الدلالات الاستراتيجية للتعاون العسكري الروسي-الإسرائيلي

  • 27 سبتمبر 2010

إثر انتهاء الحرب بين روسيا وجورجيا في أغسطس/آب 2008، سارعت إسرائيل إلى إصلاح علاقاتها بالأولى، والتي مرت بأسوأ مراحلها في أثناء هذه الحرب التي اتُهمت فيها بالوقوف إلى جانب جورجيا ودعمها. وقد شهدت العلاقات الروسية-الإسرائيلية تطوراً ملحوظاً منذ ذلك الوقت؛ ولاسيما بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، في شهر أغسطس/آب 2009، إلى موسكو؛ حيث أجرى محادثات مع نظيره الروسي، ديمتري ميدفيديف، تناولت مسائل متنوعة، تراوحت بين قضية السلام في الشرق الأوسط إلى قضايا الأمن والتسلح والتعاون في مجالات البحث والتطوير. ثم أخذ منحنى تطور هذه العلاقات في التصاعد، ففي الخامس من الشهر الجاري، قام وزير الدفاع الإسرائيلي، إيهود باراك، بزيارة رسمية إلى روسيا، ووقع اتفاقاً للتعاون العسكري والتقني مع نظيره الروسي، أناتولي سيرديوكوف، وهو الأول من نوعه بين الطرفين. فما هي مضامين هذا الاتفاق وأبعاده؟ وما هي دلالاته الاستراتيجية، خاصة بالنسبة للدول العربية؟

يكمل هذا الاتفاق الجديد اتفاقاً أبرمته الدولتان، خلال زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت إلى موسكو في أكتوبر 2008، يقضي بتزويد روسيا بعدد من الطائرات الإسرائيلية المتطورة بدون طيار فحسب، وكذلك بقواعدها الأرضية ومتطلبات تشغيلها من صيانة وتعليمات. وقد تسلمت موسكو بالفعل اثنتي عشرة طائرة من طرازات "بيرد إي-400" (Bird Eye 400) و"أي فيو" (I-view MK150) و"سيرتشير" (Searcher Mk II). وقد سبق أن أطلقت روسيا أقماراً صناعية لصالح إسرائيل والتعاون المتبادل فى مجال تكنولوجيا المعلومات والبحث العلمي المشترك فى مجال الابتكارات. ويوفر الاتفاق الجديد، والذي مدته 5 سنوات (وإن كانت هيئة الإذاعة البريطانية أشارت إلى أنه طويل الأمد)، أساساً قانونياً لتطوير التعاون بين وزارتي الدفاع في كلتا الدولتين، في كثير من المجالات. وينص الاتفاق كذلك على قيام إسرائيل بتزويد روسيا بست وثلاثين طائرة من دون طيار (سواء لأغراض التجسس أو المهام القتالية) بنهاية العام الجاري، في صفقة تبلغ قيمتها مائة مليون دولار، على أن يقوم الإسرائيليون بتدريب الخبراء الروس على استعمال هذه الطائرات. وقد أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن إمكانية تجهيز هذا النوع من الطائرات لصالح إسرائيل بأجهزة الليزر. فيما أشار أحد الخبراء العسكريين بالكريملين إلى أن الطرفين ينخرطان في محادثات لإقامة مشروع مشترك لصناعة الطائرات من دون طيار، غير أن واشنطن تبدي تحفظاً تجاه المشروع؛ خوفاً من حصول موسكو على التقنية المتطورة في هذا المجال.

علاوة على ذلك، أوضح وزير الدفاع الروسي أن هذا الاتفاق سيؤدي إلى شراء المزيد من السلاح والتكنولوجيا الإسرائيلية والاستفادة من خبرة القوات العسكرية الإسرائيلية وإنجازاتها التقنية في عملية إصلاح الجيش الروسي وتطوير ترسانته العسكرية القديمة. وينبغي أن نشير إلى أن روسيا الاتحادية تعمل; جاهدة من أجل بناء جيش قوي ومتطور، وتحديث ترسانتها العسكرية؛ كي تعود إلى مصاف القوى العظمى. فقد أعلن الرئيس ميدفيديف، في مارس/آذار 2009، عن عملية إعادة تسليح وتحديث شاملة للجيش والأسطول الروسيين، تبدأ في 2011. فضلاً على ذلك، يتضمن الاتفاق، بحسب رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين، إقامة محطة ليزر في الأراضي الإسرائيلية بنظام "غلوناس" الروسي للرقابة الملاحية الإلكترونية. ووفقاً لتصريحات الجانبين إلى وسائل الإعلام، وما تسرب من معلومات حول مفاوضاتهما، يشمل الاتفاق إعداد الكوادر الفنية والحربية، وتبادل المعلومات والخبرات حول مكافحة التطرف والإرهاب (والذي أطلق عليه باراك "الإرهاب الإسلامي"). في هذا الصدد حيث تعهدت إسرائيل بمواصلة دعم روسيا في حربها ضد المقاتلين في شمال القوقاز.

وثمة ملاحظات عدة على الاتفاق العسكري الروسي-الإسرائيلي، نوردها كما يلي: الملاحظة الأولى تتعلق بأن هذا الاتفاق نموذج لما يمكن أن نطلق عليه البرجماتية المتبادلة؛ حيث توجد قضايا خلافية كثيرة بين روسيا وإسرائيل، ربما أكثر من قضايا محل الاتفاق المشترك. فنقاط الالتقاء بين مصالح الدولتين تنحصر في مواجهة الإرهاب الدولي، والتعاون من أجل الأمن الإقليمي، وتأكيد عدم التدخل أو الإضرار بالعلاقات الخارجية لكلا البلدين. أما نقاط الخلاف، فهي كثيرة، وأهمها الموقف الإسرائيلي المتشدد من قضية التسوية السليمة، وإصرار إسرائيل على الاعتماد الكلي على الولايات المتحدة فى إدارة هذا الصراع. كما أن روسيا لها رصيد إيجابي وكبير فى دعم; القضايا العربية. وكذا لها علاقات تعاون مع دول عدوة لإسرائيل، مثل إيران على المستويين التكنولوجي والتجاري، إلى جانب دعم مشروعها النووي. وهكذا، يلاحظ أن أطراف التعاون الروسي هم أطراف صراع مباشر مع إسرائيل ولو بدرجات!!الملاحظة الثانية تتصل بالمستوى العسكري الذي كشف عن حجم التعاون وارتفاع قيمة صفقات الأسلحة ونقل التكنولوجيا بين البلدين منذ أن بدأت روسيا الاتحادية مشروعها لتحديث قواتها المسلحة منذ عقدين تقريبا. أما الملاحظة الثالثة، فترتبط بتطرق المفاوضات إلى استعداد إسرائيل لتشجيع روسيا على الانضمام إلى الجهد الأمريكي لفرض عقوبات على إيران. وتريد إسرائيل كذلك من روسيا الضغط على إيران من أجل وقف برنامجها النووي، ولاسيما أنشطة تخصيب اليورانيوم، والذي تعتبر إسرائيل أنه يشكل تهديداً لها. بالإضافة إلى أن إسرائيل وعدت روسيا بأن تمنحها دوراً ملموساً في مسيرة التسوية السلمية في الشرق الأوسط.

ويمكن النظر إلى الاتفاق العسكري الروسي-الإسرائيلي من زاوية سعي روسيا إلى توسيع نصيبها من سوق السلاح العالمي. و تعد روسيا الاتحادية الأعلى تسويقاً وتجارة في مجال التسليح وروافده; التكنولوجية بعد الولايات المتحدة ، ويتضح ذلك من خلال تعاقداتها واتفاقياتها، التي كان أبرزها التعاون الهندي الروسي في إنتاج صواريخ "برا موس" الأسرع من الصوت، والتي يبلغ مداها أكثر من 300 كم، ويمكن تجهيزها على طائرات سو 30 MKI. هذا إلى جانب التعاون في تأسيس شركة مشتركة لإنتاج طائرات نقل عسكرية. كما وافقت روسيا على تشكيل فريق عمل مع اللجنة العسكرية بالاتحاد الأوروبي من أجل تحديد الخطوات المشتركة بشأن الأمن الأوروبي الروسي المتبادل. إضافة إلى مبيعات السلاح إلى كل من بيرو واندونيسيا والبرازيل وفيتنام والجزائر وليبيا، ناهيك عن تعاونها التاريخي مع سوريا. وهناك بالفعل إقبال وطلب كبير على منتجات السلاح الروسي، ولاسيما الطائرات والسفن والغواصات الحربية، وجدير بالذكر أن حجم الطلبات على الأسلحة الروسية قد بلغت 45 مليار دولار في الأعوام السابقة، وقد بلغت المبيعات عام 2010 حوالي 9 مليارات دولار.

ويكشف الاتفاق الروسي-الإسرائيلي والمفاوضات السابقة له أيضاً عن مجموعة من المؤشرات.; أولها، أن إسرائيل تبدو في علاقتها هذه نداً لدولة عظمى مثل روسيا الاتحادية، ولعل هذا بسبب ما تحوزه; إسرائيل من حظوة فى العلاقات الدولية، تفرضها الولايات المتحدة على دول العالم من أجل مصالح أمن إسرائيل. وثانيها، أن قدرات إسرائيل العلمية وتفوقها في مجال تكنولوجيا المعلومات ونظم التسليح يضعها في مصاف الدول المتقدمة والمصدرة للتكنولوجيا. وثالثها، نجاح إسرائيل في التأثير على ما يدور من صراعات في آسيا الوسطى والقوقاز. وغير خاف أن حجم التعاون العسكري بين كل من جورجيا وإسرائيل قد أقلق روسيا. ولعل من أبرز ما تستفيده روسيا من هذا الاتفاق هو ضمان عدم اختراق إسرائيل حديقتها الخلفية كما حصل مع; جورجيا، عندما وجهت روسيا نقداً شديداً إلى إسرائيل بسبب تزويدها بسلاح وطائرات استطلاع "بدون طيار" إلى نظام سكاشفيلي عام 2008. ورابعها، نجاح إسرائيل في التفوق على خصومها (دول جوارها الجغرافي وإيران)، وأصدقائها (تركيا) بالحصول على فرص تعددية مصادر التسلح.

وفي النهاية ينبغي الإشارة إلى أن خطورة هذه الدلالات والمؤشرات في مجملها تصب في صالح إسرائيل إقليمياً. وقد جنت إسرائيل أول ثمار تطور تعاونها العسكري مع روسيا، عندما أعلنت الأخيرة، في 22 سبتمبر/أيلول، حظر تسليم منظومات صواريخ الدفاع الجوي من طراز إس 300 (S-300PMU-1)، إلى إيران التي كانت قد أبرمت مع روسيا اتفاقاً في العم 2007 لتصدير بعض هذه الصواريخ إليها، وهو الاتفاق الذي قوبل بمعارضة إسرائيلية وضغوط أمريكية لإلغائه منذ البداية. يذكر أن الرئيس الإسرائيلي كان قد أشار، خلال زيارته إلى موسكو العام الماضي، أن عدم تزويد إيران بصواريخ إس 300 قد يؤدي إلى "اختفاء قضية واحدة من القضايا الشائكة بين روسيا والولايات المتحدة"، والمتعلقة بالخطط الأمريكية لبناء نظام دفاع صاروخي في أوروبا.; وإن كانت روسيا قد حاولت إدارة التوازن في علاقاتها الإقليمية الشرق أوسطية من خلال إعلانها الالتزام بإتمام صفقة عام 2007 الخاصة بتوريد منظومة صاروخية حديثة من نوع "ياخونت" المضادة للسفن إلى سوريا. ولطمأنة إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة، أكد وزير الدفاع الروسي، سيرديوكوف، خلال زيارته إلى واشنطن، في 21 سبتمبر 2010، أن روسيا اشترطت على سوريا ألا تعيد تصدير هذه الصواريخ إلى دول أخرى، أو تسلمها إلى تنظيمات إرهابية (يقصد حزب الله في لبنان). ومع ذلك، لا يجب أن نغفل أن إسرائيل قد حققت العديد من المكاسب على المستويين العسكري والسياسي من اتفاقها العسكري الجديد مع روسيا. ومن المؤكد حصول إسرائيل على نظم تسليح عالية التقنية تفوق ما يحصل عليه خصومها بالشرق الأوسط. وهو ما ستكشف عنه الجولات الصراعية المحتملة.

Share