الديمقراطيون في الكونجرس والحذر من مطبات الشرق الأوسط

د. عماد حرب: الديمقراطيون في الكونجرس والحذر من مطبات الشرق الأوسط

  • 29 أبريل 2007

يبدو أن مبدأ الضوابط والتوازنات في الدستور الأمريكي يقع في قلب النزاع الدائر حول الحرب في العراق بين البيت الأبيض والكونجرس. ففي حين يحاول الرئيس "بوش" جاهداً الدفاع عن حقه الدستوري في صياغة خيارات السياسة الخارجية الأمريكية في العراق، يصر الديمقراطيون في الكونجرس على استخدام صلاحياتهم في تمويل المشاريع للتأثير في جدولة انسحاب الجنود الأمريكيين وعملية إحلال السلام في البلد. ولكن، إذا تطلبت هذه العملية استشارة سورية وإيران، فإن على الديمقراطيين الحذر من محاولات دمشق وطهران استخدام نفوذهما في العراق لخدمة أغراض أخرى.

قبل سيطرة الديمقراطيين الرسمية على مجلسي الشيوخ والنواب في كانون الثاني/يناير من هذا العام، تمتع الرئيس بوش بتفويض مطلق من الأغلبية الجمهورية في الكونجرس ولم يعانِ البيت الأبيض سوى من تدخل بسيط من قبل القيادات البرلمانية الجمهورية واللجان، واحتكرت الإدارة قرارات السياسة الداخلية والخارجية مثل تلك المتعلقة بقضية التجسس على الأمريكيين ومعتقلي جوانتانامو في الحرب على الإرهاب ومثل الحرب على العراق. واستمر هذا الحال طوال سنوات حكم الرئيس حتى مطلع العام الحالي، عدا الفترة ما بين 2003 و2005 عندما سيطر الديمقراطيون على مجلس الشيوخ.

ولكن هذا كان في الأمس. أما ديمقراطيو اليوم فهم يستخدمون أغلبيتهم الجديدة لتحقيق أهداف عديدة، منها: إعادة التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية بعد طغيان الأولى لفترة طويلة، وإعادة الاعتبار لسمعة أمريكا ومكانتها حول العالم، وتسجيل نقاط سياسية لخدمة الحملتين الانتخابيتين للرئاسة والكونجرس عام 2008. وتؤمّن الحرب في العراق القضية الملائمة وجو الأزمة المؤثر الذي يمكن أن يساعد في تدخل الكونجرس في السياسة الخارجية وأن يخدم أهداف الديمقراطيين الثلاثة.

وأفضل مثَلين على الحزم الديمقراطي المتجدد هما قرارا الكونجرس الأخيرين حول ربط تمويل القوات الأمريكية في العراق بجدولة انسحابها. فبينما يرفض الرئيس "بوش" أن يناقش القضية ويهدد باستعمال حقه بالنقض؛ لأن الجدولة تخدم أغراض الإرهابيين على حد تعبيره، استخدم مجلس الشيوخ قضية التمويل لتحديد هدف زمني عام للانسحاب في آخر آذار/مارس 2008، بينما استخدمها مجلس النواب ليقرر موعداً حتمياً للخروج وهو أول أيلول/سبتمبر من نفس العام.

وباستثناء رغبتهم الواضحة بإنهاء سياسة التدخل الأمريكي الخارجي الكارثية، ليس عند الديمقراطيين أي خيار آخر سوى مخاطبة شعور الشعب الأمريكي حول الحرب. فانتصارهم في الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر من العام الماضي (2006) جاء من ناخبين سائمين وغير راضين عن إدارة الرئيس وأيديولوجية المحافظين الجدد الذين يريدون تغيير الدور الأمريكي حول العالم. كما أن مقدرتهم على التأثير في مجرى حرب مكلفة ولا تتمتع بشعبية واسعة في وقت تتعرض فيه ميزانيات برامج شعبية مفيدة للتخفيض سمحت لهم باستغلال فرصة سياسية فريدة.

وما ساعد في الضغط باتجاه هذه الاندفاعة للتدخل في حل أزمة العراق كان التحول الواضح في موقف النخبة الأمريكية، والذي ظهر جلياً في تقرير مجموعة دراسة العراق (لجنة بيكر-هاملتون) الذي صدر في كانون الأول/ديسمبر 2006. فقد رسمت هذه اللجنة المكونة من أعداد متساوية من الجمهوريين والديمقراطيين صورة حالكة عن العراق والظروف الصعبة للاحتلال الأمريكي هناك، واقترحت التعامل مع سورية وإيران حول طرائق إحلال السلام في البلد، وهو ما استغله الديمقراطيون الذين أكدوا التزامهم بمقترحات اللجنة لتبرير نشاطاتهم أمام الاتهامات الجمهورية القديمة بأنهم يرغبون الهروب من المعركة في العراق.

وقد يوسع الديمقراطيون من دائرة تدخلاتهم على جبهات شرق أوسطية أخرى تقع ضمن صلاحية الدبلوماسية الأمريكية الناشطة، أي في وزارة الخارجية، وهو ما قد تكون له عواقب سلبية. فرغم أن لجنة "بيكر-هاملتون" أوصت بالحوار مع سورية وإيران، إلا أنه يجب على الديمقراطيين أن يحذروا من التفكير بالتوصيات على أنها وصفة للتعامل المفتوح معهما. ففي قضايا أخرى مثل لبنان والملف النووي الإيراني، ليس من المتوقع أن تقبل الدولتان برغبات الديمقراطيين، بل قد تستقويان بالموقف الديمقراطي وتستمران بسلوكهما السابق.

سورية اليوم تقود سراً حركة معارضة تأسيس المحكمة ذات الطابع الدولي التي ستحاكم من يثبت ضلوعه باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق "رفيق الحريري"، وتعارض الحكومة اللبنانية الشرعية برئاسة "فؤاد السنيورة". كما أنها متهمة من قبل قطاع واسع من المجتمع اللبناني بالضلوع بالجريمة بسبب سيطرتها على بيروت والبلد وقتذاك، ولأنها كانت على خلاف كبير مع الحريري. ولقد نفى الرئيس "بشار الأسد" والمسؤولون السوريون أي علاقة لسورية بالاغتيال أو باستمرار الأزمة اللبنانية، ولكنهم يعترضون على المحكمة قائلين إن المسألة تحتاج لاتفاق وتعاون بين اللبنانيين. في نفس الوقت، يتكلم أصدقاء سورية في لبنان عن الضرر الذي ستُلحقه المحكمة بسورية إذا أُقرت كسبب لمعارضتهم لتأسيسها ولاستمرار اعتصامهم في ساحات بيروت التجارية.

من ناحية أخرى، تواجه إيران المجموعة الدولية حول ملفها النووي وتتجاهل تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة به. ولها تأثير كبير على حزب الله الذي يقود المعارضة اللبنانية والذي أعلن أمينه العام السيد "حسن نصر الله" اعتراضه على المحكمة وإيقافه للحوار الذي كان يدور بين رئيس مجلس النواب وأحد أقطاب المعارضة "نبيه بري" ورئيس كتلة المستقبل النيابية وأحد أركان الأغلبية البرلمانية الموالية للحكومة "سعد الحريري". وليس من الصعب في هذا الجو من الارتباك والاحتقان السياسيين أن يستنتج المرء أن استقرار لبنان وعودة الحياة الطبيعية إليه قد يكونان رهناً بمشاكل إيران مع العالم وبخوف سورية من المحكمة.

ولم تكن الزيارة الأخيرة التي قامت بها "نانسي بيلوسي"، رئيسة مجلس النواب الديمقراطية، إلى دمشق من أجل مقايضة استقرار لبنان بتعاون سورية في العراق، كما ولن تكون زيارتها الممكنة إلى طهران قبولاً منها بملف إيران النووي السري. فهي وزملاؤها الديمقراطيون حريصون على مصالح أميركا الوطنية، كما أن لبنان المستقل وإيران الخالية من السلاح النووي هما هدفان ديمقراطيان أيضاً. وبالمناسبة، قد ثفضّل الحكومتان السورية والإيرانية أن تتفاوضا مع إدارة حاكمة بدل التفاوض مع ديمقراطيي الكونجرس، ولكنهما الآن تأخذان ما تقدران من واشنطن.

ما يجب تأكيده هو أن محاولات الديمقراطيين لمساعدة أمريكا على الخروج من العراق وإحلال السلام هناك ينبغي ألا تقترن بمكافآت لسورية وإيران في قضايا أخرى شرق أوسطية. ومن المؤكد أن حرب الكر والفر بين السلطتين التنفيذية والتشريعية ستستمر وتتوسع وتتعمق. ولكن أيضاً من المؤكد أن مصالح الولايات المتحدة العليا ستبقى هدف الديمقراطيين الأعلى، وهذه المصالح بحاجة إلى لبنان هادئ ومسالم، وإلى استقرار دائم في الشرق الأوسط.

Share