الحوار الخليجي- التركي واستقرار المنطقة

  • 12 فبراير 2012

أثار توقيت انعقاد الاجتماع الوزاري الرابع للحوار لاستراتيجي الخليجي- التركي الذي عُقد باسطنبول يوم 28 يناير الماضي (2011)، تحليلات وتكهنات عدة ارتبطت بالتوترات الحادثة في البيئة الإقليمية، ولاسيما أن الجولة السابقة كانت قد انعقدت في العام 2008. ولا شك في أن الأحداث الجارية حفزت الجانبين على إحياء هذا الحوار وإعادة بنائه في ضوء التحولات التي تشهدها المنطقة، والتي يبدو أنها لا تزال في بداياتها.

هناك مستويات ومسارات وأهداف عدة لهذا الحوار الذي يطمح إلى بلورة نمط من التعاون المفترض أن يحقق مصالح الطرفين. والواقع أنهما يقاربان تجربة يعرفان أنها كان يجب أن تتم موضوعياً قبل سنوات طويلة بسبب تقاسمهما مجالاً حيوياً واحداً، وأن الظروف أخرتها عملياً، أولاً بسبب الموروث التاريخي الثقيل، وثانياً بسبب ظروف تركيا التي أعرضت طويلاً عن المنطقة العربية والعالم الإسلامي، ولم تسجل عودتها إلا قبل بضعة أعوام. وكان من الطبيعي انتظار اكتمال هذه العودة واختبار أبعادها كي تتأمن الشروط السويّة للحوار الهادف.

خلال الأعوام الأخيرة، وتحديداً بعد الغزو والاحتلال الأمريكي للعراق، أمكن لدول الخليج رؤية جدية تركيا في التعامل مع الواقع الذي نشأ، وعدم اندفاعها إلى استغلاله أو التدخل فيه، كما أمكن لها أيضاً أن تراقب خطاب أنقرة، سواء بالنسبة إلى الموضوع الفلسطيني أو إلى علاقتها الناشئة سريعة التطور مع سورية، أو إلى حفاظها على نهج حواري مع إيران من دون أن تبتعد جوهرياً عن النهج الغربي في معالجة أزمة البرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل بدت تركيا حزب العدالة والتنمية مدركة هواجس دول الخليج، فمعظم أقطاب هذا الحزب سبق أن مروا بالخليج، وبعضٌ منهم أقام وعمل فيه، قبل أن يعود ليشارك في صعود الحزب وإيصاله إلى الحكم. لذا اعتبروا أن نجاح سياساتهم ووضوحها كفيلان بإزالة ما يستشعرونه من تردد وتحفظ من جانب الخليجيين، الذين كانوا ولا يزالون يشتكون من حدوث فراغ استراتيجي في المنطقة العربية بسبب مغامرات النظام العراقي السابق وما استجرّته من تداعيات. وبالتالي كانوا، ولا يزالون، يرتابون بكل من يحاول بشكل أو بآخر ملء هذا الفراغ.

لا شك في أن لتركيا طموحات، لكنها برهنت أنها تفضل تحقيقها بمنتجات تغطي الأسواق كما فعلت في انفتاحها على سورية، وعلاقات تتيح فرص عمل لأبنائها كما في ليبيا سابقاً، وجذب للاستثمارات كما تحاول مع دول الخليج. فمثل هذا الخيار كانت له الأولوية لدى أنقرة على المسائل السياسية، معتبرة أن بناء العلاقات على المصالح الاقتصادية والخطط التنموية من شأنه أن يمهد أرضاً صالحة لأدوار سياسية إذا اقتضتها الضرورة. كان هناك شيء من الاستفادة من المفهوم الصيني لإنهاض الاقتصاد بمقدار ما كانت هناك قراءة جديدة جداً لما يمكن أن يكون عليه دور تركيا في المنطقة بمعزل عن رواسب الماضيين القريب والأبعد. وهي وصفة شهدت بداية نجاح، ولا تزال مؤهلة للتطبيق، ولو أن التطورات لم تتح لها أن تستمر لتتوصل إلى النتائج المتوخاة.

على أساس هذا المفهوم الأوغلوي – نسبة الى وزير الخارجية أحمد داود أوغلو- ارتسمت المصلحة المشتركة بين تركيا ودول الخليج، ووجدت لها معادلة بالغة الأهمية. فتركيا تستورد 90% من حاجتها إلى الطاقة، أي النفط والغاز ومشتقاتهما، ودول الخليج تستورد نحو 90% مما تستهلكه من مواد غذائية. وتركيا لديها مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية غير المستغلة، ومنذ استفحال أزمة الغذاء عالمياً تصاعد اهتمام دول الخليج بالاستثمار في القطاعات الزراعية في عدد من الدول لتتمكن من تلبية حاجاتها. يضاف إلى ذلك أيضاً أن تركيا باتت منافساً عالمياً في الصناعات الصغيرة والمتوسطة، كماً وجودة، وهي تتطلع إلى التمتع بموقع جيد في الأسواق الخليجية. كل ذلك يوفر الأسس والخطوط العريضة لعلاقة مصالح متبادلة تنتظر الإرادة السياسية لوضعها على سكة سالكة. صحيح أن الجانبين دخلا في مفاوضات حول مناطق تجارة حرة، وأن الجانب الخليجي جمد هذه المفاوضات قبل شهور، إلا أن هذا يحصل بين مختلف الشركاء، فهو ليس دليل فشل وانسداد، فلكل مفاوضات من هذا النوع معضلاتها وتعقيداتها، ولا بد من الوقت للتغلب عليها.

نأتي الى المستوى الجيو-سياسي لهذا الحوار التركي– الخليجي، وهو بات محكوماً بالتحولات الحاصلة في عموم العالم العربي وفي البيئة الخليجية. فالقاعدة التي ينطلق منها الطرفان تتمثل في توقهما إلى إدامة الاستقرار وتأمين شبكة أمان له، وهما يعيشان على تخوم ثلاث بؤر متوترة: إيران والعراق وسورية. لذلك فإن حوارهما لا بد أن يتوصل إلى تفاهمات وقواسم مشتركة، سواء أكان ذلك في المفاهيم العامة أم في ردود الفعل المحتملة لمواجهة الأحداث.

وعلى الرغم من أن الحكم في تركيا يستند إلى حزب له رؤية ومنهج عمل من منظور الإسلام السياسي، فإنه لم يُخضِع سياسته الخارجية لأي قيود أيديولوجية. ومن هذا المنطلق أقام علاقات بحد أدنى من المشكلات مع العراق، كما كانت له أفضل العلاقات مع سورية وايران. لكن انقلاب الأوضاع في بغداد غداة انسحاب الأمريكيين دفع أنقرة إلى إعلاء صوتها للتحذير من احتمالات الحرب الأهلية والتقسيم، وكذلك ضد تسلط فئة على فئة. أما بالنسبة إلى إيران وسورية وتحالفهما فاتبعت تركيا سياسة مركبة؛ إذ عارضت بقوة الحل الأمني القمعي الذي نهجه النظام السوري، وبذلت أقصى جهد لنصحه قبل أن تنفض يدها منه. وفي الوقت نفسه أبدت كل استعداد لمساعدة إيران في الوصول إلى حل ملائم لأزمتها المتجددة مع الدول الغربية عل خلفية برنامجها النووي. غير أن تداخل الازمتين السورية والإيرانية ما لبث أن انعكس على القدرات الدبلوماسية لتركيا؛ اذ وجدت نفسها من جهة مضطرة للتحرك إزاء المنحى التصعيدي الذي اتخذته المواجهة في سورية واندفاع النظام أكثر فأكثر نحو الحسم العسكري، الذي يعني ارتكاب مجازر كبيرة. من جهة أخرى تواجه تركيا مشكلة، مع اتجاه الدول الغربية إلى فرض مزيد من العقوبات على إيران، خصوصاً على قطاع النفط، فهي تستورد منها معظم حاجتها إلى الوقود. ولم تخلُ علاقة أنقرة وطهران من بعض التوتر بسبب تناقض مواقفهما إزاء الوضع السوري، غير أن أنقرة لا تبدو مقبلة على الاكتفاء بالتفرج، بل هي على العكس مرشحة لدور متقدم وبالغ الخطورة للتدخل في سورية من ضمن تحالف دولي انطلاقاً من أراضيها.

في المقابل، كانت دول الخليج، ولا تزال، تقود عملياً الدور العربي في معالجة الأزمة السورية، ثم إنها أعربت عن رغبة في رؤية عراق مستقر، فيما تراقب عن كثب تطورات التجاذب الدولي– الإيراني بشأن العقوبات على النفط؛ إذ استعدت السعودية لتعويض أي نقص في الإمدادات. وهكذا أدت الظروف دورها في تقاطع المصالح والأهداف الاستراتيجية بين دول الخليج وتركيا إلى حد جعل الخبراء يعتبرون أن دوريهما متكاملان ومتفاعلان، ليس فقط فيما يمكن عمله، وإنما في كون الطرفين يضعان استقرار المنطقة في طليعة اهتماماتهما، ولن يدخرا جهداً في صونه والحفاظ عليه.

Share