"الرسائل الخاطئة" في الأزمة العراقية

  • 23 فبراير 2003

يجمع المراقبون على أن ما يطلق عليه "الرسائل الخاطئة" يشكل جانبا خطيرا في التطورات المتسارعة التي تمر بها الأزمة العراقية، حيث يعتبر كثير من المحللين أن التظاهرات التي تجتاح العديد من مدن العالم منددة بالحرب المحتملة ضد العراق ربما تبعث رسائل خاطئة إلى القيادة العراقية، ومفاد هذه الرسائل أن هذه التظاهرات ستعرقل قرار الحرب الأمريكي وأن "العراق كسب معركة الرأي العام العالمي"، أو أن هذه التظاهرات تمثل معادلا موضوعيا للضغوط التي يتعرض لها العراق بحيث يمكن أن تؤدي التحركات الشعبية إلى إحداث توازن نوعي من شأنه تعديل الموقف.

ومن المؤكد أن هناك العديد من العوامل والحسابات التي تدفع باتجاه الحذر في فهم تأثير هذه التظاهرات، وفي مقدمة هذه العوامل تقدير الإدارة الأمريكية لهذا المتغير ضمن حسابات إدارة الأزمة، فرغم أهمية الرأي العام الداخلي كمتغير حيوي ضمن حسابات صانع القرار في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، فإن الربط الوارد في الخطاب السياسي الأمريكي بين النظام العراقي من جهة و"أمن الشعب الأمريكي" من جهة ثانية يؤكد صعوبة الرهان على تأثير أصوات الرافضين والمنددين بالحرب ما لم يحدث تضافر بين عوامل عدة ذات صلة وثيقة بإدارة الأزمة.

وإذا كان البعض ينظر إلى التظاهرات ضد الحرب باعتبارها تلعب دور "الدومينو" السياسي في استقطاب فئة المترددين والمساهمة في تشكيل رأي عام مضاد لقرار الحرب المحتملة عبر جذب قطاعات المترددين من الجمهور إلى تبني رأي القطاعات الأكثر ظهورا وبروزا من الناحية الإعلامية، فإن الحديث عن دور محتمل للتظاهرات في بلورة موقف سياسي محدد يبدو مرهونا بعوامل واعتبارات عدة، في مقدمتها حجم هذه التظاهرات ونسبتها إلى إجمالي قطاعات الرأي العام في دولة ما، فضلا عن ضرورة التعرف إلى طبيعة التيارات السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تضطلع بتنظيم هذه التظاهرات أو الدعوة إليها، ودور هذه التنظيمات والتيارات وحجم تأثيرها المجتمعي والشعبي. كما أن فاعلية هذه التظاهرات لا تنفك كذلك عن تأثير الحملة الإعلامية المضادة التي تتبناها حكومات الدول المعنية بالأزمة، بمعنى أن الخطاب السياسي والإعلامي لدى كل من طرفي الصراع يبدو ذا صلة وثيقة بفاعلية هذه التظاهرات ومقدرتها على جذب مؤيدين جدد لمطالبها، إلى جانب أن هناك عوامل ثانوية مؤثرة في فاعلية هذه التظاهرات، مثل مدى الوعي الجماهيري بالقضية موضع التظاهر بين أوساط الرأي العام، حيث يسهل "تكتيل" رأي عام مؤيد لقضية داخلية تمس الناخبين على خلاف القضايا الخارجية التي لا تحظى باهتمام قطاعات واسعة من الرأي العام. كما يجب أيضا إدراك حقيقة ظاهرة "الرأي العام" التي يمثل البعد العاطفي مكونا أسياسيا فيها، وبالتالي فهي ليست جامدة على موقف محدد بل يمكن تعديل اتجاهها بما يخدم الطرف الآخر في الأزمة. صحيح أن التظاهرات أسهمت في دفع بعض الحكومات إلى مناطق "اعتدال" على الأقل في خطابها السياسي ولكن فهم هذه الإسهامات يتطلب الحذر والحرص حتى لا يراهن الجميع خطأ على أصوات المتظاهرين -فقط- في نزع فتيل الأزمة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات