الخليج وإيران… توتر حتى إشعار آخر

  • 10 أبريل 2011

لم تشكل أحداث البحرين مفاجأة كبرى لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، إنما كانت "القشة التي قسمت ظهر البعير" في العلاقات مع الجمهورية الإسلامية في إيران. فهذه العلاقات التي كانت قائمة على حبل مشدود منذ سنوات عديدة، وصلت، مع ثبوت الدور الإيراني في اضطرابات المنامة، إلى نقطة حاسمة. فإما أن تنجح طهران في إخضاع المملكة الصغيرة، مؤكدة تمتعها بنفوذ في إحدى الدول الخليجية التي تعتبر على مرمى حجر من المملكة العربية السعودية، أو تنكفئ لتدرك أن دون هذا الهدف مخاطر جمّة.

فوجئت طهران حتماً بسرعة الرد الخليجي في البحرين، والذي شكلت دولة الإمارات العربية المتحدة رأس حربته الدبلوماسية، في حين تمثلت قوَّته المادية خصوصاً في قوات سعودية شكَّلت عماد فرقة من قوات "درع الجزيرة" انتقلت إلى البحرين.

ولا شك أنه لم يكن في حساب طهران أن تجتمع كل دول مجلس التعاون الخليجي على إدانة مطامعها في البحرين. وهي، إذ كانت تتوقع ردود فعل السعودية والكويت والإمارات، فإنها فوجئت حتماً بمسارعة قطر إلى التضامن مع المنامة وبمشاركتها العسكرية، ولو بشكل رمزي، في تلبية نداء حكام البحرين، وهو تضامن فعلي لا يجسد فقط نظرية "نكذب عليهم ويكذبون علينا" التي نقلت عن الشيخ حمد بن جاسم، بل يتخطاها إلى إدراك فعلي بأن موسى التطاول الإيراني تقترب من ذقون كل من تستطيع الامتداد إليه، وبأن المناورة السياسية والمهارات الدبلوماسية تتوقف عند أخطار الهيمنة ومحاولات "بث الفرقة المذهبية"، التي عبَّر عنها بيان وزراء خارجية "التعاون" المنعقد في الرياض.

يمكن القول إن صفحة من صفحات الدبلوماسية الخليجية والعربية قد طوُيت بكل ما كانت تحتويه من صبر وأناة وكظم غيظ. فلم يكن خافياً على الخليجيين والعرب أن مشروع إيران التوسعي هو جزء من أيديولوجية "الحرس الثوري" الحاكم في طهران، ولا كان سراً الدعم الذي تقدمه الأجهزة المتنوعة في طهران لفرقتها المتقدمة على البحر المتوسط المتمثلة     بـ "حزب الله" اللبناني لوضع اليد على لبنان من جهة، والإمساك بورقة إقليمية في الصراع مع إسرائيل من جهة أخرى. وعلى المنوال نفسه كان جلياً الدعم المقدم لحركة "حماس" بحجة نصرة المقاومة، والذي لم يسفر إلا عن توريط الحركة في الانقلاب على السلطة الفلسطينية وإحداث انقسام خطير في جسد الفلسطينيين، وتعريض أهل غزة للحصار الإسرائيلي والعدوان.

وإذا كانت "خلية حزب الله" في مصر مثالاً متقدماً على نوعية العمل الإيراني في إحدى الدول العربية الرئيسية، فإن "شبكة التجسس" الإيرانية في الكويت شكَّلت أخطر تحدٍّ، يمكن أن تمارسه الجمهورية الإسلامية، لأمن الدول الخليجية؛ ذلك أن حجم اختراق الشبكة ونوعيته يعتبران عملاً عدائياً بكل ما للكلمة من معنى، وقد فهِم الخليجيون قبل الكويتيين أنه يهدف إلى زعزعة الأمن الخليجي برمته، وأوضحه الرئيس أحمدي نجاد بقوله: "ماذا لدى الكويت لنتجسس عليه؟".

لقد أمكن لدول الخليج أن تتعايش لسنوات طويلة مع الأطماع الإيرانية وطموحات طهران لعب أدوار فاعلة في الإقليم. وكان ذلك جزءاً من اللعبة السياسية العامة التي تفاعلت مع التطورات الخطيرة التي حصلت في المنطقة بدءاً من الحرب العراقية- الإيرانية ومروراً بغزو صدام للكويت وسقوط النظام البعثي في العراق ونظيره الطالباني في أفغانستان.

وإذ كانت لكل مرحلة من المراحل خصوصياتها، فإن ما استقرت عليه الجغرافيا السياسية منذ تأكد انتهاء الحقبة "البوشية" الهجومية، جعل الدول الخليجية أكثر حساسية وإحساساً بالأخطار الإيرانية. فليس سهلاً أن تدمر واشنطن نظامين معاديين لطهران على حدودها، وأن تتيح لها نفوذاً في أفغانستان ويداً طولى في العراق، بالإضافة إلى بناء حلف وثيق مع دمشق وهيمنة مسلحة بواسطة "حزب الله" في لبنان.

لقد سعت الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إلى إحداث توازنات دقيقة تحد من الأطماع الإيرانية في كل مناطق النفوذ الإقليمي الإيراني، فنجحت حيناً وفشلت أحياناً، واصطدمت دائماً بمشروع إيراني يعتمد أدوات محلية ولا يقبل بحدود نهائية له ولا بتسوية إلا للانقضاض عليها. هكذا حصل في العراق، وفي غزة، وفي لبنان. لكن مع الزلزال الذي أحدثته الثورات في العالم العربي، وخصوصاً نجاح الثورة المصرية، وانتهاء التقسيم التقليدي بين "محور اعتدال" و"محور ممانعة"، وجدت الدول الخليجية نفسها في مواجهة عارية مع إيران بعدما لعبت الأخيرة لعبة الفتنة المذهبية في البحرين مستغلة مطالب سياسية واجتماعية، وهي لعبة لا تستطيع أي دولة خليجية غض النظر عن محركها أو التساهل مع اللاعبين فيها؛ لأنها تعرض النسيج الاجتماعي الخليجي للأخطار المميتة.

يمكن القول إن الدول الخليجية انتقلت في الشهرين الماضيين من دبلوماسية النعامة إلى دبلوماسية الصقور، ومن التلميح إلى التصريح، ومن الكبت إلى التعبير عن الغضب، ومن تجنب المواجهة والحذر من التهويل، إلى شجاعة الفعل وقبول التحدي. هكذا عادت قطر إلى السرب الخليجي بعد التباسات طويلة، وهكذا دخلت قوات درع الجزيرة إلى البحرين، وهكذا تؤدي أكثر من دولة خليجية أدواراً فاعلة في دعم ثورة ليبيا ضد نظام القذافي، ويتشدد سعد الحريري وفريق "14 آذار" السيادي اللبناني في "رفض المحميات الإيرانية في لبنان والبحرين والكويت" مثلما يصمم بصوت عال على رفع مطلب "الشعب يريد إسقاط السلاح". وباختصار، إنه شعور بالخطر الداهم الهادف إلى الفتن المذهبية وتقسيم المجتمعات ليكرس أنظمة شمولية وهيمنات مخابراتية تسير عكس توجه العالم العربي نحو أنظمة مدنية تضمن الحريات، ونحو إقامة دول عادية همها النمو الاقتصادي والإنساني وليس الدعوات إلى الموت والتخلف والمجتر من الشعارات.

إنها مرحلة مخاض. لا أحد يستطيع خلالها توقع تغير السياسات لفترة طويلة؛ فالتوتر الخليجي- الإيراني ليس مرحلة عابرة يمكن إنهاؤه باعتذار دبلوماسي أو بحفنة من الزيارات وتبويس اللحى. إنه نتاج إدراك شامل بأن مشروع إيران وصل إلى نقطة اللاعودة، وأنه بات من الواجب أن يُفرض عليه الانكفاء أولاً في دول مجلس التعاون، ثم في أي مكان آخر يمكن التصدي له. وطبيعي أن تستخدم طهران أوراقاً متعددة تمتلكها في هذا الصراع، وهي أدوات، معظمها قادر على إحداث اضطرابات وتوترات، ويحتاج التحكم بها إلى حكماء وليس إلى ماهرين في حياكة سجاد المؤتمرات، فكيف إذا كانت الجمهورية الإسلامية في عهدة "مجلس شورى" يصدر بيانات الشتائم، و"حرس ثوري" همّه الخلايا اليقظة والنائمة، ورئيس جمهورية يحتاج إلى كثير من الصلوات ليقذف الله بصدره بعض النور ليرى ما يحصل في العالم من تغيرات.

Share