الدولة الفلسطينية ليست "منحة" أو خياراً انتقائياً

  • 20 يناير 2003

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون مؤخراً في حديث مع مجلة "نيوزويك" الأمريكية عن أنه مستعد للاعتراف بدولة فلسطينية إلا أنه وضع العديد من الشروط لذلك، تفرّغ هذه الدولة من مضمونها وتحوّلها إلى كيان تابع لإسرائيل وخاضع لها وفارغ من أي مظهر من مظاهر السيادة المتعارف عليها للدول في القانون الدولي. حيث اشترط شارون أن تكون الدولة منزوعة السلاح، ومن دون حدود نهائية وتشرف إسرائيل على الحدود الخارجية لها، ويكون لها الحق في التحليق فوق أراضيها على أن يتم البحث في حدودها النهائية في مرحلة لاحقة، على شرط إيقاف الفلسطينيين ما سماه بـ "الإرهاب". وتتضح الصورة أكثر إذا ما أضيفت هذه الشروط إلى مواقف شارون التي أعلن عنها منذ مجيئه إلى الحكم وقبل ذلك والرافضة لتقسيم القدس أو السماح بعودة اللاجئين الفلسطينيين من الخارج أو تصفية المستوطنات، والمطالبة بإجراء إصلاحات فلسطينية وإبعاد عرفات عن السلطة الوطنية.

ويعكس هذا التصور "الشاروني" للدولة الفلسطينية حقيقة أساسية هي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يرى في هذه الدولة منحة وليست حقاً فلسطينياً مقرراً وفقاً لقرارات الشرعية الدولية العديدة ومرجعيات عملية السلام التي انطلقت من مدريد في عام 1991، ومبدأ "الأرض مقابل السلام"، إضافة إلى العديد من الاتفاقات والتفاهمات التي وقّعت عليها إسرائيل مع الفلسطينيين بشهادة الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وبعض الأطراف الإقليمية. ووفق هذا المنطق فإن صاحب "المنحة" هو الذي يحدد شكلها وطبيعتها، ولهذا فقد عمد شارون إلى استهداف السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسساتها المختلفة منذ أن جاء إلى الحكم، ليس لأنها متورطة في الإرهاب كما ادعى، ولكن لأنها ترمز إلى الدولة الفلسطينية التي يرفض المرجعيات التي قامت على أساسها وأهمها "اتفاق أوسلو" عام 1993 الذي عارضه شارون، كما رفض كل الأطروحات والخطط التي تحدثت عن الدولة الفلسطينية مثل "خريطة الطريق" وغيرها، انطلاقاً من الرغبة في إخضاع الشعب الفلسطيني، وبالتالي فرض الحل السلمي عليه باعتباره منحة وليس حقاً.

إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول من خلال تصوره للدولة الفلسطينية السابق الإشارة إليه المكابرة وعدم الاعتراف بالفشل في مواجهة الانتفاضة، أو حمل الشعب الفلسطيني على إلقاء السلاح تمهيداً لترويضه، والإيحاء للشعب الإسرائيلي قبل الانتخابات العامة في الثامن والعشرين من هذا الشهر بأنه لم يتراجع، وأنه ماضٍ في تنفيذ سياساته القائمة على ضمان الأمن وما يسميه بالسلام عن طريق القوة، في الوقت الذي اعترف فيه بعض القادة العسكريين الإسرائيليين بصعوبة هزيمة الانتفاضة أو كسر إرادة الشعب الفلسطيني عسكرياً، وهو ما اعترف به أيضاً زعيم حزب العمل عمرام متسناع مؤخراً، مما أدى إلى تعرضه إلى هجوم حاد من شارون، متهماً إياه بالتفريط فيما سماه بـ"الأمن الإسرائيلي". وشارون بهذا التفكير ينتمي إلى نمط من القادة الذين لا ينظرون حولهم ويرفضون الاعتراف بالحقائق ويتسمون بالجمود السياسي، ومثل هؤلاء يقودون العالم دائماً إلى الكوارث والنكبات، ما يفرض على الأطراف المعنية بالسلام، التحرك وعدم ترك القضية الأكثر تعقيداً في العالم رهناً لأفكار شارون المدمرة.

 

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات