الذكرى الـ36 لتوحيد القوات المسلحة الإماراتية

  • 6 مايو 2012

يشكل يوم السادس من مايو 1976 علامة فارقة ونقطة مضيئة في تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة الحديث، ففي هذا اليوم صدر قرار توحيد قواتنا المسلحة الباسلة تحت علم واحد وقيادة مركزية واحدة وشعار واحد، لتكون درعا قوية تحمي أمن الوطن وتحفظ سيادته واستقراره وتصون مكتسباته. ومنذ ذلك اليوم، شهدت قواتنا المسلحة عملية تحديث وتطوير شاملة ومستمرة مبنية على أسس علمية، مكنتها من أن تثبت وجودها وتؤكد جدارتها واحترافيتها العالية، ليس فقط في حماية أمن الوطن والمساهمة في جهود تحقيق التنمية الشاملة، وإنما أيضاً في تنفيذ العديد من المهمات التي قامت بها، سواء في مساعدة الأشقاء أو في حفظ السلام الدولي وفي تقديم يد العون والمساعدة في مناطق الكوارث والنزاعات في مناطق العالم المختلفة، مقدمة صورة مشرفة للإنسان الإماراتي شهد بها الجميع.

جاء قرار توحيد القوات المسلحة الإماراتية تعبيراً عن الإيمان بالأمن الوطني الواحد الذي لا يتجزأ، وبأن الوحدة هي الضمان الأساسي لتحقيق هذا الأمن واكتساب القوة والمنعة، كما ربط هذا القرار بين أبناء دولة الإمارات برباط الواجب المقدس في الدفاع عن الوطن، وعزز مفهوم الهوية والانتماء إلى الأرض الواحدة والشعب الواحد في مواجهة التحديات الواحدة. وكان البداية الحقيقية لمسيرة التطوير والتحديث التي شهدتها القوات المسلحة الإماراتية على المستويات كافة. وهذا ما أكده صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في حديثه إلى مجلة "درع الوطن" بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لتوحيد القوات المسلحة، قائلاً: "إن قرار توحيد القوات كان محطة هامة في المسيرة الاتحادية، قرارٌ وضع تلك القوات على درب التحديث والتطوير، واكتملت بصدوره كافة المقومات التي تجسد معاني الاتحاد، وتوفرت من خلاله عناصر القوة التي تحمي الكيان الاتحادي وتسهم في تثبيت أركانه وتعزيز بنيانه، كما أنه تجسيد صادق لإيمان الآباء المؤسسين بالاتحاد خياراً وهدفاً".

وفي الواقع، فإن هذه الخطوة العملاقة، على درب الاتحاد، التي نحتفل اليوم بذكراها السادسة والثلاثين، والتي كانت نتاج تعاون مثمر وتوحّدٍ في الآمال والطموحات بين المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، عكست بعد نظر الآباء المؤسسين وحكمتهم وتصميمهم على توطيد أركان الدولة الاتحادية؛ لأن استمرار تشرذم هذه القوات وعدم توحدها كان سينظر إليه على أنه مؤشر للاختلاف وعدم الاتفاق بين إمارات الدولة، فضلاً عن دوره في إضعاف هذه القوات، لذا جاء قرار التوحيد ليؤكّد حرص القادة المؤسسين على تعزيز أركان دولة الاتحاد ورغبتهم في بناء جيش وطني عصري وقوي يحمي مكتسبات الوطن وأمنه. وكان هذا المعنى واضحاً في تصريحات قيادتنا الحكيمة بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لتوحيد قيادتنا المسلحة، ففي كلمته لمجلة "درع الوطن" بهذه المناسبة، أكد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، "أن قرار السادس من مايو 1976 جسد إيمان الآباء المؤسسين بأهمية الاتحاد، وأكد تصميمهم على توطيد أركانه وتعزيز بنيانه، فأغلقوا بذلك صفحة تشكيك المشككين، وألاعيب الطامعين، وتربص المتربصين بنموذجنا الاتحادي الوليد، وحلمنا الكبير بدولة قوية تحشد الطاقات، وتسابق الزمن وتختصر المسافات للحاق بالعصر". كما أكد الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، في كلمته للمجلة نفسها، "أن أصحاب السمو حكام الإمارات اتخذوا قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد قرارهم التاريخي بتوحيد قواتنا المسلحة موقنين بأنهم يضيفون إلى صرح الاتحاد ركناً من أهم أركانه، ويسيرون بركب الاتحاد خطوة عملاقة إلى الأمام ويقدمون لشعب دولة الإمارات أعظم إنجاز، وهو الاستقرار والأمن والسلام".

وقد عملت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ اتخاذها هذه الخطوة التاريخية على تحديث قواتها المسلحة وتطويرها، ورفع كفاءتها القتالية وجاهزيتها للتعامل مع مختلف التحديات والتهديدات. وقد سارت عملية التحديث في مسارين متوازيين؛ الأول، تمثل في حرص القيادة الحكيمة على تزويد كافة أفرع القوات المسلحة البرية والبحرية والجوية بأحدث الأسلحة المتطورة. وقد حظيت القوات الجوية والدفاع الجوي بالنصيب الأكبر من الاهتمام في عمليات التحديث والتطوير؛ حيث شهدت نقلات عملاقة مكنتها من الوصول إلى أعلى درجات التأهيل والتسليح عبر الحصول على أحدث تقنيات العصر في مجال قدرات التسليح الجوي والطائرات متعددة الاستخدام والطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة، فأصبحت قوة قادرة على ردع أي تهديدات أو مخاطر تواجه الدولة.

وفي سياق الحرص على اقتناء أحدث الأسلحة المتطورة، والاطلاع بشكل مستمر على تقنيات العصر، تنظم دولة الإمارات عدداً من المعارض العسكرية الدولية المهمة على أراضيها. من ذلك معرض الدفاع الدولي "آيدكس"، والذي يعد تظاهرة حضارية كبرى، ويشارك فيه العديد من الدول المتقدمة والمتطورة في مجال التسليح وإنتاج الأسلحة. وقد شارك في معرض "آيديكس 2011" 1060 شركة عارضة تمثل 53 دولة. وهناك أيضاً معرض دبي الدولي للطيران، الذي يستقطب العديد من الشركات العالمية المتخصصة في مجال الطيران وعلوم الفضاء، والذي يتم فيه عرض أهم الأسلحة في مجال الدفاع الجوي، وأهم ما يحتويه عالم الطيران من معدات وأجهزة جديدة ومتطورة تخدم القوات المسلحة.

أما المسار الثاني، فتمثل في العمل على تأهيل الكوادر العسكرية الوطنية وصولاً بها إلى أعلى درجات الكفاءة القتالية، وفي هذا السياق تعددت الخطوات والمبادرات التي اتخذتها دولة الإمارات بهدف رفع الكفاءة القتالية لقواتها المسلحة؛ فمن ناحية عمدت الدولة إلى إنشاء المعاهد والمدارس والكليات العسكرية التي تقوم بتدريب المنتسبين إليها، وتأهيلهم عسكرياً وتزويدهم بكافة العلوم والخبرات التي تؤهلم لكي يكونوا قادرين على استيعاب ما يسند إليهم من مهام مستقبلاً. ومن أبرز تلك المعاهد والكليات، كلية زايد الثاني العسكرية التي تأسست عام 1972، والكلية البحرية (مارس 1999)، وكلية خليفة بن زايد الجوية (أغسطس 1982)، وكلية القيادة والأركان المشتركة (سبتمبر 1991)، والمدرسة الثانوية الجوية (1992)، ومدرسة التمريض/ مديرية الخدمات الطبية (1970)، ومعهد الدراسات الفنية الذي تأسس في عام 1991، ومدرسة خولة بنت الأزور العسكرية التي تأسست عام 1991 بهدف إعداد كادر نسائي وطني ذي كفاءة للانضمام إلى صفوف القوات المسلحة.

ومن ناحية ثانية، تحرص القوات المسلحة على إجراء المناورات والتمارين والتدريبات العسكرية بشكل متواصل بهدف رفع قدرات عناصرها القتالية والتنظيمية، وتأهيل الكوادر الوطنية، وإعدادها للتعامل مع التقنيات الحديثة والاستراتيجيات العسكرية المتقدمة. ومن آخر هذه التمارين، التمرين العسكري المشترك "خليج 2012"، الذي أقيم على أرض الدولة بين القوات المسلحة الإماراتية وقوات الجمهورية الفرنسية خلال الأيام الماضية.

إن ما حققته قواتنا المسلحة من إنجازات منذ توحيدها في العام 1976 لم يقتصر فقط على الداخل، متمثلاً في دورها المهم في ترسيخ أركان دولة الاتحاد وحمايتها والمساهمة في مسيرة التنمية الشاملة، وإنما امتد أيضاً إلى الخارج؛ حيث تمتلك هذه القوات سجلاً مشرفاً من المشاركات الخارجية التي استهدفت تقديم يد العون للدول الشقيقة والصديقة، ومن أبرز هذه المشاركات على سبيل المثال لا الحصر، المشاركة ضمن قوات الردع العربية لدرء مخاطر تفجر حرب أهلية في لبنان عام 1976، والمشاركة في معركة تحرير الكويت عام 1990، ضمن قوات درع الجزيرة، وعملية إعادة الأمل للصومال ضمن إطار الأمم المتحدة عام 1993، وعملية الأيادي البيضاء في كوسوفا عام 1999، وعملية التضامن الإماراتي لنزع الألغام من جنوب لبنان إثر الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000. فضلاً عن دورها المهم في تأمين والمساعدات الإنسانية وإيصالها للشعب الأفغاني ضمن قوات "الإيساف"، ومشاركتها ضمن قوات درع الجزيرة المشتركة التي ساهمت في إعادة الاستقرار إلى مملكة البحرين في العام 2011. وشاركت أيضاً في تنفيذ حظر الطيران فوق ليبيا في العام نفسه من أجل حماية المدنيين من أبناء الشعب الليبي الشقيق.

وعلى الرغم من التطور الكبير الذي شهدته القوات المسلحة الإماراتية، فإن متابعة تصريحات القيادة الحكيمة لدولة الإمارات تكشف مدى حرصها واهتمامها بمواصلة عملية التحديث والتطوير بشكل مستمر، وتوفير كل الإمكانات المطلوبة لتطوير هذه القوات، وجعلها على الدوام على أهبة الاستعداد لحفظ أمن الوطن واستقراره. وتجسد هذا الأمر على أروع ما يكون في تصريح صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة حفظه الله، الأخير لمجلة "درع الوطن" والذي قال فيه "إن التزامنا بتطوير قواتنا المسلحة، وتوفير كافة المقومات التي تجعلها قادرة على النهوض بمسؤولياتها، وأداء واجباتها، هو التزام ثابت، يشكل رأس أولوياتنا الوطنية"، وأضاف سموه "إن ما حققته قواتنا المسلحة خلال العقود الأربعة الماضية كان مبعث فخر واعتزاز، لكنه أضاف أعباء إضافية على كل من ينتسب إلى تلك القوات، فالتطور الذي تحقق حتى الآن لا يجب أن يكون نهاية المطاف، بل هو حافز لمزيد من العمل، وتحقيق مزيد من الإنجازات".

هذه الرؤية الثاقبة التي عبر عنها صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله، تكشف في واقع الأمر عن عامل مهم من عوامل نجاح تجربة الإمارات التنموية، التي أضحت نموذجاً يحتذى به إقليمياً وعالمياً، هو ذلك المتمثل في متابعة عملية التحديث والتطوير بشكل مستمر في كافة المجالات، وعدم الركون إلى ما تحقق من إنجازات مهما كانت عظيمة، وقيادة بهذه الرؤية تجعلنا بلا شك أكثر تفاؤلاً وثقة في مستقبل بلدنا الحبيب، وأكثر ولاء وانتماء لها، وأكثر تقديراً وامتناناً للدور العظيم الذي تقوم به قواتنا المسلحة الباسلة في حفظ أمن الوطن ومكتسباته.

Share