الدور الإقليمي المتنامي لتركيا: تقييم لحوافزه ومداه

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: الدور الإقليمي المتنامي لتركيا ... تقييم لحوافزه ومداه

  • 4 أغسطس 2008

تتوقف ممارسة دولة ما لدور إقليمي نشط في محيطها الجغرافي على مدى توافر مقومات القيام بهذا الدور داخلياً، ومدى قبوله من الأطراف الإقليمية المعنية. وبالنظر إلى حالة تركيا، سنجد أنفسنا في الواقع أمام دولة يحاول ساستها انتزاعها من إملاءات جغرافيتها، ومن ضغوط "أسرها" التاريخي، الذي ربطها بدول المنطقة العربية لقرون عدة؛ حيث سعت تركيا، طوال حقبة كمال أتاتورك وما بعدها، لانتزاع اعتراف الأوروبيين الغربيين بأنها غدت جزءاً لا يتجزأ من حضارتهم، ونمط معيشتهم، وأنظمتهم، ومؤسساتهم، كما سعت إلى فك ارتباطها مع العرب وقضاياهم، من خلال رفع شعار أتاتورك "دعوا العرب وشأنهم"، والقيام باستبدال الحروف العربية للغة التركية بحروف لاتينية.

 غير أن جهود تركيا للانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي، وهو "الخيار الاستراتيجي الرئيسي لها"، تواجه برفض واضح من جانب بعض الدول الأوروبية، لاعتبارات شعبية وثقافية ودينية عدة، لعل أهمها الخوف من تدفق موجات جديدة من هجرة الأتراك المسلمين إلى دول الاتحاد المتخمة بهم، فضلاً عما قد ينجم عن ذلك من آثار سلبية على ما يسمى بـ"الشخصية المسيحية/اليهودية" لأوروبا، ولا سيما أن عدد سكان تركيا سيمثل في حال انضمامها إلى الاتحاد نحو 14% من إجمالي عدد سكانه، وهو ما قد يمنحها أصواتاً في المؤسسات الأوروبية تعادل دول أوروبية كبرى مثل بريطانيا وفرنسا وإيطاليا.

 وكنتيجة لهذا الرفض الأوروبي، اتجهت حكومة حزب العدالة والتنمية، كتعويض مرحلي لذلك، إلى تفعيل سياستها تجاه دول الجوار التي تمثل العمق الجغرافي لتركيا بانتماءاته المتعددة. وبعد أن كانت العلاقات بين تركيا والدول المجاورة لها قد شهدت توترات ملحوظة ومتعددة خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، بدأت حكومة حزب العدالة والتنمية تتبنّى ما سمّاه بعضهم بـ"سياسات تصغير" المشكلات مع دول الجوار، بمعنى السعي لتخفيضها إلى أدنى درجة. كما اتبعت سياسة خارجية متعددة الاتجاهات، أعادت الاعتبار جزئياً للبعد الجغرافي، وانطلقت هذه السياسة من إدراك واضح بترابط النزاعات الإقليمية وتأثيرها المتبادل في منطقة الشرق الأوسط، لتؤكد ضرورة التوصل إلى توافق إقليمي بين مختلف الأطراف لحلها. وقد نجحت هذه السياسة إلى حد كبير في إيجاد حلول لبعض المشكلات الإقليمية، الأمر الذي أسهم ذلك في دعم مركز حزب العدالة والتنمية على الخريطة السياسية الداخلية في مواجهة النخبة العلمانية المتطرفة.

وبطبيعة الحال، تأثرت العلاقات العربية-التركية بالرؤية التركية الجديدة، وشهدت هذه العلاقات انفراجات مهمة على مستويات عدة، بدءاً من الزيارات رفيعة المستوى التي تمت بين سورية وتركيا، في إطار الوساطة التي تقوم بها الأخيرة ورعايتها للمفاوضات السرية غير المباشرة بين سورية وإسرائيل، مروراً بدور تركيا في مؤتمر الدوحة الذي أنهى الأزمة اللبنانية الأخيرة؛ كان "أردوغان" هو الزعيم غير العربي الوحيد الذي تمت دعوته ضيف شرف إلى جلسة البرلمان اللبناني التي توجت حل هذه الأزمة، وانتهاءً بالمطاردة العسكرية لعناصر حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، وزيارة اليوم الواحد التي قام بها "أردوغان" إلى بغداد في يوليو/تموز الماضي (2008)، والتي أسفرت عن توقيع اتفاق تعاون استراتيجي بين البلدين، وتم خلالها استقباله بحفاوة رسمية بالغة ربما لم تحظ بها زيارة الرئيس الإيراني "محمود احمدي نجاد" السابقة إلى بغداد، إضافة إلى تضاعف حجم الاستثمارات والسياحة والتبادل التجاري بين الجانبين العربي والتركي (يقدر حجم التبادل بعشرين مليار دولار أي نحو 8% من إجمالي حجم المعاملات التجارية لتركيا).

 ونتيجة هذا الدور الإقليمي المتصاعد لتركيا في المنطقة العربية ثار تساؤلان مهمّان؛ الأول يتعلق بمدى تأثير تزايد حجم المصالح العربية في تركيا على العلاقة التركية-الإسرائيلية. ويرتبط الثاني بمدى تأثير هذه المصالح على قيام دور إقليمي تركي موازٍ للنفوذ الإقليمي المتزايد لإيران.

 فيما يتعلق بالتساؤل الأول، نشير إلى أن ثمّة اعتبارات استراتيجية وأمنية وتكنولوجية كبيرة تحكم العلاقات التركية-الإسرائيلية، ليس من السهل تجاوزها أو فك الارتباط بها. وهي علاقات حيوية ومفيدة لتركيا في مواجهة اللوبيات الأرمينية واليونانية المعادية لأنقرة في واشنطن، ويواجه أي مساس بهذه العلاقات بمواقف صارمة من المؤسسة العسكرية التركية والعلمانيين. ولعلنا نتذكر أنه عندما حاول "نجم الدين أربكان"، مخطط الصحوة الإسلامية المنفتحة على الحداثة، إلغاء الاتفاقية العسكرية مع إسرائيل لم ينجح في محاولته، بل اضطر إلى توقيع اتفاقية جديدة مع الإسرائيليين تمنحهم حق تطوير بعض الطائرات التركية المقاتلة، وبالتالي فإن الانفتاح العربي على تركيا قد لا يكون له تأثير يذكر في العلاقات القوية التي تربط إسرائيل بأنقرة.

 يضاف إلى ذلك أن الجانب العربي ما زال غير قادر على القيام بجهد جماعي مشترك لمد جسور التعاون مع تركيا، التي سبق أن تقدمت في مطلع عام 2003 بطلب للانضمام إلى جامعة الدول العربية بصفة مراقب، ولكن الرد العربي جاء فاتراً، رغم أنها حصلت على هذه الصفة في الاتحاد الأفريقي، لذا يصعب مطالبة تركيا، في ظل المعطيات الراهنة، أن تكون عربية أكثر من العرب أنفسهم. ومن ثمّ، وعلى الرغم من ترحيب تركيا بتطوير علاقاتها الاقتصادية مع العرب، فإن علينا ألا نتوقع أن يحصل الجانب العربي على المعادل السياسي لذلك، أي بذهاب تركيا بعيداً في تأييدها للقضايا العربية.

 وفيما يتعلق بالتساؤل الثاني الخاص بمدى إمكانية قيام تركيا بدور إقليمي مناوئ لدور إيران الإقليمي أو على الأقل موازي له، فإن ثمّة قيوداً وكوابح ترد على ذلك الأمر، من بينها:  – إن تخيل قيام تركيا (السنيّة) بدور إقليمي مناوئ لإيران (الشيعية) لا ينسجم مع الأسس العلمانية للنظام التركي الحالي، كما أنه يثير مخاوف النخب العلمانية والعسكرية التركية من مخاطر غرق أنقرة في دوامة صراعات الشرق الإسلامي.

 – إن البنية الديموغرافية الهشة لتركيا عرقياً ومذهبياً (12 مليون كردي، وعشرين مليون علوي، إلى جانب الأغلبية التركمانية)، تجعل أنقرة تحاذر من التفكير في الدخول بأي مواجهة ضد إيران. كما أن لتركيا مصالح مشتركة مهمة مع إيران، ولا سيما على صعيد استيراد النفط والغاز الطبيعي الإيرانيين، وللبلدين مواقف ومصالح مشتركة في مواجهة نزعات الأقلية الكردية للانفصال.

 – إن سياسة حزب العدالة والتنمية، وإن كانت في بعض ملامحها "سنيّة" الطابع، إلا أن جوهرها يقوم على التواصل مع العمق التاريخي والجغرافي لمنطقة الجوار التركي، التي تشمل العرب كلهم والإيرانيين وغيرهم.

 لكل ذلك، من المرجّح أن تكتفي تركيا بلعب دور إقليمي محسوب تجاه إيران، يقوم على خيار المصالح المشتركة والوساطة بينها وبين أطراف إقليمية أخرى دولية عند الضرورة (كما حدث بين طهران وواشنطن)، وستتجنب أنقرة بكل السبل الدخول في مواجهة ضد إيران في نطاق ما يعرف بسياسة التكلفة والعائد.

 لقد أصبحت تركيا، من خلال اتباعها سياسة إقليمية مخططة ومدروسة، على النحو المشار إليه، محوراً للكثير من الاتصالات والزيارات المتبادلة والوساطات السياسية المتعددة في المنطقة، ونقطة التقاء وتقاطع للعديد من التفاعلات الإقليمية والدولية، ولعل ما ساعد على ذلك هو تعدد مظاهر الضعف التي أصابت النظام الإقليمي العربي، والفراغ الذي خلفه الغياب العربي في الأزمات الإقليمية المختلفة.

 غير أن الدور الإقليمي التركي ما زال محدوداً بسقف تحالفها مع الولايات المتحدة وعلاقتها الخاصة مع إسرائيل، والضوابط التي تفرضها المؤسسة العسكرية. ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن تركيا لا تملك القدرة على قول "لا" في مواجهة هذا التحالف، فلعلنا نتذكر موقفها الرافض لعبور القوات الأمريكية الأراضي التركية في سياق الإعداد للحرب على العراق (مارس/آذار 2003)، وتنديدها القوي بالحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006، وحرصها على وضع المصالح القومية التركية في المرتبة الأولى عندما يقتضي الأمر ذلك. كما أن علاقات تركيا بالعرب ليست جيدة على طول الخط، ويمكننا الإشارة هنا إلى موقف تركيا من استغلال مياه نهري دجلة والفرات ومشاريعها المائية التي أضرت ضرراً كبيراً بالمصالح المائية السورية والعراقية، وأدّت إلى تصحر مساحات واسعة من أراضيهما، نتيجة بناء سد أتاتورك، الذي أسهمت الأموال العربية، للمفارقة، في جانب من تكاليف بنائه.

 ثمة عامل آخر معرقل لتطور العلاقات العربية-التركية، هو ذلك المتمثل في دور المؤسسة العسكرية والنخب العلمانية المتطرفة، والتي ما زالت تعتبر نفسها أمينة على مبادئ الجمهورية العلمانية، وهي تشعر حالياً بتآكل نسبي في عناصر قوتها، لذا نجدها تتشدد في معارضتها لإقامة أي علاقات وثيقة مع الفضاء العربي؛ لأنها ترى في ذلك نوعاً من "العثمنة" (نسبة إلى الدولة العثمانية) للدولة التركية، التي ترى هذه النخب أن من مصلحة تركيا القومية والمستقبلية الابتعاد عنها، ومواصلة جهود اندماجها في الفضاء الأوروبي الغربي، مهما كان حجم العقبات الراهنة على هذا المسار. بينما يرى قادة حزب العدالة والتنمية أنه لا يوجد تعارض بين تبنّي هذا التوجّه والانفتاح المحسوب على دول الجوار. ويبدو أن الخيار بين الرؤيتين سيتحدد عندما تصدر المحكمة الدستورية قرارها بشأن الاتهام الموجه للحزب الحاكم بتقويض الأسس والمبادئ العلمانية للدولة التركية، وذلك على خلفية قراره الخاص برفع الحظر عن الحجاب في الجامعات. وسيكشف حكم المحكمة الدستورية علاقات القوى الجديدة بين نخبة عسكرية وعلمانية تستشعر تراجع دورها، وتيار يزداد اتساعاً ويكتسب أرضية شعبية، يرى أن هناك إمكانية للتصالح بين الإسلام والحداثة، وتوثيق الروابط مع الجوار العربي. وبطبيعة الحال سينعكس مضمون هذا الحكم على الدور الإقليمي لتركيا سلباً أو إيجاباً تبعاً لمضمونه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات