الدينار الذهبي في التجربة الماليزية

  • 23 سبتمبر 2010

اهتمت الصحافة العالمية الشهر الماضي بأخبار بدت هامشية صادرة من مكان بعيد في الشمال الغربي من جنوب شرق آسيا، تمثلت في قيام حكومة إقليم كيلنتان في ماليزيا بإصدار مجموعة من "الدنانير الذهبية والدراهم الفضية الإسلامية" كعملة رسمية إضافة إلى العملة الوطنية الماليزية (الرنجيت) في خطوة اعتبرها أحد المسؤولين وسيلة للترويج لاستعمال العملة الإسلامية عوضاً عن الأموال الورقية.

وقد وجدت العملة الجديد ترحيباً كبيراً في إقليم كيلنتان؛ حيث تم بيع أول دفعة من النقود الذهبية والفضية التي صكتها حكومة الإقليم في أقل من شهر (بلغت قيمة المسكوكات في هذه الدفعة مليوني رنجيت أو ما يعادل 647 ألف دولار). كما وصف المسؤول التنفيذي الرئيسي لتجارة الذهب في إقليم كيلنتان، عمر إبراهيم فاضيلو، الإقبال على العملة الجديدة بأنه "مذهل"، وأضاف: "نتوقع عند نهاية السنة بيع ما قيمته 60 إلى 70 مليون رينجت من الدنانير والدراهم الذهبية".

والمثير للاهتمام هو قيام الصحافة العالمية بتغطية هذه الأخبار تغطية مستفيضة؛ لأن العديد من خبراء الاقتصاد يعتبرون هذه المبادرة اختباراً جيداً لعملية إصدار عملة جديدة لا تعتمد على الدين (كما هو الحال في النظام النقدي الحالي)، بل على القيمة الفعلية، وخاصة في ظل قناعة كثير من خبراء الاقتصاد وبعض النشطاء السياسيين، ولاسيما أولئك المرتبطين بحركة الشاي الأمريكية التي اشتهرت حديثاُ، بأن الأزمة الاقتصادية الحالية نتجت عن عبء الدين الهائل الناتج عن إصدار العملات الورقية غير المغطاة وفق النظام المصرفي الحالي.

ويشرح جيمس هوكواي في مقالته "المسلمون الماليزيون يتحولون إلى استعمال الذهب" المنشورة مؤخراً في مجلة "وال ستريت جورنال" وجهة النظر هذه قائلاً: "كثير من الناس يساورهم الشك تجاه الدولار الأمريكي والعملات الأخرى غير المدعومة من الذهب والفضة. والليبراليين الأمريكيون مثل رون بول غالباُ  ما يدعون إلى إعادة استعمال العملة المدعومة من الذهب مبررين ذلك بأن قيام الاحتياطي الفيدرالي بطباعة النقود بكميات ضخمة دون غطاء أدى إلى زيادة التضخم وتدمير المدخرات.

ورغم أن فاضيلو والمسؤولين الماليزيين قد شددوا كثيراً على أن "الدينار الذهبي والدرهم الفضي" قد تم إصدارهما كسلعة فقط، وأن الرينجت لا يزال هو العملة القانونية الوحيدة في ماليزيا، فإن هنالك العديد من الأسباب التي تدعو للاعتقاد بأن إصدار "الدينار الذهبي الإسلامي" قد تم بهدف اختبار جدوى استعمال عملة بديلة تعتمد على الأصول.  أولها أن إقليم كيلنتان لم يتلق أي اعتراض من حكومة ماليزيا على استعمال النقود الجديدة. وثانيها، أن الموظفين المدنيين في الإقليم لديهم بالفعل خيار الحصول على 25 بالمائة من مرتباتهم بالدنانير الذهبية والدراهم الفضية. كما أن هنالك أخباراً تشير إلى أن ثلاث ولايات أخرى تتحكم بها المعارضة الماليزية –سلانغور، وكيدا وبينانغ – قد أبدت اهتمامها بإصدار نقود مشابهة.

ولكن خبراء الاقتصاد التقليديين يبدون شكوكهم حيال هذه التجربة، وبعضهم يعتقد أنها لا تخرج عن كونها مسألة سياسية أكثر منها اقتصادية، ويشير هؤلاء إلى أن التجربة بأكملها قامت بها الحكومة الإقليمية التي يسيطر عليها حزب  PAS في كيلنتان من أجل تعزيز صورة الحزب كحركة ثيوقراطية أكثر أصالة من غريمه الحزب الإسلامي UMNO (التنظيم الوطني الماليزي المتحد).

وقد وصف آخرون هذه التجربة بأنها غير عملية. ويجري التداول بأن الأشخاص يشترون النقود الذهبية والفضية بوصفها فرصة للاستثمار و"ملجأ آمناً" لحفظ القيمة أكثر من كونها وسيلة لتبادل العملة، كما يرى المشككون أن أصحاب المحلات والزبائن لن يتمكنوا من صرف  عملات النقود الذهبية والفضية المرتفعة السعر وتغييرها من دون استعمال الأوراق والنقود العادية.

ولهذا فإن خبراء الاقتصاد التقليديين يعترضون بشدة على أولئك المتحمسين للعملات المدعومة من الذهب – في آسيا والغرب – وذهب تيم كوندون (الخبير الاقتصادي الرئيسي في آسيا لدى شركة ING في سنغفورا) إلى حد وصفهم بـ "المهووسين بالمال". وبغض النظر عن جدوى التجربة الماليزية مع الدينار الذهبي فإن الأمر الذي لا شك فيه هو أن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الحالية تتجه بسرعة لتشكل أزمة نقدية كبيرة لكل العملات الرئيسية في العالم.

والغريب أن الأسواق الاقتصادية التي ضربها الانكماش حول العالم تقوم عن قصد بتخفيض قيمة عملاتها بهدف زيادة عائداتها من الصادرات. ومع انخفاض عدد الدول في العالم التي ترغب بعملة قوية؛ لأن ذلك يلحق الضرر بعائداتها من الصادرات، ارتفع منحى التحول إلى "الملاجئ الآمنة" الجديدة المعتمدة على الأصول –مثل الذهب والفضة – إلى أقصى المستويات. والمثال الأخير على هذا السباق في تخفيض قيمة العملات هو تدخل المصرف المركزي الياباني في أسواق العملات بعد أن وصل الدولار الأمريكي إلى أدنى مستوياته منذ 15 عاماً مقابل الين. وكانت نتيجة هذا التدخل فورية بحيث انخفضت العملة اليابانية إلى نسبة مذهلة بلغت 3% في اليوم نفسه الذي تم فيه إعلان ذلك.

ويسلط هذا المثال الضوء على التقلبات التي تشهدها أسواق العملات الرئيسية والتشوهات الراهنة في النظام المالي العالمي. فاليابان التي تعاني من انكماش مستمر لعقدين من الزمن، ومن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يقارب 200 بالمائة، ومازال المستثمرون الدوليون ينظرون بثقة أكبر في عملتها مقارنة بالدولار الأمريكي.

ولقد أبرزت هذه المشكلات الحاجة إلى نظام اقتصادي ومالي عالمي جديد، وهو الأمر الذي أشار إليه بوضوح رئيس وزراء ماليزيا السابق مهاتير محمد في أوائل هذه السنة، عندما تحدث عن ضرورة إيجاد حلول اقتصادية ومالية إسلامية لمعالجة هذه المشكلات؛ حيث دعا في مقابلة مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت إلى توفير نظام اقتصادي ومالي إسلامي على الرغم من وجود بعض العوائق، قائلاً: "كما هو الحال مع كل الأمور يجب أن تكون هناك بداية، وعلى الرغم من أنها قد تبدو غير ممكنة، ومن وجود العديد من الإشكاليات فإنه مع مرور الوقت يتم القيام بإجراء التصحيحات اللازمة. وأعتقد أنه من الممكن القيام بالأمر، ولكن ليس دفعة واحدة، بل تدريجياً".

ولذا ليس من المستغرب أن تكون ماليزيا واحدة من طلائع الدول الإسلامية التي تحاول توفير حلول إسلامية للمتاعب الاقتصادية والمالية. ولكن من المثير حقاً للاهتمام أن يتم متابعة تطور هذه المبادرات بشكل حثيث من قبل معارضيها.

Share