الخطاب الإيراني تجاه أمريكا والغرب بين التهدئة والتهديد

  • 26 يناير 2021

هناك الكثير من التساؤلات حول طبيعة العلاقة بين إيران والغرب خلال الفترة المقبلة، وما قد تشهده من تطورات مهمة، وبشكل خاص فيما يتعلق بالملف النووي، والتساؤل الأهم في هذا السياق يدور حول مستقبل العلاقة بين طهران وواشنطن في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن، الذي تولى مقاليد الأمور في البيت الأبيض يوم الأربعاء الماضي.

يطرح تهديد أحمد أميرآبادي فراهاني، عضو هيئة رئاسة البرلمان الإيراني، بطرد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحلول 21 فبراير المقبل حال عدم إلغاء العقوبات المالية والمصرفية والنفطية بالتزامن مع تأكيد آخرين، على رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس حسن روحاني، ضرورة العودة إلى الاتفاق النووي ورفض أي شروط أخرى، إشكالية مستقبل العلاقات الإيرانية–الأمريكية وطبيعتها خلال إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن وموقف النظام أمام الاحتمالات كافة، سواء عادت أمريكا إلى الاتفاق الذي انسحب منه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في مايو 2018، أو لم تعد، واشتراطات هذه العودة وتوقيتها في ظل ضغوط إيران للعودة السريعة، ومن دون شروط، إلى الاتفاق وإلغاء العقوبات.

وتزامنًا مع الأحداث المتلاحقة ومتغيرات المشهد الداخلي الأمريكي عقب فوز بايدن؛ تشهد الساحة السياسية الداخلية الإيرانية في المقابل انقسامًا بين الأصوليين والإصلاحيين حول قضية التفاوض من عدمه وأساس هذا التفاوض وموضوعاته وأطره والرد الإيراني المفترض على التداعيات الراهنة والمحتملة والتصعيد الأمريكي بعد سلسلة عقوبات ضد طهران شملت شخصيات نافذة وكيانات اقتصادية مهمة تابعة للمرشد علي خامنئي بجانب ميليشيات إيران في المنطقة، وكان آخرها تصنيف جماعة الحوثي باليمن جماعة إرهابية وفرض عقوبات على فالح الفياض رئيس الحشد الشعبي العراقي ومن بعده عبدالعزيز المحمداوي رئيس أركان الحشد.

كانت إيران قد توصلت مع مجموعة دول 5+1 وهي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن (أمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين) إلى جانب ألمانيا، للاتفاق النووي عام 2015، وشمل تقليص نشاطات إيران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وعلق الرئيس الأمريكي، باراك أوباما، في حينه على الاتفاق بقوله «إنه يقطع أي طريق أمام إيران للحصول على أسلحة نووية»، بينما اعتبره روحاني يفتح فصلًا جديدًا في علاقات إيران مع العالم، واعتبره الإصلاحيون إنجازًا يعزز من شعبيتهم مقابل رفض الأصوليين وظهر معها مجموعة «القلقون من الاتفاق النووي»، إلا أن خروج «ترامب» من الاتفاق النووي، شكل حدثًا فارقًا، فاقم أزمات النظام.

ولتبرير تفاوض محتمل مع الغرب وأمريكا؛ طرح المرشد ما عرف اصطلاحًا بـ«لمرونة البطولية» تأسيًا بالإمام الحسن للخروج من إشكالية تبنّي النظام الترويج لإيران «الإسلامية» في مواجهة الشيطان الأعظم «أمريكا» ورفضه في السابق أي تفاوض معها، وعاد المرشد مجددًا للحديث عن صلح الإمام الحسن نهاية العام الماضي واصفًا إياه بأشجع شخصية في تاريخ الإسلام، حيث ضحى لإعلاء المصلحة العليا، وصون الإسلام وحماية القرآن ما يمكن تفسيره باحتمال قبول النظام التفاوض إلا أن هذا التفاوض ربما لن يكون في عهد حكومة روحاني حتى لا تستغله الحكومة والإصلاحيون لصالحهم.
وفي ظل هذه التداعيات أصبحت قضية إلغاء العقوبات ومستقبل الاتفاق النووي وعلاقة إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد تولي بايدن أهم ما يشغل النظام، فقد علق فريدون عباسي، رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان، على تصريحات النائب فراهاني وتأكيده توقف إيران عن تنفيذ البروتوكول الإضافي الطوعي استنادًا لقانون البرلمان الملزم للحكومة بقوله إن إيران لن تطرد المفتشين، ولكنها لن تمنحهم تأشيرة دخول، بينما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية «خطيب زاده» التعاون مع الوكالة في إطار معاهدة حظر انتشار السلاح الذري.

وانتهج ساسة إيرانيون، في مقدمتهم المرشد والرئيس روحاني وقادة عسكريون، خطابًا مزدوجًا بين التهديد والتهدئة، وتزامن معه اتخاذ البرلمان خطوة تصعيدية، بدعم من المرشد، وتمثلت في مصادقة البرلمان على المبادرة الاستراتيجية لإلغاء العقوبات وزيادة التخصيب بنسبة 20 في المئة، واعتبره قاليباف، رئيس البرلمان، إنتاجًا للقدرة في المجال الدبلوماسي، وأعقبه إعلان منظمة الطاقة النووية الإيرانية، بدء التنفيذ عمليًّا، ما يعزز فرضية مساعي إيران للضغط على إدارة بايدن للإسراع في إلغاء العقوبات.

ولا شك أن النظام يدرك خطورة وتداعيات عدم تعاونه مع الوكالة الدولية واحتمال إحالة ملفه النووي إلى مجلس الأمن وإعادة العقوبات كافة قبل توقيع الاتفاق النووي وربما يصل الأمر إلى فرض عقوبات جديدة أو تشديد العقوبات الحالية، وقد تلجأ إيران في حالة مماطلة «بايدن» أو رفضه إلغاء العقوبات في وقت آجل إلى تقليل التعاون مع الوكالة الدولية من دون أن يتوقف التعاون كاملًا وفقًا لتأكيد علي ربيعي، المتحدث باسم الحكومة، استمرار مبدأ التفتيش مع تخفيض مستوياته في حالة عدم رفع العقوبات.

بيد أن طهران ستستمر -على ما يبدو- في سياسة التصعيد والضغط على أمريكا والغرب، وفقًا لإجراءات ومؤشرات آخرها إبلاغها لجنة المراقبة النووية التابعة للأمم المتحدة بتطوير وقود «يورانيوم السيليسيد» الذي ينتج عنه معدن اليورانيوم أحد المكونات الرئيسية لإنتاج قلب القنبلة النووية، وهو ما أدى إلى انتقاد بريطانيا وفرنسا وألمانيا للنظام الحاكم في إيران، واعتبار هذه الدول أن هذه الخطوة متعارضة مع الاتفاق النووي وتعهد إيران بوقف أي أنشطة أو بحوث في مجال تعدين اليورانيوم لمدة 15عامًا، بينما تزعم إيران حاجتها إلى هذا الوقود باعتباره أقل تكلفة وأكثر أمانًا.

ويأتي تأكيد علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة النووية الإيرانية، مؤخرًا، عدم قبول أي شروط أخرى، وقوله إنه في حال أرادت أمريكا العودة إلى الاتفاق النووي فعليها العودة إلى الاتفاق الحالي ضمن خطاب الضغط الإيراني على إدارة بايدن والغرب لإلغاء العقوبات بالتزامن مع توظيف إمكانيات إيران وإنجازاتها في القطاعات النووية والصاروخية والطائرات المسيّرة والقدرات العسكرية الأخرى التي أزاحت الستار عنها في مناوراتها العسكرية الأخيرة، وهذا يؤشر إلى أن ملف العقوبات وغيره من الملفات تظل مفتوحة على كل الاحتمالات.

ولا شك أن ملف التفاوض سيبقى أحد مواضع الخلافات والصراع الأصولي–الإصلاحي، الذي يعززه تأكيد «محمود واعظي» مدير مكتب روحاني، ردًّا على تصريحات نواب بأن البرلمان لا شأن له بقرار إيران بخصوص عودة أمريكا إلى الاتفاق النووي، وأن روحاني وظريف هما المعنيان بإعلان موقف إيران.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات