الحوار الأمني بين الولايات المتحدة والخليج

د. كينيث كاتزمان: الحوار الأمني بين الولايات المتحدة والخليج

  • 22 مارس 2007

يحظى خليج ما بعد "صدام حسين" باستقرار أقل كثيراً مما توقعته الولايات المتحدة في بادىء الأمر، ولذلك تسعى إدارة "بوش" إلى صياغة استراتيجية جديدة لتجنب حدوث المزيد من الاختلال في ميزان النفوذ لصالح إيران بهذه المنطقة. ولعل التحديات التي صُممت لكي تواجهها هذه المبادرة الأمنية الجديدة، والتي يطلق عليها حالياً عبارة "الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي" أصبحت معروفة جيداً للجميع، فالعراق تجتاحه حالة حرب أهلية، ونفوذ إيران في تعاظم مستمر، ليس فقط في منطقة الخليج بل أيضاً في العراق ولبنان وأفغانستان. وبالتالي فإن هذا الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي يمكن أن يشكل رداً مشروعاً وملائماً، بل وربما يكون فعالاً في مواجهة هذه التطورات، بالنظر إلى  أن المبادرة تعول على العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي تتيح للولايات المتحدة أن تواصل عملياتها العسكرية في العراق وتسهل كذلك عملياتها الجارية في أفغانستان. غير أن هذه المبادرة المصحوبة بتكثيف انتشار القوات الأمريكية في منطقة الخليج أثارت الجدل والشكوك في طهران بشأن مدة حكمة الرئيس "محمود أحمدي نجاد" في مواصلة تحديه الصارخ للولايات المتحدة والمجتمع الدولي.

ومن المرجح أن يثبت هذا الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي جدواه بالنظر إلى حقيقة أن دول الخليج مثلها مثل الولايات المتحدة تريد أن تحد من النفوذ الإيراني في المنطقة. ومع ذلك فإن دول الخليج العربية قد لا تؤيد هذا الحوار بشكل صريح وإنما بشكل ضمني بسبب قلقها من احتمال الدخول في مواجهة مع إيران إذا حدث وقامت الولايات المتحدة بتخفيض وجودها العسكري في منطقة الخليج مستقبلاً. كما أن دول الخليج تخشى دائماً من احتمال قيام الولايات المتحدة بتغيير سياستها تجاه إيران والقبول بسياسة الحوار والتعاون معها، كما سبق أن فعلت عندما وافقت على حضور المؤتمر الإقليمي حول العراق في بغداد الذي عقد يوم 10 مارس/آذار 2007 وحضرته إيران أيضاً.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم الإعلان عن بدء هذا الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي في منتصف عام 2006 من جانب وزارة الخارجية الأمريكية، وتحديداً مكتب الشؤون السياسية والعسكرية التابع للوزارة. وفي 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 تحدث أمين مساعد الشؤون السياسية والعسكرية في الوزارة "جون هيلين" عن هذه المبادرة في مقابلة صحفية، قائلاً: "نحن نريد أن يكون لدى أصدقائنا في المنطقة مزيد من وسائل وقدرات الأمن البحري الراسخ؛ لأن هذا من شأنه تعزيز الأمن في المجالات الأخرى والتي تشمل الدفاع الصاروخي والدفاع الجوي … إن المبادرة معنية بتعزيز قدرات  حلفاء الولايات المتحدة أكثر مما هي معنية بوجود القوات الأمريكية في المنطقة.. كما أن الدفاع الجوي يشكل أهمية في هذه المنطقة على أساس أنه من الأرجح أن تأخذ التهديدات الجديدة شكل الضربات الصاروخية، والتي ربما تطلق من جانب الإرهابيين على عكس المعارك العسكرية التقليدية التي يتم فيها استخدام الدبابات والطائرات وأساطيل السفن".

وقد أثار تركيز هذا الحوار الأمني على تعزيز قدرات دول الخليج العسكرية والدفاعية التكهنات من جديد حول مبيعات الأسلحة الضخمة إلى هذه الدول. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2006 ذكر مسؤول وزارة الدفاع الامريكية المكلف بإدارة مبيعات الأسلحة الرسمية للدول الأجنبية ومدير وكالة التعاون الأمني والدفاع، الجنرال "جيفري كوهلر" أن هذه المبادرة الأمنية سوف تحرك على الأرجح صفقات الأسلحة إلى  دول الخليج خلال عام 2007.

وحسب إفادات "كوهلر" فإن تطوير قدرات الدفاع الصاروخي لهذه الدول من خلال صفقات يتم بموجبها تزويدهم بصواريخ باتريوت ذات القدرات المتطورة (PAC-3) هو أمر تجري دراسته بجدية. ومن ضمن صفقات الأسلحة المحتملة التي ذكرها "كوهلر" معدات أمن الحدود والأمن البحري، والتي تشمل أجهزة الرادار وأجهزة الاتصالات.

