الدور الرقابي‮ ‬والنظام المالي‮ ‬العالمي

  • 10 يوليو 2012

أيقن المتابعون للشؤون الاقتصادية والمالية العالمية وقبلهم العاملون في مواقع المسؤولية في المنظمات والمؤسسات الاقتصادية والمالية حول العالم ومنذ اندلاع "الأزمة المالية العالمية" عام 2008 أن النظام المالي العالمي يعاني حالة من التراخي الشديد في القواعد والإجراءات الرقابية، وأن تراخي القواعد والإجراءات ينسحب بطبيعة الحال على دور المؤسسات الرقابية، التي يبدو أنها تفاجأت مثل غيرها باندلاع الأزمة، وأن غياب الدور الرقابي لهذه المؤسسات هو الذي سمح للمؤسسات المالية والمصرفية الأمريكية بالإفراط في منح قروض التمويل العقاري، محطّمة بذلك قواعد الاستقرار المالي والنقدي، وعندما فاقت أعباء الرهون العقارية القدرات المالية للمستفيدين تقاعس هؤلاء المستفيدون عن سداد مديونياتهم، فاشتعلت أزمة "الرهن العقاري" مؤذنة ببداية الأزمة.

وكان اندلاع الأزمة بهذه الكيفية سبباً في قيام العديد من المطالبات الدولية بمراجعة قواعد الرقابة ونظمها في النظام المالي العالمي، وفرضت القضية نفسها على "أجندات" التجمّعات والفعاليات الدولية الكبرى في أكثر من مناسبة، كما حدث في قمة "مجموعة العشرين". وبرغم أن التحركات الدولية في هذا الاتجاه قد أفرزت بعض الإجراءات الجديدة، وأعادت النظر في الإجراءات المعمول بها، فأدخلت عليها عدداً من الإصلاحات بهدف تفعيل دور المؤسسات الرقابية، فإن مسيرة الاقتصاد العالمي خلال الفترات الأخيرة قد مرّت بمحطتين مهمتين كشفتا عن عدم كفاية تلك التحركات، وتمثّلت المحطة الأولى في أزمة المديونية الحكومية التي ظهرت بوادرها في الولايات المتحدة واليابان، ومن ثم انتقلت عدواها إلى "منطقة اليورو" فاتخذت منحى خطِراً هناك، وصل إلى حد التهديد باندلاع موجة جديدة من "الأزمة المالية العالمية" تجتاح الاقتصاد العالمي كله.

وقد كشف مرور الاقتصاد العالمي بهذه المحطة عن جانب آخر من جوانب الضعف الشديد في الدور الرقابي في النظام المالي العالمي، وعن أن المؤسسات الرقابية غير قادرة على الوصول إلى حقيقة الممارسات المالية للحكومات، بما يضمن التزامها معايير الاستقرار المالي والنقدي المعتمدة دولياً، وهو ما أعطى الفرصة لتلك الحكومات في الدول المتعثّرة في الإفراط في الاقتراض لتمويل نفقاتها العامة، فتضخّمت مديونياتها إلى مستويات لا يمكن لاقتصاداتها الوطنية تحمّلها، حتى اقترب عدد غير قليل منها (خصوصاً في "منطقة اليورو") من شفا الإفلاس، وهو التهديد الذي لم تنسحب آثاره السلبية على الاقتصادات الوطنية فقط بل طال لهيبه الاقتصاد العالمي كله.

أما المحطة الثانية، فقد مرّ الاقتصاد العالمي بها عندما انكشف أمر التلاعب في أسعار الفائدة بين البنوك في بريطانيا خلال الأيام الأخيرة، وهو ما أضاء من جديد ضوءاً أحمر على الجانب الرقابي الضعيف في النظام المالي العالمي. ولعل مرور الاقتصاد العالمي بهاتين المحطتين قد أبرز مدى الحاجة الماسّة إلى تحركات دولية جديدة في إطار عمل دولي منسّق ومتكامل، من أجل وضع منظومة متكاملة للرقابة المالية، يتمّ فيها إعادة مراجعة القواعد والإجراءات الرقابية، وإعادة النظر في معايير الاستقرار المالي والنقدي المعمول بها، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية على المستويات الوطنية للدول وعلى المستوى العالمي كله، مع تشديد القواعد التي تضمن التزام المؤسسات المالية والحكومات أيضاً تلك القواعد والمعايير، وذلك انطلاقاً من الوعي التام بأن الاقتصاد العالمي هو كالجسد الواحد، الذي يتسبّب اعتلال بعض أعضائه بالتأكيد في الإضرار بباقي الأعضاء.

Share