الدائرة المفرغة للخلافات الفلسطينية

  • 6 أبريل 2009

كان من المتوقع أو المأمول أن تساعد التغيّرات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، على دفع القوى الفلسطينيّة المتصارعة، خاصّة حركتي "فتح" و"حماس"، إلى التقارب والتفاهم، وتجاوز أسباب الخلاف والشقاق، إلا أنّ الخلافات ما زالت مستمرّة، وأدّت إلى تعثر آخِر جولات الحوار الوطنيّ في القاهرة، وتعليقه دون تحديد موعد للجولة المقبلة. مجيء حكومة إسرائيليّة يمينيّة متطرّفة إلى الحكم في إسرائيل، تتبنّى مواقف سلبيّة تجاه الفلسطينيين، وتخطّط من أجل استكمال تهويد القدس وتفريغها من سكّانها العرب، يمثل سبباً قوياً لوحدة الفلسطينيين واتفاقهم. والأمر كذلك بالنسبة إلى الاهتمام الدوليّ بإحياء عمليّة السلام، والانفراجات النسبيّة الحادثة في العلاقات العربيّة-العربيّة. إنّ استمرار خلافات الفلسطينيين وتشتتهم بهذه الصورة التي هم عليها الآن، يقدّم لحكومة نتنياهو الرافضة السّلام في إسرائيل، مبرراً يمكنها أن تقدّمه للعالم، القلق تجاه مواقفها وتوجّهاتها وبعض عناصرها، للهروب من استحقاقات السّلام بحجّة عدم وجود شريك فلسطينيّ يمكن التفاوض معه. كما أنّه يضع الدعوات كلها الهادفة إلى تحريك العمليّة السلميّة في موقف صعب ومعقد، ناهيك عن أثره السلبي المعوّق لتدفّق المعونات الإنسانيّة والإنمائيّة التي وعدت بها قوى دوليّة وعربيّة، خاصة لقطاع غزة، الذي يعاني النتائج الكارثيّة للعدوان الإسرائيليّ الأخير عليه.

هناك اهتمام عربيّ كبير بلمّ شمل الفلسطينيين وتمتين الجبهة الداخليّة في الأراضي الفلسطينيّة المحتلة، وهناك جهود تُبذل على مستويات مختلفة من أجل تحقيق هذا الهدف، إلا أنّ الحادث هو أنّ الأمور تراوح مكانها دون أيّ تقدّم حقيقي، وتتبادل "فتح" و"حماس" الاتّهامات عن مسؤولية إفشال الحوار أو تعثره، ما يعني أنّ كلاً منهما ما زالت متمسّكة بموقفها ومنطلقاتها، وما إن تتقدّم الأمور خطوة إلى الأمام، حتى تتمّ العودة مرّة أخرى إلى المربّع الأول، وكأنّ المسالة تدور في حلقة مفرغة لا خروج منها. إنّ مرور الوقت دون تحقيق اختراق حقيقي في الخلافات بين "فتح" و"حماس"، يمكن أن يراكم المشكلات ويفاقمها، وبالتالي يصعب التعامل معها، ويتحوّل الخلاف بين الجانبين إلى عداء مزمن ومعقد، كما أنّ الزّخم الذي يكتسبه الحوار في القاهرة منذ انطلاقته يمكن أن يتراجع مع الوقت، خاصة إذا ما استمرّ الفشل في الاتفاق، وظلّ كلّ طرف متمترساً وراء تصوّراته ومواقفه.

من المهمّ أن تدرك "فتح" و"حماس" أنهما تواجهان خطراً واحداً، وأنّ القضيّة الفلسطينيّة تتعرّض لتحدٍّ مصيري وتاريخي، وأنّ الخلاف بينهما لا يمكن أن يستمرّ إلى الأبد، ولذلك فإنّ عليهما أن تطويا صفحة الماضي، وتعملا على الالتقاء في منتصف الطريق من أجل التوصّل إلى صيغة للسّلطة والحكم والعلاقة مع إسرائيل، لا تنال من ثوابت القضيّة، أو تضرّ بالحقوق الفلسطينيّة المشروعة، ولكن في الوقت نفسه تنفتح على العالم، وتتفاعل مع مطالبه، لأنه لا يمكن الحديث عن سلام حقيقيّّ يعيد الحقوق إلى أصحابها من دون دور تلعبه القوى الدوليّة الكبرى في رعاية هذا السلام، وممارسة الضغط على الحكومة الإسرائيليّة لالتزام استحقاقاته.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات