الدور الإنساني لدولة الإمارات العربية المتحدة

  • 28 يونيو 2010

أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة عنواناً للخير والعطاء في العالم، وعلامة بارزة في مجال العمل الإنساني على المستويين الإقليمي والدولي. ففي كل مشكلة أو أزمة إنسانية في أي مكان بالعالم تكون أياديها البيضاء سبّاقة في تقديم يد العون والمساعدة إلى كل محتاج إليها في أي بقعة تئن فيها النفس الإنسانية من العوز والحاجة الملحة، مهما يكن البعد الجغرافي أو الاختلاف الديني أو العرقي أو الثقافي، الأمر الذي أكسبها الاحترام والتقدير على المستوى الدولي، ووضعها ضمن منظومة القوى الخيرة في العالم.

هذا التوجه الإنساني لدولة الإمارات ليس جديداً، فهو نهج أصيل وثابت في سياستها الخارجية منذ عهد المغفور له، بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، وقد تعزز وتطور في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد، رئيس الدولة، حفظه الله. وحرصاً منها على استمرارية هذا الدور الإنساني أنشأت الدولة العديد من المؤسسات التي أصبح دورها الإنساني عالمياً بكل معنى الكلمة، كما قامت مؤخراً بتأسيس مكتب تنسيق المساعدات الخارجية بموجب قرار مجلس الوزراء رقم (36) لعام 2008 بهدف دعم جهود المؤسسات المانحة الإماراتية التي تقدم المساعدات الإنسانية ومعونات الإغاثة إلى مختلف أنحاء العالم وتنسيقها، وتعزيز دور الدولة كمانح دولي رئيسي في المجتمع الدولي. ويرأس هذا المكتب سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في المنطقة الغربية، رئيس هيئة الهلال الأحمر.

وإذا أردنا استنطاق الأرقام التي تبرز الدور الإنساني المتميز للدولة في العالم، فإن كثيراً من الإحصاءات المتوافرة لا تدع مجالاً للتشكيك في هذا الأمر. ففي التقرير الصادر  من مكتب تنسيق المساعدات الخارجية للدولة في نهاية شهر يونيو الحالي 2010، وهو الأول من نوعه الذي يتم إطلاقه على المستوى الرسمي حول حجم المساعدات الخارجية لدولة الإمارات، بلغت التقديرات غير النهائية لمساعدات الإمارات الإجمالية منذ نشأة الدولة في عام 1971 وحتى الآن ما يزيد على 163 مليار درهم تم تقديمها لمكافحة الفقر والمرض والجوع والأزمات الإنسانية في كافة أنحاء العالم. كما بلغ إجمالي المساعدات الخارجية للدولة في العام الماضي (2009) نحو 8.93 مليار درهم استفادت منها أكثر من 90 دولة حول العالم، جاءت في مقدمتها اليمن (2.84 مليار درهم) و باكستان (1.6 مليار درهم)، وأفغانستان (1.2 مليار درهم)، والأراضي الفلسطينية (965 مليون درهم). وفي أحدث تقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) عن الفترة من شهر يوليو إلى سبتمبر من العام 2009، حول آخر مستجدات المساعدات الإنسانية والمبادرات المقدمة من قبل الدول المانحة للمناطق المحتاجة، جاءت دولة الإمارات على رأس الدول المانحة على النطاق الإقليمي؛ حيث قدمت الإمارات مساعدات إنسانية تشكل ما نسبته نحو 72% من إجمالي حجم المساعدات المقدمة من جميع الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، تلقت باكستان وأفغانستان الحصة الأكبر منها.

وتشير الأرقام والإحصاءات المتاحة إلى أن حجم المساعدات الخارجية لدولة الإمارات بلغ خلال العام الماضي أكثر من واحد بالمائة من إجمالي الناتج المحلي للدولة، وهو ما يفوق النسبة التي قررتها الأمم المتحدة للدول المتقدمة كحد أدنى لتقديم المعونات إلى الدول النامية والبالغة 0.7% من إجمالي الناتج المحلي، وبينما لم تصل العديد من الدول المتقدمة إلى النسبة التي قررتها الأمم المتحدة، قدمت الإمارات مساعدات تفوق المنصوص عليه في الأنظمة الدولية، وهو ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى على مستوى العالم في تقديم المساعدات الإنسانية والإنمائية مقارنة بناتجها المحلي، وهو أمر جعل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدول رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، يصف دولة الإمارات بأنها ليست فقط مركزاً مالياً واقتصادياً، بل هي أيضاً مركز إنساني مهم على الساحة العالمية.

وتكمن الإشكالية في هذا النشاط الإنساني لدولة الإمارات في عدم حصره وتوثيقه دولياً بالشكل الذي يعكس الدور الريادي للدولة في هذا المجال. وهنا تأتي أهمية الدور الذي يقوم به مكتب تنسيق المساعدات الخارجية للدولة، وكذلك الحدث المتعلق بموافقة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، التي تعد إحدى أكبر مصادر البيانات والإحصائيات الاقتصادية والاجتماعية وأكثرها مصداقية في العالم، على اعتبار المساعدات الخارجية المقدمة من قبل المؤسسات الخيرية والإنسانية التابعة لأصحاب السمو الشيوخ حكام الإمارات إلى البلدان المستحقة للمساعدات الإنمائية، مساعدات إنمائية رسمية (ODA) توثق لديها. فنشاط مؤسسات إنسانية مهمة مثل مؤسسة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، ومؤسسة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للأعمال الخيرية والإنسانية، ومؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للأعمال الإنسانية والخيرية، وهيئة آل مكتوم الخيرية ودبي العطاء، لم يكن يتم توثيق مساعداتهم الخارجية لدى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كمساعدات إنمائية رسمية أو مساعدات رسمية أخرى، وإضافة نشاط هذه المؤسسات إلى إجمالي المساعدات الإنسانية لدولة الإمارات سيعزز بلا شك مكانة الإمارات كمانح دولي رئيسي، وسيرفع ترتيبها بين الدول المانحة الكبرى.

وما يميز النهج الإنساني لدولة الإمارات، فضلاً عن كونه عالمي الطابع، أنه يستند إلى اعتبارات إنسانية بحتة تمليها طبيعة الشعب الإماراتي الأصيلة وقيادته الرشيدة المحبة للخير والعطاء، انطلاقاً من التزامها بالمبادئ والقيم الإسلامية السامية، وإيمانها بأهمية تعزيز العلاقات الأخوية والإنسانية مع مختلف الدول والشعوب في العالم. فالهدف الأسمى والمحرك الرئيسي لكل المبادرات الإنسانية لدولة الإمارات هو خدمة البشر أينما كانوا وأياً كان انتماؤهم الديني أو العرقي أو الثقافي وتقديم الدعم والمساندة لهم طبقاً لما تمليه اعتبارات الأخوة الإنسانية. ويعني هذا أن الإمارات تقوم بدورها الإنساني بتجرد كامل، وليس لتحقيق هدف سياسي أو حتى غاية دبلوماسية. فلم يكن المال في سياسة الدولة الخارجية وسيلة للضغط أو لممارسة النفوذ على دولة ما، فالإمارات أسمى من أن تفعل ذلك لأنها تؤمن بالفصل بين الغايات والسياسات. ولقد كان سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية، واضحاً وصريحاً في هذا الشأن عندما قال أمام المجلس الوطني الاتحادي "إن ربط المساعدات الإنسانية بمواقف سياسية يتنافى مع الجانب الإنساني لهذه المساعدات".

من هنا تتميز السياسة الإنسانية لدولة الإمارات بالحياد التام وهي تعي بوجود مؤسسات مالية متعددة حول العالم تمارس ضغوطاً على بعض الدول من خلال ما تقدمه من مساعدات "إنسانية" من أجل تحقيق أغراض سياسية أو اقتصادية. فما بين هذا النوع من المساعدات وغيرها شعرة دقيقة قد تطوق إرادة دولة على حساب مصالح دولة أخرى، وهذا ما نأت دولة الإمارات بنفسها بعيداً عنه حتى لا تختلط السياسة الإنسانية بالسياسات الأخرى.

وبالرجوع إلى خريطة المساعدات الإنسانية للدولة يمكن للمتابع معرفة الثبات الذي كان ولا يزال يميز السياسة الإنسانية للدولة لعقود طويلة، فلم تحل الخلافات الآنية أو تغير سياسات الدول ومواقفها دون قيام الدولة بدورها الإنساني البحت، الأمر الذي أكسب الدولة احترام العالم كله، ومحبة وتعاطف كافة شعوب العالم.

إن لدى دولة الإمارات بنية أساسية قوية في مجال المساعدات الإنسانية تؤهلها للعب أدوار عالمية في المجال الإنساني، ولاسيما في حالات وقوع الكوارث والأزمات الطارئة، سواء ما يتعلق بالزلازل والبراكين والفيضانات الطبيعية، أو ما يلتصق بالمشكلات السياسية التي تنتج أحياناً حروباً جانبية يكون من تداعياتها نزوح آلاف اللاجئين أو المتضررين من المناطق المنكوبة.

وقد أثبتت دولة الإمارات بحضورها القوي في مختلف الأزمات والكوارث أنها مؤهلة للقيام بدور قيادي عالمي في هذا المجال. ففي العام 2009، فقد حضرت بفاعلية في الصراع الذي دار في محافظة صعدة بشمال اليمن، حيث ساهمت بمؤسساتها الرسمية والخيرية في التخفيف من معاناة النازحين الذين وصلت عددهم إلى قرابة 200 ألف نازح، إضافة إلى تأثر نحو 800 ألف شخص بشكل غير مباشر. وفي يناير من هذا العام (2010) شاركت الدولة بفاعلية في تخفيف الأزمة الإنسانية التي شهدتها هاييتي، حيث كان على رأس المساهمين في هذه الجهود الإنسانية مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان الخيرية وهيئة الهلال الأحمر ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم. كما شكلت الدولة فرقة خاصة للمشاركة في علاج الآثار الضارة بالبيئة التي تسببت فيها حادثة التسرب النفطي في خليج المكسيك. هذا إلى جانب دورها الإنساني الأصيل والمهم في تخفيف المعاناة الإنسانية لأبناء الشعب الفلسطيني، وهو الدور الذي أشادت العديد من المؤسسات الدولية والإقليمية المختلفة.

إن ما تقوم به دولة الإمارات من جهود راقية في مجال تقديم المساعدات الإنسانية لمختلف دول ومناطق العالم يجعلها موضع تقدير واحترام عالمياً، لاسيما في ظل تنامي مخاطر الفقر والمرض والأزمات الإنسانية في العالم، ويعزز من صورتها المضيئة البراقة كدولة محبة للخير والسلام في العالم.

Share