الخطـر ما زال ماثـلا في لبنـان

  • 27 أغسطس 2008

ساد التفاؤل الساحتين اللبنانية والعربية بعد مظاهر التوافق التي ظهرت بين اللبنانيين في يوم الإفراج عن الأسرى في السجون الإسرائيلية، وبعد علامات التحسن التي ظهرت في مسار العلاقة بين دمشق وبيروت، وكان المطلب الأساسي هو استثمار هذه الأجواء الإيجابية وتكريسها لتساعد في التعامل مع الكثير من القضايا والملفات الصعبة والمعقدة المطروحة على الساحة، خلال الفترة المقبلة. ولكن سرعان ما بدأت الأمور في التبدل، وبدأت مفردات الخطاب السياسي للقوى السياسية المختلفة في التحول في ضوء الخلافات حول صيغة "البيان الوزاري". خطورة هذه الخلافات لا تأتي من أنها تؤخر نيل الحكومة الجديدة للثقة أمام البرلمان فقط، وإنما لأنها تعطل تنفيذ "اتفاق الدوحة" الذي يتضمن مراحل عدة يؤدي بعضها إلى بعض كذلك، فضلا عن ذلك فإنها تمثل اختبارا لحقيقة الانفراج الذي شهده لبنان، خلال الفترة الماضية، ومدى قدرته على وضع أسس توافقية للمستقبل.

ولعل من الإشارات المهمة في هذا الشأن أنه في الوقت الذي تتعثر فيه مهمة إنجاز "البيان الوزاري" وتتصاعد الخلافات حوله، تأتي المصادمات بين "أنصار السنة" و"العلويين" في طرابلس شمال لبنان، التي أسفرت عن مقتل وجرح العشرات، وفي ذلك رسالة مهمة هي أنه كلما تراجعت فرص التوافق وخفتت أجواء التفاهم، برزت عوامل التوتر والتشنج التي تقود إلى العنف والمواجهة، خاصة أن الساحة اللبنانية، سياسيا وشعبيا، ما زالت تعاني آثار الأزمة السياسية التي عصفت بالبلاد لشهور طويلة، وتركت ندوبا ظاهرة في العلاقة بين القوى والطوائف والمذاهب المختلفة. الأمر المهم الذي يجب أن تعيه الأطراف المختلفة في لبنان، هو أنه على الرغم من أن "اتفاق الدوحة" قد أنهى الأزمة السياسية في البلاد، فإن هناك الكثير من "الألغام" التي يمكن أن تنفجر في أي وقت في وجه الجميع إذا لم يتم التعامل معها بحذر ووطنية، وإذا لم يتم استيعاب دروس الأزمة جيدا والعمل على تلافي أخطاء الماضي، فما زالت الساحة اللبنانية مملوءة بالكثير من مظاهر التشنج التي لا تحتاج إلا لشرارة صغيرة حتى تتحول إلى حرائق خطرة.

لبنان يحتاج إلى كثير من الجهد والعمل من أجل ترميم آثار الأزمة السياسية وجروحها، والخلافات الحادثة حاليا حول "البيان الوزاري" لا يمكن أن تخدم هذا الهدف. الخلافات في حد ذاتها لا تمثل خطرا بل إنها يمكن أن تنطوي على الكثير من الجوانب الإيجابية، إلا أنها عندما تتحول إلى أداة لتعطيل العملية السياسية، وقناة لضخ المزيد من عوامل التوتر والاحتقان الطائفي والمذهبي، فإنها تصبح خطرا كبيرا لا بد من التصدي له وتجاوزه.

المواجهات التي حدثت في طرابلس وأسفرت عن جرحى وقتلى، هي رسالة ذات مغزى إلى القوى السياسية اللبنانية، من المأمول أن تصل هذه الرسالة إلى وجهتها قبل فوات الأوان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات