السعودية وسورية.. مخاطر استمرار التوتر

شحاتة محمد ناصر: السعودية وسورية.. مخاطر استمرار التوتر

  • 17 نوفمبر 2008

كان اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في الرابع عشر من شهر فبراير/شباط 2005، نقطة تحول دراماتيكية في العلاقات السورية-السعودية، التي انقلبت منذ هذا لتاريخ إلى حالة من الصراع والتوتر الشديدين؛ حيث كان الحريري حليفاً مهماً وقوياً للسعودية، فيما اتُهمت دمشق بالوقوف وراء مقتله على خلفية مواقفه من الانسحاب العسكري السوري من لبنان. وخلال السنوات التالية لحادث الاغتيال تصاعدت حدة التوتر بين الجانبين وتباعدت المواقف بشكل خطير، وظهر ذلك بشكل صارخ إبان حرب إسرائيل على لبنان عام 2006؛ حيث انتقدت السعودية ومعها مصر والأردن موقف حزب الله اللبناني،  حليف سورية، واتهمته بإشعال الحرب والإقدام على مغامرات غير محسوبة، فما كان من الرئيس السوري بشار الأسد إلا أن وجه انتقاداً قاسياً إلى قادة الدول الثلاث، مشيراً إلى "أنصاف المواقف وأنصاف الرجال".

 وعلى الرغم من أن حضور الرئيس الأسد للقمة العربية في الرياض في مارس/آذار 2007 أوحى بحدوث انفراج نسبي في العلاقات بين البلدين، إلا أن الأمر في حقيقته لم يكن يتجاوز الهدنة المؤقتة؛ حيث ما لبثت الأمور أن انفجرت من جديد، ووجه نائب رئيس الجمهورية السوري فاروق الشرع في أغسطس/آب 2007 انتقادات حادة إلى السعودية، مشيراً إلى أن دورها في المنطقة قد أصيب بالشلل، وهي الانتقادات التي ردت عليها الرياض واصفة إياها بـ"النابية"، وكان هذا الوصف الشديد في العرف الدبلوماسي معبراً عن الحالة السيئة التي وصلت إليها علاقات البلدين، وعن مدى غضب الرياض تجاه دمشق إلى حد أنها استخدمت للرد عليها لغة غير مألوفة في الدبلوماسية السعودية المعروفة بالتحفظ في استخدام العبارات والألفاظ. هذا التوتر المعلن بين دمشق والرياض منع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز من حضور القمة العربية التي استضافتها دمشق في مارس/آذار 2008، بعد جدل بروتوكولي حول الطريقة التي وجهت بها سورية الدعوة لحضور القمة إلى السعودية.

 وكان الصمت السعودي تجاه الهجوم العسكري الأمريكي على بلدة البوكمال السورية في الخامس والعشرين من شهر أكتوبر/تشرين الأول الماضي (2008)، والذي أسفر عن وقوع قتلى وجرحى، مؤشراً آخر على اتساع فجوة الخلاف بين الجانبين، خاصة أن هذا الصمت ترافق مع إعلان دول عربية أخرى إدانتها للهجمة الأمريكية باعتبارها تمثل تهديداً لسيادة دولة عربية مستقلة، وهو الموقف نفسه الذي عبرت عنه جامعة الدول العربية. وكان وزير الخارجية السوري وليد المعلم يشير إلى السعودية بشكل خاص حينما قال تعليقاً على الضربة الأمريكية "إن الأمريكيين يريدون أن يبعثوا برسالة سياسية إلى حلفائهم في المنطقة مفادها أنه لا شيء تغير في العلاقات السورية-الأمريكية، وأن الأمور ليست جيدة مثلما تبدو". ويمثل الاتهام السوري الأخير لتيار المستقبل اللبناني، ذي العلاقة القوية مع السعودية، بدعم المتورطين في التفجير الذي وقع في دمشق في السابع والعشرين من شهر سبتمبر/أيلول الماضي، وأسفر عن مقتل 17 شخصاً، أحدث فصول التوتر القائم بين الجانبين، وربما لن يكون الأخير.

 الخلاف السعودي-السوري يقف وراءه سببان أساسيان: الأول هو الملف اللبناني؛ حيث تتواجه دمشق والرياض على الساحة اللبنانية بالوكالة من خلال الفريقين المتحالفين معهما. أما السبب الثاني فهو علاقة سورية مع إيران؛ حيث ترى الرياض أن هذه العلاقة تسهل لطهران التمدد في منطقة الشرق الأوسط على حساب المصالح العربية، في حين ترى سورية في هذه العلاقة منطقاً استراتيجياً يقوم على الحاجة إلى إيران في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها.

 وعلى الرغم من أن سورية نجحت خلال الفترة الماضية في فك جدار العزلة الدولية حولها من خلال الانفتاح على أوروبا، خاصة فرنسا، والإقدام على فتح مسار تفاوضي مع إسرائيل برعاية تركيا، وأحدثت تحولاً كبيراً قي سياستها تجاه لبنان من خلال الموافقة على إقامة علاقات دبلوماسية معه وفتح سفارة فيه للمرة الأولى منذ الاستقلال، فإن هذا لم يدفع الرياض إلى مراجعة سياسة المقاطعة التي تتبناها تجاهها؛ حيث لا ترى أن ذلك كافياً للانفتاح عليها، كما أنها ما زالت تتشكك في طبيعة دورها في لبنان، وتنظر بتوجس إلى علاقاتها مع إيران. وفي هذا الإطار يبدو أن السعودية لا تنظر إلى خطوات سورية الإيجابية الأخيرة تجاه لبنان أو انفتاحها على أوروبا وإسرائيل بوصفها تعبيراً عن تحول حقيقي في سياساتها بقدر ما هي تكتيك يهدف إلى تحقيق هدفين، الأول: هو العودة إلى لبنان من الباب الخلفي وبأساليب مختلفة عن الأساليب الأمنية والعسكرية السابقة، والثاني: هو الإفلات من استحقاقات التحقيق الدولي في اغتيال الحريري والذي وصل إلى مرحلة متقدمة؛ حيث من المتوقع أن تنتهي لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة من عملها في نهاية العام الجاري ليبدأ بعد ذلك عمل الادعاء العام. وكانت التحقيقات الأولية أشارت إلى احتمالات تورط مسؤولين سوريين في عملية الاغتيال، وربما هذا هو السبب الذي يجعل السعودية مصرة على موقفها المتشدد تجاه سورية ورافضة لأي بادرة إيجابية منها، ولأي وساطة عربية في الخلاف معها.

الخلاف السوري-السعودي ينطوي، وفقا لما سبق، على خطورة كبيرة، وتتجاوز تأثيراته السلبية حدود العلاقات الثنائية إلى الإطار العربي الأوسع، خاصة في ظل عدة اعتبارات أساسية، أولها: أن هذا الخلاف يسير في خط متصاعد منذ عام 2005؛ ففيما عدا حضور الرئيس السوري لقمة الرياض العربية في مارس/آذار 2007، فإن جُل التفاعلات بين الجانبين خلال كل هذه الفترة اتسمت بأنها سلبية وصراعية، وهذا يعني أن الأمور ربما تكون مرشحة لمزيد من التصاعد والتوتر خلال الفترة القادمة. الاعتبار الثاني هو أن هذا الخلاف يبدو مستعصياً على الوساطات؛ فقد أشارت تقارير مختلفة خلال الفترة الماضية إلى أن دولاً عربية عدة سعت إلى التوسط بين الرياض ودمشق، إلا أنها قوبلت بالرفض خاصة من قبل السعودية، التي قال وزير خارجيتها سعود الفيصل إن العلاقات بين البلدين ليست في حاجة إلى وساطات. ولا شك أنه كلما طال أمد الخلاف ازداد تعقيداً وخطراً.

الاعتبار الثالث: أن الاتهامات السورية الأخيرة لتيار المستقبل المتحالف مع السعودية بالوقوف وراء تفجير دمشق في سبتمبر/أيلول الماضي، تثير المخاوف من أن يصبح العنف أحد أدوات إدارة الخلاف بين الجانبين خلال الفترة القادمة، خاصة إذا ما سعت سورية إلى الرد على ما تراه دعماً سعودياً غير مباشر لتفجير دمشق.

 الاعتبار الرابع هو أن الخلاف السعودي-السوري يثير انقساماً أكبر على الساحة العربية، ويمنع من تحقيق التوافق العربي تجاه قضايا عربية مهمة مثل فلسطين والعراق ولبنان وغيرها، خاصة أن الخلاف يقع بين دولتين عربيتين كبيرتين لهما تأثيرهما في المحيط العربي العام وتحالفاتهما العربية والإقليمية، وكانتا في يوم من الأيام ضمن محور ثلاثي ضمهما مع مصر استطاع على مدى سنوات طويلة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 أن يضبط حركة التفاعلات على الساحة العربية في ظل التشتت الذي لحق بالعالم العربي وضعف الجامعة العربية خلال هذه الفترة.

 الاعتبار الخامس هو أن التوتر بين البلدين لا يتوقف عند جانبه السياسي فقط، وإنما يمتد إلى الجانب الإعلامي أيضاً من خلال "المواجهة الإعلامية" المستعرة بينهما، وهذا يهدد بتحول الخلاف من نطاقه السياسي الضيق إلى نطاق شعبي أكثر اتساعاً وخطورة. وأخيراً فإن استمرار الخلافات بين سورية والسعودية، إنما يخدم مصالح قوى إقليمية غير عربية تريد أن تتمدد على حساب العرب في المنطقة، فكلما ابتعدت السعودية ومصر عن سورية كلما اتجهت هذه الأخيرة أكثر إلى إيران، ولذلك فإن الانفتاح على دمشق والحوار معها، أيا كانت طبيعة وشدة الخلافات والاختلافات معها، هو الطريق الصحيح لتسوية هذه الخلافات، والخطوة الأولى الفاعلة في مواجهة التمدد الإيراني في المنطقة العربية.

Share