الدعم لا القطيعة هو ما يحتاج إليه العالم هذه الأيام العصيبة

  • 18 أبريل 2020

ينطوي قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وقف تمويل بلاده عن منظمة الصحة العالمية، على أهمية، بل وخطورة كبيرة؛ حيث يأتي والعالم يسابق الخطى ويقوم بجهود ربما غير مسبوقة من أجل مواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ ولا شك أنه سيكون لهذا القرار الذي لقي انتقادات داخلية وخارجية كبيرة، تداعيات على هذه الجهود. كيف؟
قرار الرئيس الأمريكي وبغض النظر عن الموقف منه ليس، من حيث المبدأ، اعتباطياً، وإنما جاء على إثر انتقادات وُجهت من جهات أخرى في العالم للمنظمة التابعة للأمم المتحدة؛ حيث اتهمت من قبل بعض الخبراء والمراقبين والمتابعين، بأنها تأخرت في الاستجابة لتفشي هذا الفيروس، خاصة في بداية الإعلان عنه في الصين؛ فلم ترسل فرقاً طبية فوراً، كما هو متوقع منها؛ وفعلت ذلك بعد مرور وقت من الزمن؛ حيث كانت الصين مصدر المعلومات الأساسية، بل وحتى الوحيدة عن حقيقية هذا الفيروس وبداية تفشيه؛ كما أنها تأخرت في تقييمها لمدى تفشي الوباء، ولم تعلن عنه جائحة عالمية إلا يوم 11 مارس 2020، أي بعد مرور نحو ثلاثة شهور عن الكشف عنه، حيث بدأ ينتشر بشكل متسارع في أوروبا لتصبح بؤرة التفشي عالمياً، وبعد أن وصل عدد الإصابات في مختلف أنحاء العالم أكثر من 126 ألف حالة، بينما زاد عدد الوفيات على 4600 حالة؛ وبالطبع قبل أيام قليلة من بداية الإعلان عن التفشي الكبير في الولايات المتحدة، والتي أصبحت أكثر الدول تضرراً وتسجيلاً للأرقام القياسية سواء بعدد الإصابات المسجلة أو عدد الوفيات.
هذا فضلاً بالطبع عن التصريحات والبيانات المتناقضة أحياناً، والتي كانت تصدر عن المنظمة أو الناطقين باسمها أو الجهات التابعة لها بما فيها مديرها العام تيدروس أدهانوم غيبريسوس، حيث كانت التقييمات غير دقيقة، حتى فيما يتعلق بموضوع اللقاح والأدوية التي يمكن أن تستخدم لمعالجة المرضى؛ ومن هنا فإن اتهامات الرئيس الأمريكي للمنظمة ولمديرها العام لم تكن شاذة؛ ولكنه أضاف عليها في تغريداته تهمة التواطؤ مع الصين والتستر على تفشي الوباء وهذه بالطبع تهم خطيرة، فلو كانت المنظمة على علم بحقيقة الوضع في الصين ولم تقم بواجبها سواء في الكشف عن المعلومات أو مشاركتها عالمياً، فهذا يعني أنها شريكة في تفاقم الأزمة؛ وهو ما يستبعده المراقبون ولا أدلة واضحة عليه؛ وهذا بالطبع هو ما يثير التساؤلات حول نوايا ترامب الحقيقية؛ ومن هذا تكرار الاتهامات للمنظمة وقرار تعليق المساعدات لها؛ حيث يتهم أيضاً بأنه يستغل الأمر سياسياً؛ فهناك انتقادات متواصلة داخلياً له بالتقصير في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمكافحة الفيروس في بلاده؛ بل إنه كان يقلل من خطورته؛ قبل أن يستفحل هناك بشكل كبير؛ ومن ثم فهذه محاولة منه لإلقاء اللوم على المنظمة في تفشي الفيروس؛ حيث تعد الأزمة اختباراً حقيقياً لإدارته؛ وطريقة تعامله معها سيكون لها تداعيات على الانتخابات الرئاسية المقبلة التي يطمح للفوز بها.
وأياً يكن الأمر فإن القرار لا يبدو مبرراً من أي وجهة؛ وعلى أقل تقدير ليس هذا وقته، كما أكد ذلك الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي انتقده بشكل صريح؛ فالعالم بحاجة إلى توحيد الجهود، ومنظمة الصحة العالمية، وبغض النظر عن الانتقادات الموجهة إليها، تبقى الجهة الأكثر قدرة على تنسيق الجهود العالمية؛ وهي لذلك تحتاج إلى دعم مالي أكثر؛ والولايات المتحدة هي أكبر ممول لها؛ وتسجل أكبر نسبة من المستحقات المدفوعة من قبل أعضاء المنظمة جميعاً، وهي 22%؛ وهذا يعني أن القرار الأمريكي سيوقف ما بين 400 إلى 500 مليون دولار من الوصول إلى هذا الجهاز الدولي الذي يعد الأكثر أهمية خاصة في هذا الظرف العصيب الذي يحتاج إلى مواقف إنسانية وأخلاقية، والابتعاد عن الحسابات الاقتصادية أو السياسية؛ حيث تواجه البشرية مصيراً مشتركاً، فإما أن تنجو معاً وتتغلب على هذه الجائحة، كما تغلبت على مثيلاتها من قبل، أو تستسلم لرغبات بعض المتحكمين بها، وتواجه مصيرها المحتوم الذي لن يسلم منه أحد!

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات