الدراما الأفغانية والاستراتيجية الأمريكية

الدراما الأفغانية والاستراتيجية الأمريكية

  • 12 أبريل 2009

تتابعت مشاهد الدراما الأفغانية، داخلياً وخارجياً، وارتفعت درجة إثارتها وعنفها خلال الأيام القليلة الماضية (أواخر شهر مارس وأوائل شهر أبريل 2009). فعلى الصعيد الخارجي، أعلن الرئيس باراك أوباما الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه كل من أفغانستان وباكستان، ثم عمدت إدارته إلى تسويقها أوروبياً ودولياً والحصول على دعم الحلفاء ودول الجوار الأفغاني وغيرهم، عبر الانخراط في سلسلة قمم ومؤتمرات دولية، بدءاً من اجتماع منظمة شنغهاي، في موسكو، والمؤتمر الدولي حول أفغانستان بلاهاي (حضرته نحو 90 دولة ومنظمة دولية)، وقمة مجموعة العشرين في لندن، وقمة الناتو بستراسبورج وكيل، ثم قمة الاتحاد الأوروبي- الولايات المتحدة في براغ. وفي غضون ذلك، قام كل من رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة والمبعوث الخاص إلى باكستان وأفغانستان بزيارة إلى كابول. على الصعيد الداخلي، تصاعدت عمليات حركة طالبان (والقاعدة) ضد قوات الناتو، والقوات الأمريكية خاصة، وعناصر الجيش والبوليس والمؤسسات الحكومية في أفغانستان. وتزامن ذلك مع تزايد مستوى عنف نظيرتها الباكستانية في منطقة القبائل والحدود الأفغانية-الباكستانية، بل امتدت إلى بعض المدن الباكستانية الرئيسة.

تشكل هذه المشاهد جميعاً فصلاً جديداً في الدراما الأفغانية، عنوانه بالقطع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. فهل هي جديدة بالفعل؟ وما هي فرص نجاحها؟

يلاحظ أنه باستثناء وضعها الحرب في أفغانستان (الحرب على الإرهاب سابقاً) على قمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وتبنيها منظوراً تكاملياً أو "ذكياً"، وانتهاجها مقاربة براجماتية تعددية، ومرادفتها بين "الجديد" و"الخروج"، لم تتضمن عناصر الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه أفغانستان وباكستان جديداً، بل إنها كررت معظم سياسات الإدارة السابقة، رغم إلحاح أوباما وفريقه مراراً على الاختلاف عنها.

أصبحت أفغانستان، كما هو متوقع، تحتل موقعاً متقدماً على أجندة الإدارة الأمريكية (وكأنها حرب أوباما الخاصة)، وهو الموقع نفسه الذي كانت تحوزه العراق في ظل إدارة جورج دبليو بوش. بهذا المعنى، يبدو الرئيس أوباما متسقاً مع نفسه، ومع وعوده الانتخابية التي قطعها لمواطنيه الأمريكيين. وقد ترجمت أولوية أفغانستان عملياً بتعيين دبلوماسي في حجم ريتشارد هولبروك وخبرته مبعوثاً خاصاً إلى الإقليم، وزيادة عديد القوات الأمريكية إلى أكثر من 46 ألف جندي، وقيادة حملة دبلوماسية ودعائية ضخمة للقضية الأفغانية بأبعادها المختلفة ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أوروبا وأرجاء العالم المختلفة.

وقد تبنت الاستراتيجية الجديدة منظوراً تكاملياً أو "ذكياً"، إذا استعرنا المصطلح المفضل لدى إدارة أوباما، من المسألة الأفغانية؛ يقوم على التنسيق "الفعّال" بين الجهود العسكرية والجهود الدبلوماسية وجهود التنمية. كما أن الاستراتيجية تقوم على الدمج بين أفغانستان وباكستان في استراتيجية واحدة، على الرغم من الاختلافات بين البلدين، وطبيعة التهديدات الناجمة منهما؛ على أساس تأثر كليهما بما يحدث في الآخر سلباً وإيجاباً، وأن هزيمة القاعدة وطالبان في أفغانستان يمر عبر جارتها الشرقية. فحركة طالبان وتنظيم القاعدة يحصلان على الدعم من حلفائهم في باكستان، ويجدان الملاذات الآمنة داخل إقليمها، ولاسيما منطقة القبائل الحدودية. وقد سربت الولايات المتحدة أنباءً تفيد بتعاون بعض عناصر الاستخبارات الباكستانية مع طالبان. في هذا الخصوص، تضمنت الاستراتيجية الجديدة زيادة المساعدات غير العسكرية لباكستان إلى سبعة ونصف مليار دولار خلال الأعوام الخمسة القادمة، على أن يرتبط ذلك بمدى "تعاونها" في الملف الأفغاني.

علاوة على ذلك، ترسم الاستراتيجية الجديدة مقاربة براجماتية متعددة الأطراف للحرب في أفغانستان. تتجلى البراجماتية في سياسة "مد اليد"، وهو مصطلح آخر مفضل لدى إدارة أوباما، والاستعداد لإشراك إيران (وهي التي كانت الإدارة السابقة تتجنبها) في جهود "استقرار أفغانستان"، والتفكير في استخدام الأراضي الإيرانية كطريق جديد للإمداد الحربي للقوات الأمريكية وقوات الناتو هناك، بعد انسداد طرق الإمداد الأخرى بسبب تزايد خطورة ممر خيبر الباكستاني، وإغلاق القاعدة الجوية الأمريكية في قيرغيزيا رسمياً، والخوف من أن تقيد روسيا الإمدادات التي تعبر أراضيها. كما تتجلى البراجماتية أيضاً في إعلان الرئيس أوباما عن الاستعداد للحوار مع المعتدلين في حركة طالبان، وإدماجهم في العملية السياسية في أفغانستان، وهو الأمر الذي سأعود إليه لاحقاً. ثم إن هذه الاستراتيجية ترسي مقاربة متعددة الأطراف؛ على أساس أن الحرب في أفغانستان ليست حرب أمريكا وحدها، بل حرب أوروبا وروسيا وإقليم جنوبي آسيا ودول الخليج كذلك. في هذا الخصوص، بادرت الإدارة الأمريكية بدعوة الأمم المتحدة إلى التعاون مع مجموعة اتصال بشأن أفغانستان، تعتزم الولايات المتحدة تشكيلها من إيران ودول خليجية والهند وغيرهم. لكن إلحاح الرئيس أوباما على نهج متعدد الأطراف، وليس أحادياً، والمشاركة، وليس الأمركة، بلغ حد الاستجداء والضعة والاعتذار عن أسلوب الإدارة السابقة في التعامل مع الحلفاء، كما اتضح ذلك بصفة خاصة في خطابه أمام قمة الناتو بستراسبورج. كما يرى المراقبون أن أحد أهداف المقاربة الأمريكية الجديدة مع روسيا، في إطار ما عرف بمبادرة "إعادة تشغيل العلاقات"، هو الحصول على دعم روسيا في أفغانستان. لكن الإشارات الأمريكية المتناقضة بخصوص نظام الدفاع الصاروخي في بولندا وجمهورية التشيك، والإصرار على توسيع حلف الناتو شرقاً حتى الحدود الروسية قد تحرم إدارة أوباما من تعاون روسي مطلوب ومهم في المسألة الأفغانية. الأمر نفسه ينطبق على إيران.

وفي الحقيقة، فإن صفة "الجديدة" في الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفغانستان ترادف "الخروج". فالولايات المتحدة تريد الخروج من أفغانستان، ليس بانتصار عسكري فهو مستحيل عملياً بحسب اعترافها، ولكن مرفوعة الرأس حافظة ماء وجهها. ولست في حاجة إلى تكرار تصريحات المسؤولين الأمريكيين المدنيين والعسكريين، والرئيس أوباما نفسه ونائبه جوزيف بايدن، عن تدهور الأوضاع الأمنية في أفغانستان وتعقدها، وتزايد حجم "المتمردين" وقوتهم واتساع دائرة نفوذهم، يقابله تزايد في عدم كفاءة وفعالية حكومة الرئيس حامد قرضاي، واستشراء الفساد الكثيف بين عناصرها. وقد فهم الأوربيون عن الرئيس أوباما أنه يرمي إلى خروج "مشرف" من أفغانستان، ولذلك تحمسوا لاستراتيجيته.

وأخيراً، خلت الاستراتيجية الجديدة من كل الصور والمفردات النمطية "السلبية" التي كانت أثيرة لدى الإدارة السابقة. كما أعلن الرئيس أوباما أن إدارته، في بيانه كيف أنها مختلفة عن إدارة سلفه، لن تستمر في نهجها "مهما تكن الظروف، ومهما تكن العواقب"، لكنها ستعمد إلى تعديله أو تغييره بناءً على التغذية العكسية.

باستثناء ما سبق، لم تتضمن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة جديداً، بل إنها كررت معظم سياسات الإدارة السابقة، على رغم إلحاح أوباما وفريقه مراراً على الاختلاف عنها. بالنسبة لزيادة عديد القوات الأمريكية، فقد بدأت الإدارة السابقة العمل في هذا الاتجاه. وكان قرار زيادة القوات بـ 17 ألف جندي قد اتخذ قبل إصدار هذه الاستراتيجية بأكثر من شهر. ولم تتضمن الأخيرة سوى إرسال أربعة آلاف من القوات لتدريب عناصر الشرطة والأمن الأفغانية. بالإضافة إلى أن زيادة القوات لم تصل إلى مستوى طلب أو توقعات القادة العسكريين الميدانيين، فإنها سوف تؤدي إلى زيادة درجة الصراع في هذا البلد؛ لأنها ستمثل إثارة للأفغان، ولاسيما من يرفض منهم الوجود الأجنبي في أراضيهم، وهم في تزايد مستمر؛ بسبب تزايد أعداد القتلى من المدنيين نتيجة الغارات الأمريكية. وبعد وصول هذه القوات، ستتم أمركة الحرب في أفغانستان (ستصل نسبة القوات الأمريكية، على أقل تقدير، إلى أكثر من 58% من إجمالي القوات الدولية "إيساف" العاملة هناك).

أضف إلى ذلك أن مبادرة أوباما للحوار مع المعتدلين من طالبان، وإدماجهم في العملية السياسية في أفغانستان ليست جديدة تماماً؛ فقد جربتها إدارة بوش السابقة دون أن تصيب نجاحاً ذا بأس. بل إن إدارة بوش، ومن ورائه الجنرال بترايوس، حاول تشكيل مجالس صحوات في أفغانستان، على غرار التجربة العراقية، تتولى محاربة القاعدة. والغريب أن إدارة أوباما سبق أن انتقدت مبادرة مماثلة أطلقتها الحكومة الباكستانية. ولكن الجديد فعلاً قد يكون عقد مؤتمر للمصالحة الأفغانية، تشارك فيه طالبان، كما أشارت بعض التقارير الصحفية.

وقد عمدت إدارة أوباما إلى تسويق سياستها الجديدة تجاه أفغانستان أوروبياً ودولياً، ولكنها اتبعت نفس استراتيجية التخويف البوشية. فالتهديد الإرهابي الذي تمثله القاعدة وظهيرتها طالبان لأوروبا (ودول الجوار حسب الحالة) قد يكون أشد خطراً منه على الولايات المتحدة. ولكن ماذا حصد الأمريكيون؟ باستثناء مشاعر التأييد والحماسة وآي المدح، كانت المحصلة هزيلة للغاية: خمسة آلاف جندي إضافية من أعضاء الناتو الأوروبيين، 70% منهم لتأمين الانتخابات الرئاسية الأفغانية المقبلة.

بالإضافة إلى ما سبق، يختلف الخبراء في تقييمهم لفرص نجاح الاستراتيجية الأمريكية الجديدة. فهناك من يحكم عليها بالفشل المحتم في أرض "مقبرة الإمبراطوريات"، ولاسيما أنها تضمنت ما يوحي بذلك. فقد أومأ الأمريكيون أنها استراتيجية خروج، وأن الولايات المتحدة وحلفاءها أعضاء الناتو لم يحققوا أية مكاسب "جوهرية" بعد ثماني سنوات من إسقاط حكم طالبان، فضلاً عن تأكيد المسؤولين المدنيين العسكريين على السواء أن الحرب في أفغانستان لا يمكن كسبها عسكرياً، دون الحديث عن تدني التأييد الشعبي في البلدان الغربية لحرب طال أمدها أكثر من اللازم، ولا يعرف على وجه التحديد ما المصلحة الوطنية من خوضها. وثمة من يرى أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة سوف يصيبها من النجح ما لم يتوقعه الفريق الأول؛ ذلك أنها تعالج الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الوضع الحالي المتدهور، والذي ينطلق منه أصحاب هذا الفريق للادعاء بفشل الاستراتيجية. كما أن هؤلاء يرون في نعت أفغانستان بمقبرة الإمبراطوريات ليس إلا أسطورة فارغة.  
  
وفي رأيي، ومن دون التحيز إلى هذا الطرف أو ذاك، فإن ترجمة تركيز الاستراتيجية الجديدة على عملية بناء الدولة "الفاشلة" في أفغانستان إلى واقع عملي قد يفضي إلى تحقيق نتائج إيجابية. فزيادة المساعدات الاقتصادية، وبناء المؤسسات الحكومية أو زيادة كفاءتها وشفافيتها، وزيادة القدرات الأمنية والقتالية للشرطة والجيش الأفغانيين، إذا تواكب كل ذلك مع مصالحة أهلية تشارك فيها طالبان، وإغلاق سجن باجرام، وتحديد جدول واضح للخروج سوف يساهم في تعزيز احتمالات نجاح هذه الاستراتيجية، وربما يخلق لفكرة "استثنائية الاحتلال الأمريكي" أقداماً تمشي بها على الأرض.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات