الدور الإقليمي المتنامي لتركيا: دوافعه وآفاقه

  • 24 يونيو 2010

استفاض، أحمد داوود أوغلو، وزير الخارجية التركي، في محاضرة ألقاها بالقاهرة العام الماضي، في شرح ما أسماه "العمق الاستراتيجي" لبلاده، موضحاً "أن تركيا دولة مركزية في أقاليمها الجغرافية المتعددة، ولا تستطيع أن تعيش بمعزل عن التفاعل النشط مع محيطها ولا أن تغير الجغرافيا أو تهرب من التاريخ"، وهو ما فسره بعض المراقبين آنذاك بأنه يعبر عن نزعة عثمانية جديدة للسياسة التركية، التي تحاول الاستفادة من عمقيها التاريخي والاستراتيجي في المنطقة لتكريس نفوذها كقوة إقليمية كبرى.

وفي سياق تبريره لهذا التوجه الجديد لتركيا ذكر أوغلو أن دول الجوار تعتبر أطرافاً ذات مسؤوليات ومصالح مشتركة، وهي أقرب لما أسماه بـ"البيوت الخشبية" إذا شب حريق في إحداها، فإنه حتماً سينتقل إلى البيوت المجاورة الأخرى. ثم تحدث عن آليات هذا الدور بقوله: "إن تركيا حريصة على تفعيل دورها في منطقة الجوار من خلال من خلال الحوار السياسي وتعميق الاعتماد الاقتصادي المتبادل والمصالح المشتركة، وأن يكون الأمن من أجل الجميع". بمعنى آخر فإن أوغلو كان يدعو على هذا النحو، إلى تبني مفهوم للأمن الإقليمي يعتمد على توازن المصالح، بدلاً من مفهوم توازن القوى السائد في المنطقة.

ومن الطبيعي أن يثور التساؤل حول أسباب ودوافع هذا التحول في مسار الدور الإقليمي التركي؟ فمنذ أن تأسست الجمهورية الأتاتوركية عام 1923، استندت السياسة التركية إلى أساسين: الأول؛ هو العلمانية، بما يعنيه ذلك من خيار الانقطاع عن الماضي الإسلامي لتركيا، والثاني هو خيار الانتماء إلى المنظومة الغربية بكل مؤسساتها وتوجهاتها، وضمن هذا السياق كان الاعتراف المبكر لتركيا بإسرائيل عام 1949، والسعي التركي المستمر طوال عقود عدة للاندماج في السياسات الغربية بأبعادها السياسية والعسكرية والاقتصادية؛ حيث انضمت إلى حلف شمال الأطلنطي لتشكل خاصرته الجنوبية في مواجهة "الاتحاد السوفيتي"، وبدأت مسيرة الانضمام إلى المجموعة الأوربية منذ نهاية الخمسينيات، ولم يتغير هذا التوجه بتغير الحكومات التركية أو انتماءها السياسي.

وفي معرض تفسير هذا التحول الذي بدأ يتسارع منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نوفمبر 2002 وانفراده للمرة الأولى بالسيطرة على البرلمان والحكومة، تم طرح العديد من الأسباب، من ذلك رغبة أنقرة في ملء الفراغ السياسي الذي تشهده المنطقة العربية منذ احتلال العراق، ولاسيما أن الملعب العربي بدا شبه خال من لاعبين عرب قادرين على الفعل الجماعي ومستعدين لقبول المخاطر والتضحية، مفضلين موقف الفرجة وانتظار البطل المُخلص، وهو ما يفسر قول كبير مستشاري الرئاسة التركية إرشاد هورموزلو "أن بلاده لا تبحث عن دور ولكن الدور يبحث عنها". ومن هذه العوامل أيضاً شعور تركيا بخيبة أمل سياسية تجاه الغرب. فرغم موالاتها الطويلة للغرب وما قدمته له من خدمات، فإن حصاد هذا التوجه كان ضئيلاً في المنظور التركي. فالاتحاد الأوربي مازال يرفض انضمام تركيا لعضويته، على الرغم مما أجرته من تعديلات تشريعية وسياسية لاستيفاء ما فرض عليها من شروط، في الوقت الذي أصبحت فيه دول أقل جداره أعضاء فيه، وكان العائق الأساسي غير المعلن يتعلق بالهوية الدينية "الإسلامية" لتركيا وموقعها الجغرافي. ومن ثم كان التوجه التركي نحو الشرق لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية تعويضية.

وفي الواقع فإن تركيا لم تتخل عن خيار الارتباط بالغرب، بل إن توجهها نحو الشرق وسعيها لتعزيز دورها الإقليمي ينطوي بدوره على رسالة ضمنية للغرب بأنها دولة محورية، وأن انضمامها للاتحاد الأوروبي سيخدم ليس فقط مصالح تركيا، وإنما أيضاً المصالح الأوروبية.

ويلاحظ أن تركيا، وفي سياق عملية التحول هذه، عملت على تحقيق قدر من التوازن المحسوب في علاقاتها وتوجهاتها الإقليمية، فمن ناحية، عملت أنقرة على تغيير نمط علاقتها التحالفية مع الولايات المتحدة، ليس بقصد القطيعة معها، وإنما لتغيير مفهومها بحيث لا تعني الدوران المطلق في الفلك الأمريكي والحفاظ على قدر من المصالح التركية المستقلة، وتمثل ذلك بوضوح في الرفض التركي المشاركة في الحرب الأمريكية على العراق عام 2003 أو تقديم أية تسهيلات للقوات الأمريكية. ومن ناحية ثانية حرصت تركيا على عدم استبعاد القوى الإقليمية الأخرى، ولاسيما إيران؛ حيث وجدت نفسها في حاجة إلى دعم طهران للدخول على خط المساهمة في حل العديد من الأزمات الإقليمية، مثل الأزمة اللبنانية والملف النووي الإيراني وقضية الصراع العربي-الإسرائيلي، على النحو الذي يعزز وضعها إقليمياً ودولياً. وفي هذا السياق يأتي الدور التركي المهم في محاولة تسوية الأزمة النووية الإيرانية من خلال الاتفاق الثلاثي الذي أبرمته تركيا وإيران والبرازيل على مبادلة الوقود النووي الإيراني، والذي قوبل بتحفظ أمريكي قلل كثيراً من جدواه.

كما وجدت تركيا أن اقترابها من العرب يتطلب حفاظها على مسافة سياسية محسوبة من إسرائيل بشكل يؤهلها للقيام بدور الوسيط الإقليمي النشط في الصراع العربي- الإسرائيلي، فاستغلت تركيا بعض المواقف الإسرائيلية المتغطرسة لتبرير تخلصها من جانب مما وصفه بعض المراقبين بـ"الشحوم الزائدة" في علاقتها بإسرائيل، وذلك عبر تجميد بعض الارتباطات والاتفاقيات العسكرية، والانتقاد العلني للمواقف الإسرائيلية التي تمارس ضد الشعب الفلسطيني التي صمتت عنها في الماضي، من دون الوصول إلى حد القطيعة الكاملة.

واتساقاً مع هذا الخط السياسي نجد أن القيادة السياسية التركية أحجمت عن الاستجابة للضغوط الشعبية المطالبة بقطع العلاقات مع إسرائيل بعد مقتل تسعة من الأتراك في عملية الاعتداء الإسرائيلي على "أسطول الحرية"، لحرص هذه القيادة على إبقاء البعد الإسرائيلي ضمن مخططها الإقليمي. ولاقت هذه السياسة تشجيعاً من الإدارة الأمريكية الجديدة التي أسرفت في وعودها، ومازالت عاجزة عن فرض رؤيتها لحل وسط للصراع العربي-الإسرائيلي.

وإذا كان من الصحيح القول إن تركيا لديها كثير من مقومات القوة الناعمة وعناصر القوة الصلدة التي تساعدها على لعب دور إقليمي قيادي؛ مثل امتلاك قاعدة اقتصادية صناعية وزراعية متنوعة، وطاقة إنتاجية فائضة للتصدير، وقدرات تكنولوجية متطورة، وحكومة منتخبه تتمتع بقاعدة شعبية عريضة تقف ورائها، وجيش قوي، فإنه من الصحيح أيضاً القول إن هناك قيوداً ذاتية وأخرى تتعلق برؤية الدول الإقليمية للدور التركي تؤثر في إمكانية توظيف هذه المقومات الذاتية في سياسات قد تذهب بعيداً على المستوى الإقليمي.

فالمعادلة التركية الداخلية تقوم على عملية حوار صعبة ومعقدة لتحقيق التوازن بين المؤسسات التركية السياسة والعسكرية. وعلينا الأخذ في الاعتبار أن دور المؤسسة العسكرية التركية كحارسة للميراث الأتاتوركي لم يكتمل تدجينه بعد، كما علينا أن نتذكر أن هذه المؤسسة هي التي دفعت بالعلاقات التركية-الإسرائيلية إلى آفاق بعيدة في المجال العسكري، وأنها قد تقوم في أي وقت بعرقلة التوجه التركي الجديد إذا ظهرت مؤشرات جدية على أنه يمكن أن يؤثر في سعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي. وعلى الرغم من النجاح النسبي في تحجيم صلاحيات هذه المؤسسة، فإنها قد لا تتردد مستقبلاً، كحارسة للميراث الأتاتوركي، في التدخل عند أول تهديد حقيقي لهذا الميراث (فعلت ذلك 4 مرات حتى الآن).

أما رؤية الأطراف الإقليمية الأخرى للدور التركي فهي تختلف من دولة لأخرى، فإيران، التي لديها الطموح والرغبة في احتلال موقع القوة الإقليمية القائدة في المنطقة، لا ترحب بالتأكيد بأي دور قيادي لتركيا ينافسها في المنطقة، وهي تشعر بغيره مبررة من الدور التركي التصالحي والوسطى، وتخشى من اكتسابه مجالاً متزايداً في المنطقة العربية التي استباحتها إيران وجعلتها ساحة لصراعاتها ورهينة لمقايضها بقضاياها، ولكنها بدورها في أزمة صراعية إقليمية ودولية بسبب برنامجها النووي المثير للجدل، وهي في حاجة للعون التركي، ولهذا تقف طهران موقفاً متردداً وحذراً من الدور التركي، ولا تملك سوى التماشي معه مرحلياً وظاهرياً.

أما إسرائيل، وبالرغم من التوتر الحالي الذي يسود علاقاتها بتركيا، ولاسيما بعد الاعتداء الإسرائيلي على أسطول الحرية، فإنها لا تزال تنظر إلى تركيا كحلف استراتيجي مهم يجب الحرص عليه. فقد ساهمت تركيا في كسر العزلة الإقليمية لإسرائيل، كما تُعد سوقاً مهماً لصناعة السلاح الإسرائيلية. ومع أن إيهود باراك، كان أحد مخططي استخدام القوة ضد أسطول الحرية، فقد صرح علناً بأنه "لا يجوز المجازفة بتحالف إسرائيل الاستراتيجي مع تركيا"، في الوقت الذي أبقت فيه أنقرة الباب موارباً مع إسرائيل تحسباً لدواعي المستقبل، وانتظاراً لوساطة الولايات المتحدة، التي ترحب بدور تركي معتدل وحليف يستطيع أن يخرجها ويخرج إقليم الشرق الأوسط من ورطته الراهنة التي أسهمت واشنطن بسياساتها الأحادية والمنحازة في خلقها.

على المستوى العربي ثمة انقسام في الرؤية بشأن الدور التركي. فهناك دول تتحفظ على تنامي هذا الدور الذي سبب إحراجاً لعدة أطراف عربية تتقاعس عن تبني مواقف متشددة تجاه الاعتداءات الإسرائيلية، كما تنظر هذه الدول للدور التركي باعتباره منافساً لدورها الإقليمي على الساحة العربية والذي تراجع كثيراً مقارنة بالأدوار الإقليمية الأخرى. في المقابل، رحب بعض الدول، ولاسيما من دول ما يعرف باسم محور الممانعة، بهذا الدور التركي الجديد الذي يذهب بعيداً في مواجهة إسرائيل، ويرون أنه يخدم المصالح العربية ويدعم العرب في صراعهم مع إسرائيل، وأن الدول العربية في حاجة إلى الدور التركي لكي ينتشلها من مستنقع إقليمي أسهمت بعجزها في تكوينه، متناسين حقيقة أن تركيا لها مصالحها وأهدافها الخاصة بها، والتي قد لا تتفق بالضرورة مع المصلحة العربية على المدى الطويل.

ويمكن القول إجمالاً إن الظروف الراهنة تدعم تنامي الدور الإقليمي لتركيا. فعلى الرغم من التحفظات التي تبديها مختلف الأطراف الإقليمية على هذا الدور، فإن كل هذه الأطراف تبدو اليوم بحاجة إلى دور تركيا. فإيران بحاجة لدعم أنقرة لها في ملفها النووي، ولاسيما في ضوء تبني الحكومة التركية لمواقف قريبة من الموقف الإيراني. وإسرائيل بحاجة إلى دعم تركا بوصفها الحليف الاستراتيجي لها في المنطقة، الذي لا ترغب في خسارته. والدول العربية في حاجة إلى دور تركيا، سواء في مواجهة التوجه المتشدد لإسرائيل، أو لموازنة النفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، والولايات المتحدة بحاجة إلى هذا الدور لمساعدتها على الخروج من ورطتها الراهنة في المنطقة.. كل ذلك من شأنه أن يفتح أمام تركيا المجال لتعزيز نفوذها ودورها الإقليمي في الشرق الأوسط.

Share