الحوار الاستراتيجي العراقي – الأمريكي.. تعزيز المصالح مقابل تلبية الاحتياجات

  • 13 يونيو 2020

سبعة عشر عاماً مرّت على غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، وما زالت أرض الرافدين التي شهدت سنّ أول القوانين الناظمة للعلاقات الإنسانية تعاني تبعات وآثار ذلك الغزو الذي تسبب في إزهاق أرواح ما يزيد عن 2.4 مليون من أبنائها، وألحق أضراراً فادحة تقدّر بمئات مليارات الدولارات بكل قطاعات الاقتصاد والبنى التحتية وأحدث انهياراً شبه شامل في مستوى معيشة الإنسان فيها.
على الرغم من أن الولايات المتحدة قد انسحبت ظاهرياً من العراق في عام 2011، إلا أنه ما زال يشكل بالنسبة لها نقطة ارتكاز أساسية واستراتيجية لإدارة وتوجيه سياساتها وأنشطتها على الصعيدين الإقليمي والدولي، وقاعدة لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها إذا ما أرادت أن تظل لها اليد الطولى في صناعة وتوجيه المشهد العالمي، وذلك نظراً لمجموعة من العوامل أهمها موقعه الاستراتيجي وامتلاكه ثاني أكبر احتياطي نفطي مثبت على مستوى العالم بعد المملكة العربية السعودية، وضرورات الوجود فيه للمحافظة على أمن إسرائيل حليفها الأساسي في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن أهميته في استراتيجيتها لمواجهة مدّ النفوذ الروسي المتنامي في المنطقة، خصوصاً بعد تدخل موسكو في سوريا التي باتت منطقة نفوذ خالصة لها.
أمام كل هذه المعطيات التي تقابلها معطيات عراقية، أهمها المزاج العام الرافض للوجود الأمريكي المباشر، والضغط الواقع على الحكومة والنظام الرسمي للحد من النفوذ الأجنبي بشتى صوره وأشكاله في توجيه وصناعة القرار، خصوصاً بعد موجة الاحتجاجات التي شهدتها مختلف أنحاء البلاد أواخر العام الماضي وتوحّدت فيها كل أطياف الشعب العراقي خلف مطالب موحدة كان في مقدمتها رفض أي تدخلات أجنبية في الشؤون العراقية، وجد الطرفان الأمريكي والعراقي أن هناك ضرورة لإعادة صياغة العلاقة بينهما على أسس ومعايير جديدة تأخذ في الحسبان مصالح الطرفين واحتياجاتهما وتحافظ في الوقت نفسه على التقدم الذي تحقق في إطار ترابط وتشابك العلاقات بينهما.
الطرفان أطلقا اعتباراً من يوم الأربعاء الماضي 10 يونيو 2020 حواراً استراتيجياً الهدف منه مناقشة كل الملفات الشائكة في علاقاتهما والخروج بحلول تضمن لكل منهما الحدود الدنيا من مصالحه، ووضع أسس جديدة لهذه العلاقات تحفظ ماء الوجه للنخبة السياسية العراقية عبر تحقيق واحد من المطالب الرئيسية للحراك الشعبي وللقوى الشيعية الموالية لإيران التي كثفت مطالبها بهذا الخصوص عقب اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني الجنرال قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية أبو مهدي المهندس، وتكفل للجانب الأمريكي استمرار نفوذه وتخلصه من الكثير من الأعباء التي يتطلبها الوجود المباشر الذي بات يشكل عبئاً كبيراً عليه من الناحيتين الاقتصادية والبشرية.
المصالح الاستراتيجية الأمريكية في العراق تتضمن أربعة عناصر رئيسية يضم كل منها عناصر فرعية كثيرة في إطاره، وهي مواجهة النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة، وكبح جماح طموحات طهران الساعية للتحول إلى قوة مهيمنة في الإقليم، والتصدي لتنظيم داعش والتنظيمات الأصولية الأخرى التي ما زالت تشكل تهديداً جدياً للأمن والاستقرار في المنطقة ولمصالح الولايات المتحدة فيها، وضمان وصولها إلى النفط العراقي باستمرار ودون عوائق، والاحتفاظ بالعراق ضمن دائرة نفوذها في إطار صراعات النفوذ بين القوى العظمى.
وعلى الجانب الآخر يمكن تلخيص المصالح العراقية في ثلاثة جوانب رئيسية هي: الجانب الأمني وحاجة الدولة إلى الدعم الأمريكي في تدريب الجيش وقوات الأمن، من ناحية، وفي تتبع ومواجهة محاولات تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المسلحة استعادة نشاطها ونفوذها من ناحية ثانية، والجانب السياسي الذي يبرز بوضوح من خلال حاجة الحكومة العراقية إلى تدعيم شرعيتها وزيادة شعبيتها من خلال التوصل إلى ترتيبات مع الجانب الأمريكي لوقف استخدام الأراضي العراقي كمسرح للصراع مع إيران، وكذلك بناء تحالف مع الولايات المتحدة يساعد العراق على المحافظة على وحدة أراضيه في مواجهة الطموحات الانفصالية للأكراد في مناطقه الشمالية، ويدعم مساعيه لاستعادة دوره الإقليمي وتحقيق طموحاته الاقتصادية.
الحوار الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة هو أسلوب للعودة من النافذة بعد الخروج من الباب، بينما هو فرصة سانحة للحكومة العراقية ستعود على بلادها بمنافع كبيرة في حال تم استغلالها بشكل جيد، ووفقاً للبوصلة العراقية الدقيقة، والنجاح فيه مرهون بقدرتها على توحيد الشعب العراقي بكل أطيافه على رؤية واحدة تقوم على أساس وطني جامع يلغي التمييز الطائفي ويساوي بين مكوناته، بحيث يقف خلفها باعتباره المصدر الأساسي الذي يجب أن تستمد منه الدعم والمساندة والشرعية الحقيقية، من جانب وبترميم وتعزيز علاقتها مع الجوار العربي والانفتاح عليه بشكل أكبر باعتباره عمقها الاستراتيجي ومحيطها الذي لا يمكن لها أن تتنفس بشكل طبيعي من دونه.

Share