الخطاب الإيراني تجاه دول الخليج بين التطمين والتهديد

فتوح هيكل: الخطاب الإيراني تجاه دول الخليج بين التطمين والتهديد

  • 12 يوليو 2007

يلحظ المتابع لتطورات الأوضاع في منطقة الخليج تبايناً واضحاً في الخطاب الرسمي الإيراني تجاه دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يتراوح بين محاولات تهدئة وتطمين هذه الدول تجاه النوايا الإيرانية وإظهار الرغبة في بناء علاقات قوية معها، وبين تهديد هذه الدول بالاستهداف العسكري إذا تم استخدام أراضيها في شن أية هجمات محتملة ضدها من جانب الولايات المتحدة. ويرتبط هذا التباين بشكل واضح بمسار ودرجة التوتر بين طهران وواشنطن على خلفية أزمة البرنامج النووي الإيراني، فكلما تعقدت الأزمة النووية وازداد التوتر والتهديد الأمريكي بضرب إيران، تبنى الخطاب الرسمي الإيراني تجاه دول الخليج لغة أكثر تشدداً، في محاولة على ما يبدو لدفع هذه الدول بعيداً عن أية خطط أمريكية في هذا الشأن، رغم التأكيدات المتكررة من جانب دول مجلس التعاون بشأن عدم استخدام أراضيها منطلقاً لضرب إيران، وإعلان رفضها القاطع اللجوء إلى الخيار العسكري في حسم الخلاف حول الملف النووي الإيراني نظراً للتداعيات الكارثية التي قد تترتب على ذلك.

كما يرتبط هذا التباين أيضاً بطبيعة التصريحات والمواقف الإيرانية المعلنة المتضاربة والمتناقضة، والتي تعكس في أوقات معينة رغبة واضحة في التعاون وإعادة بناء الثقة بين جانبي الخليج، وتشير في أوقات أخرى إلى رغبة خطيرة في فرض الهيمنة والتدخل في شؤون الدول الخليجية الأخرى، بل وتهديد سيادة واستقلال هذه الدول من خلال مطالب ومزاعم تاريخية لا أساس لها من الصحة، مثل تلك التصريحات الأخيرة على جاءت على لسان "حسين شريعتمداري" مستشار المرشد الأعلى للثورة الإسلامية "علي خامنئي"، والتي اعتبر فيها مملكة البحرين محافظة إيرانية وأنها ما زالت جزءاً من الأراضي الإيرانية؛ حيث أثارت هذه التصريحات موجة غضب واستياء واسعتين في البحرين ودول المنطقة، ووصفها أمين عام مجلس التعاون لدول الخليج العربية "عبد الرحمن بن حمد العطية" بأنها تستهدف "النيل والمساس بدول مجلس التعاون وسيادتها"!، علاوة على المزاعم الإيرانية المستمرة بملكية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها.

وحتى وقت قريب كانت لهجة التهدئة والتطمين هي الغالبة على الخطاب الإيراني؛ حيث قام أكثر من مسؤول إيراني بزيارة دول المجلس لتأكيد الطبيعة السلمية لبرنامج إيران النووي، وتهدئة المخاوف الخليجية من احتمال حدوث تسرب نووي أو إشعاعي جراء ثغرات في أنظمة الرقابة والتحكم أو غير ذلك من مشكلات تقنية عابرة ومحتملة، وقد جاءت آخر رسائل التطمين تلك من الرئيس الإيراني "أحمدي نجاد" خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها للإمارات وسلطنة عمان في مايو/أيار الماضي (2007)؛ حيث أكد من جديد سلمية البرنامج النووي لبلاده، وقلل من احتمال حصول تسريبات تضر بالبيئة من المفاعلات النووية الإيرانية؛ معتبراً أن منشآت محطة بوشهر النووية تتمتع بمواصفات فائقة في الجودة والتقنية لحمايتها، ووجه الدعوة للعلماء والباحثين والمهتمين في البلدان المجاورة ليزوروا الموقع ويتعرفوا على إجراءات السلامة والأمان المطبقة فيه وما تتمتع به من مواصفات تقنية عالية. ولكن "نجاد" حرص في المقابل  على توجيه رسالة تهديد من داخل منطقة الخليج إلى الولايات المتحدة وغيرها من القوى الإقليمية أو الدولية التي تهدد بضرب إيران، مؤكداً أن هذه الدول ستواجه "برد قاس سيدفعهم إلى الندم إذا أقدموا على تنفيذ تهديداتهم وهم غير قادرين"، وهو ما دفع بعض المراقبين إلى القول بأن هذه التهديدات كانت موجهة أيضاً للدول التي أطلقت من على أراضيها حتى تنأى بنفسها عن أية خطط بهذا الشأن.

ورغم أن لهجة التهديد تلك كانت موجودة باستمرار في الخطاب الرسمي الإيراني؛ حيث هددت طهران أكثر من مرة بإغلاق "مضيق هرمز" ومن ثم تعطيل صادرات النفط الخليجي، كما هددت مراراً باستهداف القوات والقواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في المنطقة، فإن هذه اللهجة شهدت في الفترة الأخيرة تشدداً مبالغاً فيه وصل إلى حد التهديد بقصف أهداف استراتيجية خليجية مثل مصافي النفط ومحطات الكهرباء، إذا تعرضت إيران لهجمات عسكرية أمريكية، انطلاقاً من القواعد العسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي، كما تكررت هذه التهديدات بشكل لافت وعلى لسان أكثر من مسؤول إيراني بشكل أعاد أزمة الثقة بين الجانبين؛ حيث نشرت مصادر صحفية يوم 10 يونيو/حزيران 2007 تصريحات خطيرة للأدميرال "على شمخاني"، وزير الدفاع الإيراني السابق والمستشار الأمني المقرب من مرشد الجمهورية الإيرانية "علي خامنئي" هدد فيها بإمطار دول الخليج التي تتعاون عسكرياً مع الولايات المتحدة بوابل من الصواريخ الباليستية لو هوجمت إيران، مؤكداً أن الصواريخ الإيرانية لن تطلق على القواعد العسكرية الأمريكية فقط، ولكن أيضاً على أهداف استراتيجية مثل مصافي النفط ومحطات الكهرباء، متهماً الدول الخليجية بمساعدة الولايات المتحدة في إضفاء شرعية على هجومها المتوقع ضد إيران. كما كرر مسؤولون آخرون مثل رئيس مجلس الشورى "حداد عادل"، ونائب وزير الداخلية الإيراني للشؤون الأمنية "محمد باقر ذو القدر" التهديد باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة؛ حيث اعتبر الأخير أن جميع القواعد الأمريكية في المنطقة تقع في مرمى أسلحة إيران متوسطة المدى. ولكن الأخطر من ذلك، هو ما ذكرته بعض المصادر من أن الرد العسكري الإيراني على أي هجوم محتمل ستسانده مجموعات مسلحة مؤيدة لإيران في المنطقة، وهو ما يؤكد وجود "خلايا نائمة" مؤيدة لطهران داخل دول الخليج العربية تنتظر التعليمات بالقيام بعمليات تخريبية إذا تعرضت إيران للضرب.

قد يكون مبرراً أن تشعر إيران بالخوف والخطر نتيجة تعقد المفاوضات حول أزمة برنامجها النووي، وتصاعد التهديدات الدولية بفرض مزيد من العقوبات عليها، وتزايد مؤشرات استخدام الخيار العسكري ضدها في ظل عمليات الحشد العسكري التي تقوم بها الولايات المتحدة داخل منطقة الخليج، وتكثيف التدريبات العسكرية المشتركة بينها وبين إسرائيل والتي تركز بشكل أساس على كيفية استهداف مواقع مثل تلك التي توجد بها المنشآت النووية الإيرانية، ولكن من غير المبرر على الإطلاق أن يصل الخطاب الرسمي الإيراني تجاه دول الخليج إلى هذا الحد من التوتر والتهديد، ففي ظروف كهذه التي تتعرض فيها إيران لضغوط دولية متزايدة وتهديدات جدية باستهدافها عسكرياً، يكون من المنطقي أن يتجه الخطاب الرسمي نحو التهدئة وكسب تأييد الدول المجاورة، وليس تصعيد لغة التهديد والتحدي، التي لن تؤدي إلا إلى تعميق أزمة الثقة القائمة بين طرفي الخليج، وتعزيز عوامل القلق والمخاوف المشروعة لدى دول الخليج من الدوافع الإيرانية للمضي قدماً في برنامجها النووي المثير للجدل. كما أن هذا التصعيد في لغة التهديد غير مبرر بالنظر للمواقف المعلنة من جانب دول الخليج العربية، والتي تؤكد باستمرار ضرورة تسوية هذه الأزمة بالطرق السلمية وتجنب اللجوء للخيار العسكري الذي قد يدفع بالمنطقة نحو المجهول ويقضي على ما تبقى بها من استقرار هش، كما أن هذه الدول أعلنت فرادى وبشكل جماعي وفي أكثر من مناسبة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها منطلقاً لأية عمليات عسكرية محتملة ضد إيران، ومثل هذه المواقف كان من المفروض أن تحظى بالترحيب والتشجيع من جانب النظام الإيراني وليس العكس، إلا إذا كان هذا النظام يسعى إلى اكتساب عداءات جديدة تزيد من عزلته الإقليمية والدولية!.

ولاشك أن استمرار هذا الخطاب العدائي تجاه دول الخليج العربية يمكن أن يؤثر سلباً على العلاقات الخليجية-الإيرانية، التي كانت قد شهدت بدورها تطورات إيجابية مهمة في الفترة الأخيرة جعلت بعض المراقبين يتفاءلون بإمكانية أن تسهم هذه العلاقات في تسوية العديد من الأزمات التي تشهدها المنطقة، لكن الارتداد إلى لغة التهديد والوعيد أعاد الأمور إلى المربع الأول، وعزز من أزمة الثقة القائمة بين الجانبين، والتي تكونت نتيجة موروث طويل من الشكوك والأزمات، لاسيما وأن هذه اللهجة العدائية تزامنت مع بروز وتزايد الدور السلبي الذي تلعبه طهران في العديد من الأزمات التي تشهدها المنطقة، بدءاً من العراق مروراً بفلسطين وليس انتهاءً بلبنان، وما يثيره كل ذلك من عوامل قلق لدى دول الخليج وشعوبه.

هذه التهديدات الإيرانية يجب أخذها على محمل الجد، لاسيما في ظل تزايد المؤشرات الدالة على إمكانية تعرض البرنامج النووي الإيراني لضربة إجهاضية أمريكية أو حتى إسرائيلية، وهو ما يتطلب وضع استراتيجية جادة تحدد السيناريوهات المحتملة لمسار هذه الأزمة وكيفية التعامل مع كل منها، بما في ذلك أخذ الاحتياطات اللازمة لتأمين الدفاع عن المنشآت النفطية الخليجية والمصالح الحيوية الأخرى كمحطات الكهرباء والمياه، وتأمين الجبهة الداخلية من خلال الكشف عن الخلايا النائمة المحتملة التي يمكن توظيفها في عمليات التخريب وإثارة عدم الاستقرار. وقد اتخذت دول مجلس التعاون بالفعل عدداً من الخطوات المهمة في هذا الصدد، من ذلك ما أشارت إليه بعض وسائل الإعلام الخليجية مؤخراً، من أن دول المجلس اتفقت فيما بينها على اتخاذ إجراءات احترازية، في حال تعرضت إيران لحرب أمريكية، مثل اعتماد موانئ بديلة يمكن من خلالها تصدير النفط والحفاظ على تدفق السلع إلى دول الخليج، في حال تم إغلاق "مضيق هرمز"، كما تم الحديث عن البدء في صياغة خطة طوارئ خليجية مشتركة لمراقبة أي تسرب نووي من مفاعل "بوشهر" القريب من بعض بلدان الخليج، وغير ذلك من إجراءات تعكس الإدراك الخليجي لطبيعة المخاطر التي يمكن أن تترتب على انفجار هذه الأزمة ووصولها إلى مرحلة المواجهة المسلحة.

ما يتعين أن يدركه الإيرانيون هو أن دول مجلس التعاون جادة في مواقفها المعلنة الرافضة لاستخدام القوة في تسوية هذه الأزمة أو استخدام أراضيها في أي هجوم أمريكي محتمل على إيران، ليس لشيء إلا لأنها تدرك حجم المخاطر التي قد تترتب على اندلاع حرب رابعة في منطقة الخليج التي مازالت تعاني من تداعيات الحرب الأمريكية على العراق بكل ما حملته من تهديدات جدية لأمنها واستقرارها، وهي تعي جيداً أن تداعيات الحرب المحتملة على إيران ستكون أكثر خطورة وأشد وطأة على الاستقرار الهش المتبقي في هذه المنطقة، وبدلاً من اللجوء إلى لغة التهديد والوعيد التي لن تؤدي إلا إلى تعقيد الأمور وإثارة مزيد من التوتر، فإنه يجب على طهران أن تعمد إلى اتخاذ الإجراءات التي تطمئن دول الخليج الأخرى وتقنعها بحسن نواياها ورغبتها الصادقة في تحقيق الاستقرار في المنطقة، بالشكل الذي يساعد على استعادة الثقة المفقودة بين الجانبين ويخدم قضايا الأمن والاستقرار والتنمية في منطقة الخليج. بعبارة أخرى ينبغي أن تتعلم طهران فن اكتساب الأصدقاء وليس خسارتهم!.

Share