الخصخصة في الإمارات العربية المتحدة

الخصخصة في الإمارات العربية المتحدة

  • 15 أكتوبر 2006

حرصت دولة الإمارات العربية المتحدة على الأخذ بسياسة الانفتاح الاقتصادي، والتي تعتمد على نظام اقتصاد السوق وحرية التجارة وانتقال رؤوس الأموال والسلع وتشجيع الاستثمارات وإعطاء دور أكبر للقطاع الخاص في مختلف الأنشطة الاقتصادية من خلال تأهيله وتشجيعه ليقوم بدوره المأمول في عملية التنمية، مستفيدة في ذلك بتجارب الدول الكبرى التي سبقتها على طريق التقدم الاقتصادي والتنمية.

 وضمن هذا التوجه، وفي إطار سعيها نحو توسيع وتنويع قاعدتها الاقتصادية، اتخذت الدولة خطوات كبيرة نحو إعادة هيكلة اقتصادها بالطريقة التي تزيد من دور هذا القطاع (الخاص) في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال إفساح المجال أمامه للمشاركة في أداء الكثير من المهام التي تقوم بها الحكومة حالياً عبر التوسع في سياسة الخصخصة، باعتبارها عنصراً حاسماً في عملية تحرير الاقتصاد ورفع كفاءته، وكأحد الأساليب الرئيسية لتوزيع الثروة من خلال توسيع قاعدة الملكية، وإدخال إدارات جديدة وتقنيات حديثة في المؤسسات العامة، بهدف إيجاد إدارة حكومية أكثر كفاءة تطبق سياسات مالية أفضل يترتب عليها اقتصاد في النفقات وتحسين في نوعية الخدمات وتطويرها، كما أنها تؤدي إلى الحصول على السلع والخدمات بجودة أكبر وسعر أقل وتنوع أكثر نتيجة زيادة المنافسة، ومن ثم تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في محيطيه الإقليمي والعالمي، فضلاً عن تقليل البيروقراطية الحكومية والقضاء على الروتين، واجتذاب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتعبئة المدخرات الوطنية، والتخلص من الفساد الإداري والمحسوبية، نتيجة إخضاع عمليات التوظيف في ظل القطاع الخاص لمعايير اقتصادية سليمة ترتبط بالتكلفة واقتصاديات التشغيل.

 كل هذه المزايا دفعت الدولة إلى العمل وبقوة على تشجيع القطاع الخاص للقيام بدور أكثر فاعلية على صعيد عملية التنمية الوطنية، فسنت القوانين والتشريعات التي ساعدته على النهوض، وقدمت له كل أنواع التسهيلات والإعفاءات التي مهدت أمامه الطريق للنمو والتطور؛ فقامت بتوفير البنى الأساسية المتطورة التي يحتاجها أي نشاط اقتصادي متطور من مياه وكهرباء وجسور وموانئ ومطارات، ووفرت مصادر الإنتاج المختلفة بأسعار مخفضة نتيجة إعفاء كافة السلع والخدمات المستوردة والمصدرة من الجمارك، كما أعفت المواطنين ورجال الأعمال من دفع الضرائب بصورها المختلفة المباشرة وغير المباشرة، وغيرها من التسهيلات التي قدمتها الدولة للنهوض بهذا القطاع ودوره التنموي، وهي تسهيلات لا تجد لها نظيراً في أي مكان آخر في العالم تقريباً.. يعزز من ذلك ما تتمتع به الدولة من علاقات اقتصادية متسعة ومتشعبة على مستوى العالم بما يتيحه ذلك من مجالات تنموية أكبر وأسواق أرحب أمام القطاعين العام والخاص، وارتفاع معدلات الأجور، وازدياد حجم الاستثمار، إضافة إلى ما تتميز به من حرية اقتصادية عالية؛ حيث تعد واحدة من خمس دول عربية فقط مصنفة كونها تملك اقتصاداً "حراً في معظمه" من قبل مؤشر "داوجونز" وتقرير الحرية الاقتصادية الصادر عن مؤسسة هيريتيج الأمريكية عام 2006.

 لقد قادت الدولة خلال العقود السابقة عملية النمو والتنمية بجدارة، وتمكنت من تحويل الاقتصاد الوطني من اقتصاد يعتمد بصورة شبه كاملة على إنتاج وتصدير النفط والغاز الطبيعي إلى اقتصاد متنوع، ارتفعت فيه نسبة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي بصورة ملحوظة؛ حيث ارتفعت نسبة مساهمة قطاع الصناعة التحويلية إلى 12% العام 2003 بعد أن كانت 1% فقط عام 1975، كما شهدت مساهمة قطاعي السياحة والمصارف طفرة ملحوظة خلال العقد الأخير، كما أطلقت مشروعات تنموية طموحة في كافة قطاعات الإنتاج، قادت الدولة إلى أن تحتل المركز الثالث عربياً من حيث حجم الاقتصاد، في حين احتلت المرتبة الأولى من حيث الجدارة الائتمانية، والثانية في حجم الصادرات ومعدل الدخل الفردي، حسب التقارير الصادرة عن صندوق النقد والبنك الدوليين.

 ولكن الحفاظ على هذا التقدم الذي حققته الدولة على صعيد عمليات التنمية والتطور في ظل بيئة تنافسية شرسة لا تعترف إلا بالمبادرة والتفكير الخلاق يعتبر عملية معقدة وأكثر صعوبة، ويحتاج إلى تضافر جهود كافة فئات الدولة وقطاعاتها المختلفة، الرسمية وغير الرسمية، ومن هنا كانت حتمية التوجه الإماراتي إلى تفعيل دور القطاع الخاص ليتحمل مسؤوليته في عملية التنمية الوطنية، من خلال تبني سياسة "الخصخصة" كخيار استراتيجي أثبت جدواه في معظم التجارب العالمية، ولاسيما في مجال خصخصة المرافق الأساسية؛ حيث فرض القطاع الخاص حضوره من خلال مساهمته الفعالة في بناء وإدارة وتشغيل هذه المرافق الحيوية بكفاءة عالية. وفي هذا الإطار جاءت تجربة خصخصة قطاعي الماء والكهرباء في إمارة أبوظبي؛ حيث عملت الهيئة منذ تأسيسها عام 1998 على تطبيق سياسة الخصخصة ضمن برنامج متميز استطاعت من خلاله تحقيق استثمارات مالية تقترب من أربعين مليار درهم عبر إنشاء محطات توليد الطاقة وتحلية المياه بطاقة إجمالية تزيد عن 7000 ميجاوات كهرباء و500 مليون جالون مياه يومياً، إضافة إلى ما وفره ذلك من فرص عمل للمواطنين، وذلك بحسب تصريحات مدير دائرة الخصخصة بالهيئة "عبدالله سيف النعيمي" خلال مؤتمر "خصخصة المرافق الأساسية" الذي عقد في أبو ظبي في أبريل 2006.

 ثم تسارعت خطوات الدولة في هذا الاتجاه، ففي أبريل 2005 تم الإعلان عن ولادة "مؤسسة الإمارات" لتكون قاعدة انطلاق للمشروعات المستقبلية المشتركة بين القطاعين العام والخاص، وجاء إنشاء هذه المؤسسة بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ "خليفة بن زايد آل نهيان" رئيس الدولة، وبمتابعة وإشراف مباشرين من سمو الشيخ "محمد بن زايد" ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما توسعت الإمارة في سياسة تخصيص الخدمات؛ حيث تم منح شركة "أبوظبي للمطارات" وهي شركة مساهمة عامة  الحق الحصري في امتلاك وإدارة وتطوير وتشغيل مطاري أبوظبي والعين الدوليين، وذلك بعد أن تم إسناد إدارة وتشغيل "ميناء زايد" بأبوظبي لـ "شركة "موانئ دبي العالمية"، كما تم إسناد تشغيل مرافق عديدة من الخدمات البلدية لشركات متخصصة، وشملت هذه المرافق خدمات جمع ومعالجة النفايات والإشراف على الحدائق العامة، وغيرها من أنشطة البلدية.

 ولا يتوقع أن يقف قطار الخصخصة عند هذا الحد؛ إذ إن هناك العديد من القطاعات الخدمية المهمة تنتظر دورها مثل قطاعي الصحة والتعليم، لاسيما وأن القطاع الخاص قطع شوطاً كبيراً في هذين المجالين؛ ففي قطاع التعليم ارتفع عدد المدارس الخاصة في الدولة من 448 مدرسة عام 2002 إلى 464 مدرسة عام 2003، وزاد عدد الطلاب فيها من 16024 إلى 16822 خلال نفس الفترة، وفي القطاع الصحي بلغ عدد المستشفيات الخاصة في الدولة عام 2003 نحو 27 مستشفى تردد عليها 47035 شخصاً، كما بلغ عدد العيادات الخاصة نحو 1281 عيادة، ووصل عدد الصيدليات الخاصة 728 صيدلية.

 ومن القطاعات المرشحة للخصخصة أيضاً قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وبعض المشروعات المرتبطة بقطاع النفط والغاز؛ حيث تنوي حكومة أبوظبي طرح شركة توزيع الطاقة التابعة لهيئة الماء والكهرباء في سوق أبوظبي للأوراق المالية.

 وهناك عشرات المجالات التي يمكن للقطاع الخاص أن يسهم فيها، انطلاقا من حاجات المجتمع وخصوصيته، مثل رعاية الفنون والآداب، وتشجيع الموهوبين فيها، ودعم البحوث العلمية وثيقة الصلة بالمجتمع، مثل بحوث الأمراض المتوطنة، أو المحاصيل الصحراوية، أو بحوث المياه، وهناك أيضاً مجال المعلومات الواعد بكل فروعه وتطبيقاته، وهو مجال يفتح الباب أمام عشرات المبادرات والأفكار المبدعة للتأهيل والتدريب والإعداد والابتعاث والتطوير، لخلق بيئة معرفية ومعلوماتية متقدمة تقوم عليها النهضة التي يتطلع إليها الجميع. وإلى جانب ذلك يمكن دعم نشاط المجتمع المدني وتطويره، ودعم القطاع الخدمي في المناطق التي تشكو نقصاً في هذا المجال، وتتباطأ الجهات الحكومية في الوصول إليها، وغير ذلك من أوجه النشاط التي يمتد أثرها إلى تقوية دعائم الاستقرار السياسي والاجتماعي، وإقامة أسس راسخة لمستقبل أكثر أمناً وازدهاراً. وهذا ما يدركه القطاع الخاص المستنير في الدول المتقدمة، وهو أيضاً ما نتطلع إليه في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تخطو بثبات وقوة على طريق التنمية.

 وبصفة عامة، أدى هذا التوجه الحكومي الداعم لدور القطاع الخاص إلى نمو هذا القطاع بشكل ملحوظ؛ حيث ارتفعت نسبة مساهمته في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للدولة من 44.3% عام 2000 إلى، 47.1% عام 2002، قبل أن تتراجع هذه النسبة نتيجة ارتفاع أسعار النفط لتصل إلى 43.9% عام 2003، كما زادت نسبة تكوين رأس المال الثابت لدى القطاع الخاص من 41.6% من إجمالي تكوين رأس المال الثابت عام 2001، إلى 42.3% و43% عامي 2002 و2003 على التوالي.

 ولا يعني ما سبق بطبيعة الحال أن الدولة تسعى إلى الانسحاب أو تقليص دورها في عملية التنمية، وإنما تحاول تدعيم دور القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في هذه العملية، من خلال تصور ما يحاول أن يجمع بين مزايا وإيجابيات كل من القطاعين العام والخاص؛ فوجود القطاع الخاص يحول دون حدوث الترهل الإداري أو سيطرة البيروقراطية والإتكالية، وتسوده روح المبادرة والإنجاز والمسؤولية، وحسابات الأرباح والخسائر أو العائد والتكلفة بمعناه الإيجابي. أما القطاع الحكومي فسوف يضمن تحقيق الصالح الاجتماعي، واختيار وتنفيذ المشروعات وفق رؤية أوسع للجدوى الاقتصادية، تشمل الأبعاد الاجتماعية وترسيخ القيم الإيجابية، وضمان ارتباط هذه المشروعات بخطط التنمية ورؤاها على مستوى الدولة ككل. ومن ثم فالعلاقة ينبغي أن تكون تكاملية وليست تنافسية بين القطاعين بما يصب في النهاية في صالح الاقتصاد الوطني ويدعم تطوره ونهوضه.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات