الحوثيون وإفساد جهود التهدئة

  • 15 سبتمبر 2019

في الوقت الذي تُبذل فيه جهود حثيثة من أجل التهدئة في محافظة الحديدة ومينائها، من أجل ضمان وصول الإمدادات والمساعدات الغذائية والإنسانية إلى ملايين اليمنيين، فإن التصعيد العسكري الحوثي المستمر يثير أسئلة حول جدية ميليشيا الحوثي في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، ومدى استعدادها الفعلي لتنفيذ التزاماتها في أي اتفاق يتم التوصل إليه.
لقد عقدت اللجنة المشتركة لإعادة الانتشار في الحديدة الاجتماع السادس لها يوم الأحد 8 سبتمبر 2019، وذلك في السفينة «أنتركنيك دريم إم في»، بحضور ممثلين عن الحكومية اليمنية والميليشيا الحوثية. وخلال الاجتماع نوقش موضوع تشكيل اللجنة المشتركة الدائمة لوقف إطلاق النار، إلى جانب تشغيل مركز العمليات المشترك. واتُّفق على أن تتواصل أعمال الاجتماع السادس في اليوم اللاحق، الاثنين 9 سبتمبر.
وبعد ساعات قليلة من انتهاء الاجتماع الذي لم يكن قد استكمل أعماله، كانت ميليشيات الحوثي تخرق الهدنة بقصف عنيف على مواقع تابعة للحكومة في شرق مدينة الحديدة، وقد تواصلت الاشتباكات حتى صباح اليوم اللاحق، الذي شهد بالفعل استكمال أعمال الاجتماع. وعلى الرغم من الأجواء التي تسببت فيها الخروق الحوثية، وأجواء التخويف التي حاول الحوثيون فرضها من خلال التصعيد العسكري، فقد تمخض الاجتماع عن توقيع الطرفين اتفاقاً تضمّن تأسيس مركز العمليات المشترك لمراقبة اتفاق وقف إطلاق النار، ونشر مراقبين من اللجنة المشتركة الدائمة لوقف إطلاق النار على الحدود الفاصلة بين الطرفين، لمراقبة مدى الالتزام به من الجانبين. غير أن الخروق الحوثية لم تتوقف، فقد رُصد أكثر من 11 خرقاً حوثياً في اليوم اللاحق مباشرة، إضافة إلى محاولة قيادات حوثية التنصل من الاتفاق بعد ساعات قليلة من توقيعهم عليه.
ويمثل هذا الاتفاق الأولي الهش، أولى خطوات تنفيذ «اتفاق استوكهولم» الذي وُقِّع في 13 ديسمبر 2018، وهي الخطوة التي كان يُفترض أن تنتهي في 8 يناير 2019، لكن المناورات الحوثية جعلتها تستغرق نحو تسعة أشهر. ولا يبدو أن لدى ميليشيات الحوثي النية للالتزام بما ورد في الاتفاق، فهي تمارس لعبة كسب الوقت في رهان على إمكانية تحول المواقف الإقليمية أو الدولية، غير مكترثة لما يعانيه اليمنيون، بل إنها ترى في الوضع الإنساني المتدهو في اليمن فرصة لابتزاز المجتمع الدولي، وللتحكم في اليمنيين الذين يعيشون في المناطق الواقعة تحت سيطرتها باستخدام الترهيب والتجويع.
ويفهم الحوثيون خطأً بعض الرسائل المتساهلة معهم، الصادرة عن أشخاص أو دول ذوي علاقة بالأزمة في اليمن، كما أن استقبال بعض الدول وفوداً أو شخصيات حوثية يصب في الاتجاه نفسه. ولا شك في أن بعض هذه التحركات تجاه الحوثيين تنطلق من رغبة في المساعدة على انخراطهم في العملية السياسية، لكن المحصلة – للأسف – تكون عكسية، لأن مجرد اللقاء بالحوثيين ينزع عنهم صفة الميليشيا المتمردة التي تمارس العدوان والتخريب، ويمنحهم صفة الطرف السياسي الذي يمكن محاورته. ولا يمكن أن ننسى أيضاً أن التصعيد الذي يمارسه الحوثيون ويُهدرون به كل فرص السلام يعود إلى أنهم ينفذون أجندة محرِّكيهم في طهران، لأنهم مجرد ذراع تتحرك وفقاً لما تمليه مصالح إيران وحساباتها الإقليمية. وبالقدر نفسه تبرز حقيقة أنهم يلقون دعماً بالمال والسلاح والمساندة الإعلامية من جانب أطراف خليجية ارتضت أن تكون في المعسكر الذي يهدد الأمن والاستقرار العربي والخليجي.
وبناءً على ما سبق، فمن المتوقع أن يستمر الحوثيون في نهج التسويف وشراء الوقت، وأن تظل الاتفاقات التي يوقعونها مجرد مناورات لكسب الوقت. ويلزم أن تكون المواقف الدولية تجاههم أكثر حسماً وحزماً، وأن تتوقف الرسائل المتساهلة التي تبعث بها بعض الأطراف من دون أن تدرك عواقبها. وفي كل الأحوال، فإن التحالف العربي الذي يُفسح المجال للحلول السلمية، يمتلك البدائل السياسية والعسكرية الكافية لإنهاء التمرد الحوثي حين تنسد الطرق أمام الحلول السلمية.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات