الدائرة المفرغة للمفاوضات

  • 4 يوليو 2010

كان من المتوقّع والمأمول أن تؤدي المفاوضات غير المباشرة، التي انطلقت بين الفلسطينيين والإسرائيليين بداية شهر مايو الماضي، إلى تقريب وجهات النظر بين الجانبين، على أمل الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، لكن حتى وقتنا هذا لم تسهم هذه المفاوضات في حدوث أيّ اختراق حقيقيّ بشأن القضايا الخلافية بينهما، ليس هذا فحسب، بل إن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لم تعد جادّة في استكمال هذه المفاوضات، فعلى مدار الأيام الماضية طالبت الطرف الفلسطيني بالانتقال إلى المفاوضات المباشرة "دون أيّ شروط، ودونما أيّ تأخير". إلا أن الفلسطينيين والعرب رفضوا ذلك، لأن المفاوضات غير المباشرة لم تسفر عن أيّ تقدّم بعد، ومن ثم فليس من المنطقي الانتقال إلى مرحلة أخرى من المفاوضات، في ظل تشدّد الطرف الإسرائيلي.

عملية السلام أصبحت تدور في حلقة مفرغة من المفاوضات، إذ إنه مع انطلاق أيّ مباحثات جديدة، أو طرح أيّ مبادرات أو مقترحات من شأنها دفع عملية السلام قدُماً إلى الأمام، فإن إسرائيل تسعى إلى وضع العراقيل التي تؤدّي إلى فشلها، وتثير قضايا خلافية جديدة تدرك جيداً أنها لن تلقى القبول من الطرف الفلسطينيّ، ثم تطالب مجدّداً بالعودة إلى المفاوضات وفق شروطها وأجندتها الخاصة. في الوقت الذي أبدى فيه الطرف الفلسطينيّ ترحيبه بالمفاوضات غير المباشرة، وأظهر استعداده الواضح للتجاوب مع أيّ جهود لتحقيق التقدم في عملية السلام، فإن الإشارات المتعدّدة التي صدرت عن إسرائيل خلال الفترة الماضية كانت تعكس بوضوح مدى التعنّت الذي تمارسه حكومة بنيامين نتنياهو، وإصرارها على المضيّ قدماً في سياساتها التي تستهدف إفشال هذه المفاوضات، فقد أكّدت خلال الأيام الماضية أنها ماضية في عمليات الاستيطان في القدس، وأعلنت خططاً جديدة لإقامة بعض المستوطنات، وبدأت مؤخراً في استئناف عمليات هدم نحو 1000 منزل في أنحاء مختلفة من القدس المحتلة، ما يعني تشريد آلاف الفلسطينيين.

اللافت في الأمر أنه في الوقت الذي تطالب فيه حكومة نتنياهو بالانتقال إلى المفاوضات المباشرة، فإن وزير الخارجية الإسرائيليّ، أفيجدور ليبرمان، يحكم بالفشل المسبق على هذه المفاوضات، بدليل أنه استبعد مؤخراً أيّ فرصة لإقامة الدولة الفلسطينية حتى عام 2012، ووصف ذلك بـ "الحلم".

التصرّفات والمواقف الإسرائيلية الأخيرة تشير إلى حقيقة واضحة لا لبس فيها، وهي أن إسرائيل غير جادّة في العمل من أجل السلام، وتريد الالتفاف على أيّ جهود حقيقية على هذا الصعيد، خاصة أن تحركاتها على الأرض تؤكد أنها ترفض "حل الدولتين"، الذي يعدّ عماد العملية السلمية، وأساس الخطط والتصوّرات المطروحة لحل القضية، والهدف من ذلك كلّه ليس استفزاز الطرف الفلسطيني، ودفعه إلى التوقف عن الانخراط في المفاوضات، ومن ثم تحميله مسؤولية فشلها فحسب، وإنما إعادة التفاوض من جديد حول مسلّمات تم التوافق عليها مسبقاً للحصول على مزيد من التنازلات، والنتيجة النهائيّة هي الدوران في حلقة مفرغة من المفاوضات تكرّس الوضع القائم.

Share