الذكرى الثانية لرحيل زايد

الذكرى الثانية لرحيل زايد

  • 2 نوفمبر 2006

في الذكرى الثانية لرحيل المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، يجد المرء نفسه بحاجة إلى إعادة استكشاف هذه الشخصية الآسرة لما امتلكته من رؤية ثاقبة في التعاطي مع القضايا والأحداث، وقدرة فريدة على العطاء وتعزيز قيم الانتماء والولاء، ورغبة صادقة في البناء والتطوير، والتواصل مع المواطنين على نحو انتزع إعجاب الجميع بما أنجزه وحققه ذلك الراحل العظيم لوطنه وأمته؛ فما تحصده دولة الإمارات اليوم هو نتاج ما كان يسعى إليه ويحرص على ترسيخه.

 لقد سعى الشيخ زايد إلى بناء دولة راسخة مستقرة، وها هي اليوم دولة يشهد لها المجتمع الدولي بأنها من أكثر الدول استقراراً وثباتاً. وأدرك أبناء زايد وحكام الإمارات أنهم أمام معلّم كبير، فساروا على خطاه، وكانوا مثالاً في الإخلاص والوفاء لنهجه، فقد أيقنوا أنهم ورثوا رجلاً استثنائياًً امتلك رؤية ثاقبة، وأسس مدرسة فريدة في الحكم وممارسة الوطنية، وكرّس مجموعة من القيم والرؤى في العمل الوطني.

 ولا تحتاج إنجازات المغفور له الشيخ زايد للتدليل، فهي واضحة للعيان، يلمسها الصغير قبل الكبير، والقاصي قبل الداني، كما أنها عمّت فلم تقف داخل حدود دولة الإمارات، بل تعدتها إلى مختلف الدول العربية والإسلامية.

 لقد رحل زايد في الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2004، بعدما أنجز لدولته وشعبه أفضل ما يمكن أن ينجزه حاكم لأمته. فقد عرف، رحمه الله، ما الذي يترتب عليه أن يقدمه لشعبه، وعرف ما تريده أمته منه، فاختط منهجاً فريداً في المسؤولية، وبنى أمته ووحّدها، وقادها بحكمة وبصيرة، وكرّس عوامل التطور والنماء فيها، وجعل مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتمسك بثوابت أمته وقيمها وأخلاقها، وانفتح على كل الثقافات والتجارب الأخرى، فضرب مثلاً يحتذى في القيادة والإنجاز، وصارت دولة الإمارات موضع إعجاب عالمي يصل إلى حد الذهول بما حققته خلال فترة وجيزة.

 ولقد وقع ميراث زايد في أيدٍ أمينة، وظهر منذ الأيام الأولى لوفاته حرص أبنائه وإخوانهم حكام الإمارات والشعب الإماراتي كله على متابعة مسيرة الإنجاز وتمكينها، في تلاحم فريد ونادر بين الشعب وقيادته.

 وتتجلى متابعة الإنجاز في مظاهر شتى، فعلى الصعيد السياسي الداخلي تتابع دولة الإمارات سياستها الرائدة القائمة على تعزيز أوضاعها الداخلية، وتعمل على تطوير أدائها الحكومي وتفعيله، من خلال الاعتماد على القيادات النشيطة والفاعلة واستحداث الوزارات والإدارات، واستصدار القوانين التي تساعد على التطوير. ولعل وزارة تطوير القطاع الحكومي التي أنشئت في التشكيل الوزاري الأخير في فبراير 2006 خير دليل على هذه الرغبة في التطوير والنهوض. وفي هذا الإطار أيضاً جاء المرسوم الأخير الذي أصدره صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، والقاضي بتعديل بعض أحكام القانون الاتحادي رقم "21" المتعلق بالخدمة المدنية في الحكومة الاتحادية، والذي يأتي ضمن التوجه إلى تطوير الإدارة الحكومية وتعزيز اللامركزية في عمل الوزارات الاتحادية، ورفع كفاءة العمل الحكومي وتعزيز دوره. إضافة إلى ذلك فقد تبنى مجلس الوزراء منذ أشهر مبدأ اللامركزية في إنفاق مختلف الوزارات الاتحادية.

 وفي خطوة تشكل محطة هامة ونقلة تاريخية في مسار التجربة البرلمانية ستجري في ديسمبر 2006 أول انتخابات تشريعية في الإمارات، وهي خطوة تعزز توجه الدولة نحو إعطاء مساحة أكبر للمشاركة السياسية، وتؤسس لخطوات قادمة في مسيرة الإصلاح السياسي والديمقراطي دون استعجال أو حرق للمراحل، ووفق رؤية تأخذ بعين الاعتبار التقاليد المجتمعية والثقافية لدولة الإمارات.

 أما على صعيد السياسة الخارجية، فقد عملت الإمارات على تمتين علاقاتها مع جميع الدول العربية والإسلامية، وعلى إقامة أفضل العلاقات مع مختلف الدول، وتحسين علاقاتها بالمجتمع الدولي من خلال تفعيل مشاركاتها في المنظمات الدولية والإقليمية المختلفة في إطار الالتزام بقوانينها وأهدافها الوطنية والقومية التي أرساها المغفور له الشيخ زايد. كما واصلت الدولة نجاحها في مدّ يد العون اقتصادياً وسياسياً للدول العربية والإسلامية، وتقف دائماً في طليعة الدول التي تلبي النداءات الإنسانية في الكوارث والمحن التي تصيب مختلف الدول.

 أما على الصعيد الاقتصادي فتسعى الإمارات إلى الاستغلال الأمثل لارتفاع عوائد النفط من خلال طرق أبواب استثمارية جديدة تكون قادرة على تفعيل النمو الاقتصادي وتنويع قاعدته، وقد ارتفعت نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي للدولة بصورة ملحوظة؛ وبلغت نسبة مساهمة قطاع الصناعة التحويلية إلى 12% العام 2003 بعد أن كانت 1% فقط عام 1975، كما أطلقت مشروعات تنموية طموحة في كافة قطاعات الإنتاج فتحت المجال لتوظيف كثير من المواطنين، وقادت الدولة إلى أن تحتل المركز الثالث عربياً من حيث حجم الاقتصاد، في حين احتلت المرتبة الأولى من حيث الجدارة الائتمانية، والثانية في حجم الصادرات ومعدل الدخل الفردي، حسب التقارير الصادرة عن صندوق النقد والبنك الدوليين.

 وجّه زايد جلّ اهتمامه لبناء الإنسان، وسخر لذلك كل إمكانيات الدولة، فقد أدرك ببصيرته الثاقبة أن الاستثمار في الموارد البشرية هو خير استثمار، فحرص على إنشاء المدارس والجامعات وتأمين فرص التعليم للجميع. وقد سارت دولة الإمارات بعد رحيله على النهج نفسه، ويحق للدولة اليوم أن تفخر بجامعاتها ومعاهدها الكثيرة التي تنتشر في مختلف أرجائها.

 يصعب على المرء أن يحصي في عجالة إنجازات زايد، ولاسيما أنها إنجازات مستمرة بفضل بعد نظر صاحبها من جهة، وبفضل حرص أبناء الإمارات قيادة وشعباً على إحيائها بشكل دائم من جهة أخرى. ولهذا فإن زايد، الذي كان يحظى بتقدير أبناء الإمارات وهو بينهم، يتضاعف تقديره، وقد رحل عنهم؛ لأنهم يكتشفونه مجددا يوماً بعد يوم. وهكذا يستمر زايد في نفوس أبنائه وشعبه، إنها علاقة فريدة تنعكس إيجابياً في كل مناحي الحياة في الإمارات، وهذا أيضاً ما كان يريده.

Share