتخابات الأمريكية التى جرت في الثالث من الشهر الماضي، وقيادة السلطة الفلسطينية تمارس عمليًّا سياسة «تقطيع الوقت» انتظارًا لنتائج تلك الانتخابات.

شهد العاشر من أكتوبر الماضي استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس، لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي «رون لودر» الذي سبق له أن أسهم بفاعلية في إعداد أبو مازن للقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 3 يوليو 2017. وقبل ذلك بقليل ناورت السلطة، لبعض الوقت، عبر إظهار استعدادها لإتمام مسار المصالحة مع حركة حماس، وقد تجلى ذلك في لقاءات وفدي «فتح» و«حماس» في الفترة من 22 إلى 24 سبتمبر الماضي، بمدينة إسطنبول التركية.

آنذاك، كان واضحًا أن قيادة السلطة الفلسطينة تتحرك انطلاقًا من نقطتين مهمتين: الأولى، إدراكها لخطورة استمرار توقف التنسيق الأمني والاقتصادي بينها وبين إسرائيل، ومن ثم حاولت قيادة السلطة «الإمساك بالعصا من المنتصف» استعدادًا لمرحلة ما بعد الانتخابات الأمريكية. والثانية: الرهان على أن إسرائيل قد تتجه نحو التشدد، إذا فاز جو بايدن، على النحو الذي يرفع عن الفلسطينيين تلك الضغوط التي مارسها ترامب. أو أن الأخير في ولايته الثانية -التي لم تتحقق نتيجة خسارته- قد يتخذ خطوات أكثر دراماتيكية في مواجهة إسرائيل، بعد أن التزم تجاه دولة الإمارات بمنع إجراءات الضم لمناطق فى الضفة الغربية.

ومع ظهور أول إرهاصات دالّة على فوز بايدن في الانتخابات تبدلت مواقف السلطة، فراحت ترسل إشارات إلى استعدادها استئناف المفاوضات من جديد، وإن بشروط تتجاوز خطة ترامب. والشاهد، ذاك الانخراط الدبلوماسي المكثف الذي شهدناه طوال الأسابيع الأخيرة بين السلطة الفلسطينية وعواصم دول الاعتدال العربي؛ فمن رام الله إلى عمّان، ومن أبوظبي إلى القاهرة، شهدنا تحركات سياسية كثيفة واتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى، انخرطت فيها قيادة السلطة الفلسطينية مع تلك العواصم بما يعكس عدة قناعات مشتركة، هي: اغتنام فرصة «بايدن–هاريس» في البيت الأبيض، والقناعة بأنها قد تكون آخر الفرص لاستنقاذ «حل الدولتين»، والرغبة في تعبيد طريق الإدارة الأمريكية الجديدة، لجذب اهتمامها للقضية الفلسطينية، وحفزها على استثمار الوقت والجهد الكافيين لإغلاق هذا الملف، والقناعة بأن «الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي» ليس من بين القضايا الأكثر أولوية على جدول أعمال الإدارة الجديدة، وإدراكها للحاجة الملحة إلى إقناع واشنطن بأن حلّ هذا الصراع ليس بالأمر المستحيل، وأن الاستثمار في محاولة تسويته يمكن أن يكون مجديًّا.

وتستكمل تلك التحركات سلسلة من الخطوات المتزامنة والمنسقة انخرطت فيها أيضًا السلطة الفلسطينية خلال الأسابيع الأخيرة، أهمها: قرارات السلطة باستئناف العمل بالاتفاقات المبرَمة مع إسرائيل وعودة التنسيق الأمني، وحلّ مشكلة «أموال المقاصة»، وعودة سفيري فلسطين إلى مقري عملهما في أبوظبي والمنامة، تزامنًا مع القمة الثلاثية التى شهدتها أبوظبي في 18 نوفمبر الماضي وجمعت الأردن والبحرين بالإمارات، وجولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين العقبة والقاهرة، والتكهنات بشأن احتمال ترتيب المزيد من «القمم»، الثلاثية والرباعية في قادم الأيام، سواء في دولة الإمارات أو مصر.

ويعكس الانخراط الفلسطيني فى كل هذا الحراك حرص السلطة الفلسطينية على ترميم علاقاتها من جديد مع محور الاعتدال العربي. كما يمكن النظر إلى هذا الانخراط بوصفه دليلًا على انتقال السلطة من موقع الرافض للتطور الذي حدث مؤخرًا في العلاقات العربية-الإسرائيلية، إلى مرحلة التسليم به، بل والرهان على إمكانية «توظيفه» و«استثماره» في تدعيم الموقف الفلسطيني في أي مفاوضات قادمة مع الجانب الإسرائيلي، خصوصًا مع وجود إدارة أمريكية جديدة، لها من المقاربات ما يختلف نسبيًّا عن إدارة ترامب. وأخيرًا، يعكس هذا الانخراط رغبة السلطة الفلسطينية في تهيئة الأجواء لقرارات جو بايدن المنتظرة، وهي: إعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية بواشنطن، وفتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، واستئناف المساعدات المالية للسلطة ولوكالة الأونروا، على أمل أن يتطور موقف أمريكي ضاغط لوقف الاستيطان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات