الدعوة إلى حوار عربي-إيراني: الجدوى والآفاق

الدعوة إلى حوار عربي-إيراني: الجدوى والآفاق

  • 7 أبريل 2009

شهدت القمة العربية الأخيرة، التي عقدت في العاصمة القطرية الدوحة في نهاية مارس/آذار الماضي (2009)، جدلاً واسعاً حول فكرة إقامة حوار عربي-إيراني حول مختلف القضايا الإقليمية التي تمس المنطقة ومستقبلها، وبالرغم من أن بند الحوار العربي-الإيراني استُبعد من جدول أعمال القمة بعد اعتراض بعض الدول العربية عليه خلال اجتماعات وزراء الخارجية العرب؛ فإن الفكرة لاقت قبولاً لدى كثير من المفكرين وبعض المسؤولين العرب، بما في ذلك أمين عام جامعة الدول العربية، عمرو موسى، الذي دعا في أكثر مناسبة إلى إجراء مثل هذا الحوار باعتبار أنه يمثل الطريق الأفضل لتسوية الخلاقات القائمة بين إيران وبعض الدول العربية، وتحقيق الأمن الإقليمي المنشود مستقبلاً.

وتستند الدعوة إلى إجراء مثل هذا الحوار إلى العديد من المبررات الموضوعية، أولها: أن الخلافات بين إيران والدول العربية ليست جوهرية ويمكن تسويتها من خلال الحوار البنّاء؛ فإيران، من وجهة نظر مؤيدي الحوار، دولة مسلمة وجارة للدول العربية، وهي من أكثر الدول التي تؤيد القضايا العربية، ولاسيما القضية الفلسطينية، وبالتالي فإن تعزيز العلاقات معها سيصب في مصلحة خدمة القضايا العربية وليس العكس. وينتقد بعض المدافعين عن سياسة الحوار مع إيران موقف بعض الدول العربية التي تفتح باب الحوار والمفاوضات مع إسرائيل (الخطر الحقيقي الذي يهدد الأمة العربية)، في الوقت الذي ترفض فيه الدخول في حوار مع طهران باعتبار أنها تشكل تهديداً لأمن المنطقة العربية واستقرارها بدعوى سعيها إلى امتلاك سلاح نووي وتدخلها في شؤون دول المنطقة. وقد انتقد، عمرو موسى، مثل هذا التوجه بشكل ضمني في معرض دفاعه عن الدعوة إلى الحوار مع إيران، قائلاً: "إن ما يهدد العرب هو البرنامج النووي الإسرائيلي لا الغول الإيراني الذي اختلقته الإدارة الأمريكية السابقة لإخافة المنطقة وحسب".

ثاني هذه المبررات يستند إلى حقيقة أن إيران أصبحت تمثل عنصراً مهماً يصعب تجاهله في كثير من الأزمات العربية؛ فهي متغلغلة في الشأن العراقي، وتربطها بكثير من القوى السياسية العراقية الفاعلة علاقات قوية، كما أن لها نفوذاً قوياً داخل لبنان من خلال علاقاتها ودعمها القوي لحزب الله اللبناني، وبدأت مؤخراً تنسج علاقات قوية مع حركة حماس وغيرها من جماعات المقاومة الفلسطينية، وبالتالي فإن أي توجه عربي لحل هذه الأزمات وتحقيق الاستقرار في المنطقة يتطلب الدخول في حوار مع إيران، وإن حدث وتم هذا الحوار بالفعل فإنه لن يكون جديداً؛ فقبل شهور قليلة اضطرت المملكة العربية السعودية إلى التحاور مع إيران بهدف تخفيف التوتر على الساحة اللبنانية بعد تفجر الأوضاع هناك، كما قامت قطر بالاتصال بطهران ومطالبتها بالتدخل لدى حزب الله اللبناني من أجل إنجاح مؤتمر المصالحة اللبنانية الذي عقد في الدوحة.

أما المبرر الثالث، والأكثر أهمية من وجهة نظر بعض المحللين والسياسيين، فيتمثل في التغيير الحادث حالياً في الموقف الأمريكي حيال إيران؛ فواشنطن التي كانت حتى وقت قريب تصنف إيران ضمن محور الشر، وتهدد باستخدام القوة العسكرية لتصفية برنامجها النووي، تبنت مساراً جديداً في علاقاتها مع طهران عقب تسلم الرئيس باراك أوباما السلطة، يقوم على الحوار والتفاوض المباشر لتصفية الخلافات القائمة بين البلدين، وانعكس ذلك بوضوح في الرسالة التي وجهها أوباما إلى الشعب الإيراني مؤخراً ودعا فيها إلى فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، كما انعكس أيضاً في الترحيب الأمريكي بمشاركة إيران في "مؤتمر لاهاي الدولي" حول أفغانستان، الذي عقد في نهاية مارس/آذار 2009، وتأكيد واشنطن أهمية الدور الإيراني في حل المشكلة الأفغانية، ومن المتوقع أن يتسع هذا الحوار الأمريكي-الإيراني ليشمل كثيراً من القضايا الإقليمية التي تمس المنطقة العربية، وفي مقدمتها، الأوضاع في العراق ولبنان وأمن منطقة الخليج.

ويفرض هذا التحول في الموقف الأمريكي تجاه إيران على الدول العربية التحرك في الاتجاه ذاته؛ فليس من الحكمة، طبقاً لهذا المنطق، أن يقف العرب متفرجين على ما يحدث من حوارات ومفاوضات بين الولايات المتحدة، والغرب عموماً، وبين إيران، حول قضايا تمس واقع المنطقة ومستقبلها من دون أن يكون لهم دور فعاّل في ذلك؛ لأن من شأن ذلك أن يضر بمصالح العرب أنفسهم، ولعلنا نتذكر أنه عندما طرحت صفقة الحوافز الغربية لإيران بشأن برنامجها النووي، كان من ضمن هذه الصفقة الاعتراف بدور إقليمي لإيران، وهو أمر يمكن أن يتكرر في أي صفقة أخرى يتم إبرامها، ومن هنا فإن الدخول في حوار عربي-إيراني مواز للحوار الغربي-الإيراني يمكن أن يحفظ إلى حدٍّ ما قدراً من المصالح العربية.

لا أحد يستطيع أن يشكك في حقيقة أن الحوار هو الأسلوب الأمثل لمعالجة أية مشكلات أو أزمات، داخلية كانت أو إقليمية أو دولية؛ ولكن المبررات السابقة، ومع اعترافنا بموضوعيتها، تتجاهل حقيقة أن إيران نفسها لا ترغب في الحوار؛ فعلى سبيل المثال دأبت دولة الإمارات العربية المتحدة منذ وقت طويل على الدعوة إلى تسوية مشكلة الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران بالطرق السلمية من خلال الحوار والمفاوضات المباشرة، أو من خلال التحكيم الدولي، غير أن هذه الدعوات قوبلت دائماً بالرفض من جانب إيران. كما أن السلوكيات والممارسات الإيرانية لا تشجع على إجراء مثل هذا الحوار، وكثيراً ما تتسبب في زيادة أزمة الثقة المتبادلة بين الجانبين؛ فقبل أشهر قليلة افتعل بعض المسؤولين الإيرانيين أزمة غير مبررة مع العالم العربي بعد إصدارهم تصريحات شككت بشكل أو بآخر في سيادة مملكة البحرين وسيادتها.

وقبل أسابيع عدة قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع إيران بعد اتهام البعثة الدبلوماسية الإيرانية في الرباط بالقيام بممارسات تستهدف الإساءة إلى المقومات الدينية الجوهرية للمملكة، ومس الهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي، من خلال العمل على نشر التشيع في البلاد. كما أصدر القضاء اليمني مؤخراً حكماً بإعدام يمنيين بتهمة "التخابر مع إيران"، في الوقت الذي تتحدث فيه كثير من التقارير الرسمية والصحفية عن دور لطهران في تأجيج التوتر في اليمن من خلال دعم تمرد الحوثيين.

ويرى بعض المحللين أن دخول الدول العربية في حوار مع إيران لحل المشكلات والأزمات العربية، ولاسيما في الدول التي تتغلغل فيها إيران، مثل العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية، سيمثل اعترافاً بشرعية هذا التدخل غير المشروع في شؤون الدول العربية؛ فالمعروف أن إيران أرادت من خلال توسيع دائرة نفوذها الإقليمي وتدخلها في شؤون كثير من الدول العربية، أن تمسك بكثير من الأوراق الإقليمية، التي تستطيع أن تستخدمها كأوراق تفاوضية في مواجهة خصومها وحلفائها على السواء، لتأمين نفسها وتحقيق مصالحها الخاصة، والدخول معها في حوار لحل مشكلات الدول التي تدخلت فيها سيمثل اعترافاً بنجاح سياستها تلك، وهو ما قد يشجعها على المضي قدماً في تلك السياسة، طالما أنها أثبتت جدواها. وبالتالي فإن المطلوب من الدول العربية ليس إجراء حوار مع طهران، بل أن تعمل على إقناع الولايات المتحدة والدول الغربية بأن الدخول في حوار مع إيران ومنحها مكافآت وحوافز على تدخلها في شؤون الآخرين وإثارتها للمشكلات الإقليمية ستكون نتائجه عكسية وخطيرة.

وإذا كنا نعترف بحقيقة أن اللجوء إلى الحوار والتفاوض يظل هو الطريق الأفضل لتسوية المشكلات؛ فإن إقامة أي حوار عربي-إيراني لابد من أن تتوافر له عوامل عدة حتى يؤدي إلى النتائج المتوخاة منه، لعل أهمها أن يتم تحديد الأسس التي سيستند إليها مثل هذا الحوار، وأبرزها من وجهة نظري الاتفاق على قاعدة رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وأن يتم الحوار على أسس المصارحة والمكاشفة الكاملة؛ فإحدى المشكلات الأساسية في التعامل مع إيران هو أن خططها وسياستها تتسم بقدر كبير من الغموض الذي يزيد من أزمة الثقة بين الجانبين. ومن هذه العوامل أيضاً ضرورة الاتفاق على موقف عربي موحد إزاء التعامل مع إيران، فبالرغم من التطورات الإيجابية التي شهدتها العلاقات العربية-العربية في الآونة الأخيرة نتيجة الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة العربية؛ فإن العلاقة مع إيران ظلت تمثل نقطة خلاف أساسية بين الدول العربية، وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق حول شكل هذه العلاقة وتبني استراتيجية موحدة للتعامل مع طهران؛ فإن أي حديث عن حوار عربي-إيراني سيكون بلا جدوى. وبعبارة أخرى؛ إن أي توجه نحو إجراء حوار عربي-إيراني سيحتاج أولاً إلى إقامة حوار عربي-عربي للاتفاق على رؤية عربية موحدة لشكل العلاقة مع إيران، وكيفية حل القضايا العالقة بينها وبين الدول العربية.

Share