الرئيس بوش وإسرائيل: احتفال والتزام

د. عماد حرب: الرئيس بوش وإسرائيل... احتفال والتزام

  • 12 مايو 2008

يعود الرئيس الأمريكي جورج بوش إلى الشرق الأوسط في وقت يسود فيه القلق والتخوف في المنطقة؛ فالأزمات التي سيطرت على جو زيارته السابقة في كانون الثاني/يناير من هذه السنة لا تزال تتحكم بالوضع، ولكن بشكل أشد هذه المرة. فهنالك قلق مستمر حول ملف إيران النووي، والمشهدين السياسي والأمني في العراق، وتطورات الأزمة اللبنانية، وما يشبه مضيعة للوقت في المفاوضات الفلسطينية-الإسرائيلية، فضلاً عن التطور الجديد الذي لا يزال يحتاج إلى توضيح بشأن الاتهامات الأمريكية حول وجود تعاون سوري-كوري شمالي في الطاقة النووية. لكن، ورغم كل القلق والملفات الساخنة، فإن الرئيس سيأتي في هذه الزيارة الرمزية بالتحديد ليجدد الالتزام الأمريكي بإسرائيل وأمنها في عيدها الستين، وليذكّر العرب أنهم لم ينجحوا بعد في جذب انتباه أمريكا بعيداً عن الدعم الكامل لسياسات تل أبيب.

سيزور الرئيس إسرائيل ويحتفل بالذكرى الستين لتأسيسها، وسيكون إلى جانبه شخصيات عالمية لامعة مثل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل. ثم يزور بعد ذلك المملكة العربية السعودية ومصر، حيث سيلتقي بالرئيس حسني مبارك والرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك الأردني عبد الله الثاني وآخرين. كما سيحضر اجتماعات المنتدى الاقتصادي العالمي الذي سيعقد في مدينة شرم الشيخ ويلقي خطاباً فيه. ومما يظهر في هذا الوقت المبكر، أن زيارة بوش ستكون مناسبة مهمة له لكي يلمع بوصفه الرئيس الأمريكي الأكثر صداقة مع إسرائيل، وليودّع، من ناحية أخرى وبقدر أقل لمعاناً، منطقة اهتم بها شخصياً كمنطقة رئيسية لاستعمال القوة العسكرية الأمريكية بدلاً من الحضور الدبلوماسي.

في العام الماضي، أقنع الرئيس الأمريكي العالم بأنه سيعطي الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ما يحتاجه من انتباه بعد انشغاله في السنوات السابقة بالحرب على الإرهاب ومغامرتي أفغانستان والعراق. ودعا العشرات من الدول والأطراف إلى اجتماع كبير في مدينة أنابوليس في ولاية ميريلاند ليساعدوا في إعلان مرحلة جديدة من المباحثات الفلسطينية-الإسرائيلية التي أَمِل بشدة أن تؤدي إلى إنشاء دولة فلسطينية قبل نهاية ولايته الثانية في كانون الثاني/يناير 2009. ثم قام بزيارة إلى المنطقة، قضى وقته فيها يحذر من إيران بدلاً من العمل الجاد لتحقيق الوعد بالدولة المنشودة. ولم يظهر أنه كان مهتماً بحقيقة أن القادة الإسرائيليين ليس عندهم أية رغبة بالسماح بتأسيس الدولة الفلسطينية بدون نزع أي أمل بالوجود الوطني الفلسطيني الحق. كما لم يظهر أنه مدرك لخطورة الانقسامات الفلسطينية، والتي كان سببها الأساسي ولا يزال هو اختلاف الفلسطينيين حول أفضل الطرائق للتعامل مع التعنت الإسرائيلي، وتأثيرها على أية خطط موضوعة لدولة ليس فيها مركز وطني أو استقلال أو سيادة.

والآن يعود الرئيس للاحتفال بعيد تأسيس إسرائيل التي دعا هو بنفسه لجعلها "دولة يهودية" بحق، أي دولة بهوية يهودية يشعر فيها كل المسلمين والمسيحيين والدروز والبوذيين وغيرهم أنهم سكان لمجرد وجودهم هناك. وهذا يدفع المرء للتساؤل عما إذا كان هناك أي شخص يجرؤ على تذكيره بحقيقة أنه جاء يحتفل بمناسبة جعلت من 750,000 فلسطيني لاجئين منذ عام 1948، وهؤلاء هم الذين يشكلون اليوم، إلى جانب مئات الألوف الأخرين الذين تراكموا منذ ذلك الوقت، نواة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بملايينهم الأربعة. وفي الحقيقة، فإن حضوره هذا الاحتفال يرسخ الرفض الأمريكي لمطلب فلسطيني أساسي في المفاوضات الراهنة مع إسرائيل، حق العودة، وهو الرفض الذي لم يعلنه أي رئيس أمريكي سابق، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما ذكر في بعض الأوقات أن اللاجئين الفلسطينيين لا يستطيعون العودة إلى دولتهم المنشودة؛ لأنهم قد يشكلون خطراً على أمن إسرائيل!.

 إنه بالفعل لأمر غريب أن يستمر الرئيس بوش ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس والمسؤولون العديدون العاملون في أزمات الشرق الأوسط الكثيرة في تجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة تستطيع الوصول إلى السلام في المنطقة فقط من خلال العودة إلى الشرعية الدولية. ففي العقدين الماضيين، وضعت الولايات المتحدة القواعد الدولية كأساس لتدخلاتها الخارجية العديدة مثل قيادتها للتحالف الدولي الذي حرر الكويت عام 1991، وقيادة قوات حلف الناتو ضد يوغوسلافيا عام 1998، والتخلص من نظام طالبان في أفغانستان عام 2001. ولكنها ترفض تطبيق القواعد الدولية في تعاملها مع إسرائيل والفلسطينيين. لقد مضى ستون عاماً على تهجير الفلسطينيين وواحد وأربعون عاماً على احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، وواشنطن لا تحرك ساكناً لإنهاء التعدي على القانون الدولي. (وما يستدعي الاستغراب في هذا المجال هو أن النظام السياسي الأمريكي يستمر في السماح بهذه السياسة الخارجية المزدوجة والفاقدة للقواعد الأخلاقية في الوقت الذي يصر فيه على أنه يلتزم قواعد الشرعية الدولية)

وتلوم الإدارة الأمريكية "حماس" على التأزم الموجود، ولكنها تنسى أن الوضع لم يختلف كثيراً عن الوضع الذي كان قائماً قبل أن تصل الحركة إلى الحكم في غزة. وبينما لا يمكن المغفرة لـ"حماس" بسبب أعمال كثيرة قامت بها، ولاسيما عملية تحدي سلطة الرئيس محمود عباس والانفصال الفعلي بقطاع غزة، تبقى إسرائيل هي المسيطرة على حياة الفلسطينيين، وعليها كثير من المسؤوليات التي يجب أن تصر الإدارة الأمريكية على أن تؤديها. إن أي نجاح في العملية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين يجب أن يشمل التفاوض حول القضايا الخلافية الرئيسية، القدس والمستوطنات والحدود واللاجئين والمياه والقضايا الاقتصادية ومسائل أخرى هامة، ولا يستطيع الرئيس بوش القدوم إلى المنطقة ليحتفل بتأسيس إسرائيل ويتجاهل في الوقت نفسه المشكلات التي تجعل إسرائيل غير آمنة والفلسطينيين غير راضين عن مستقبلهم.

وأخيراً، عندما يلتقي الرئيس بالزعماء العرب في السعودية ومصر، سيذكرهم بالتزام أمريكا الصديقة بأمنهم ورخائهم. كما أنه وبالتأكيد سيجدهم منفتحين على الوعود الأمريكية بأن حل القضية الفلسطينية سيكون كما يتمنون، عدا بعض المساومات والتنازلات من إسرائيل والفلسطينيين حول مستقبل دولتهم الموعودة إذا تحققت. والعرب سيشكرون له جهوده التي يعرفون أنها لم تكن كافية من الأساس للضغط على إسرائيل كي تحترم رغباته هو بالدولة الفلسطينية، ولكنهم، أي العرب، سينظرون إلى روزنامتهم ويعدّون الشهور المتبقية له في البيت الأبيض، ويخمّنون حول شخصية الرئيس الجديد. في الوقت نفسه، ستبقى مصالح أمريكا الوطنية والاستراتيجية في خطر؛ لأن المبادئ الأخلاقية التي تدّعيها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية سيتم التضحية بها على معبد المصالح الإسرائيلية الضيقة.

Share