لقد ناقش "هيلين" وغيره من مسؤولي الإدارة الأمريكية خلال زياراتهم إلى المنطقة عام 2006 للحصول على موافقة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية على المبادرة، ليس فقط فكرة تعزيز قدرات هذه الدول البحرية والعسكرية، بل قاموا أيضاً، حسبما تردد من إفادات، بحثّ دول المجلس على إغلاق الشركات الإيرانية الموجودة على أراضيها، والتي ربما يتم استخدامها في شراء تكنولوجيا أسلحة التدمير الشامل. كما أن هناك جانباً آخر للمبادرة، حسب إفادات المراقبين، وهو مراقبة البضائع التي يتم شحنها إلى إيران؛ حيث نجحت الإدارة الأمريكية في إقناع ثلاث دول خليجية بإرسال مراقبين منها للمشاركة في تدريبات بحرية أجريت في الخليج في أكتوبر/تشرين الأول 2006 وتم تنظيمها ضمن مبادرة "برنامج الانتشار الأمني"، وهو برنامج بدأ في عام 2003 لاعتراض السفن التي تحمل أسلحة التدمير الشامل والصواريخ.

ويلاحظ أن هذه المبادرة الخاصة بالحوار الأمني الخليجي-الأمريكي تشكل في جوهرها إحياءً لفكرة التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، والتي كانت قد طرحت خلال فترة إدارة "كلينتون"، ولكنها أخذت في التراخي منذ ذاك الوقت، بعد أن ركزت الولايات المتحدة جهودها على حروب ما بعد 11 سبتمبر في كل من أفغانستان والعراق. ويركز هذا الحوار بالأساس على تطوير القدرات العسكرية البحرية والجوية لدول المجلس، والتعاون معها في هذا الشأن دون التركيز على القوات البرية استناداً إلى قناعة مؤداها أن الهجمات البحرية والجوية هي التهديد الأكثر خطورة بعد أن تراجعت فكرة استخدام القوات البرية مثلما فعل العراق إبان حكم "صدام حسين" ولم تعد أمراً عملياً. كما أن القوة المتعددة الأطراف المحدودة التي شكلتها دول المجلس ويبلغ قوامها نحو 10.000 جندي، والمعروفة باسم قوة "درع الجزيرة" والتي تم تشكيلها عام 1981 واجهت صعوبات عديدة في مجالي التنسيق والسيطرة . ولم تقم هذه القوة المتمركزة في منطقة حفر الباطن شمال المملكة العربية السعودية بدور عسكري مؤثر في مواجهة الغزو العراقي للكويت عام 1990. وبعد تلك الحرب حال نقص القوة البشرية والخلافات على قيادة هذه القوة دون الموافقة على الاقتراح العُماني بتعزيزها وزيادة قوامها إلى 100.000 جندي، رغم أن دول المجلس كانت قد اتفقت بشكل مبدئي في سبتمبر/أيلول 2000 على زيادة حجمها إلى 22000 جندي، ولكن لم يتم وضع جدول زمني لبلوغ هذا العدد. كما تراخى حماس الولايات المتحدة لفكرة إرساء تعاون وثيق بين القوات البرية الخليجية بعد سقوط صدام حسين، ليس فقط بسبب القضاء على معظم القوات التقليدية العراقية في حرب 2003، ولكن أيضا لقناعة الإدارة الأمريكية بأن إيران لن تفكر في القيام بغزو بري لهذه الدول. وانتهى الأمر في قمة مجلس التعاون الخليجي التي عقدت في ديسمبر/كانون الأول 2005، بإعلان زعماء دول الخليج تأييدهم للاقتراح السعودي القاضي بإعادة نشر قوات درع الجزيرة الإضافية وإعادتها إلى  بلادها، مع الاستمرار في تدريبها وتعزيز قدراتها القتالية حتى تكون جاهزة للاستعانة بها في أوقات الأزمات.

إن مبادرة الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي في تركيزها على مواجهة القوة الجوية والبحرية الإيرانية وغيرها من تهديدات أسلحة التدمير الشامل المحتملة إنما تعول على مبادرة التعاون الدفاعي التي أطلقتها من قبل إدارة "كلينتون"، والتي تقوم بدورها على تعزيز دفاعات دول مجلس التعاون الخليجي بدعم من الولايات المتحدة. وفي ظل تلك المبادرة افتتحت دول المجلس في مطلع عام 2001 شبكة "نطاق التعاون" للاشتراك معاً في رصد الطائرات وتنسيق نظم الدفاع الجوي التي أنشأها "رايثيون". وهناك جانب آخر لتلك المبادرة المبكرة التي يعلق عليها حوار الأمن الخليجي-الأمريكي أهمية خاصة، وهو التدريب الأمريكي-الخليجي المشترك للتصدي لأية هجمات كيماوية أو بيولوجية، وكذلك لإجراء مزيد من التدريبات والتمارين العسكرية المشتركة.

وتعد مبادرة التعاون الدفاعي في حد ذاتها نسخة منقولة من تفكير أمريكي سابق لتطوير ونشر نظام دفاع صاروخي على نطاق واسع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وكانت الفكرة الأصلية تخطط لنظام يتم في ظله تمركز العناصر المستقلة  (التي تشمل نظم الاستكشاف وصواريخ الاعتراض وغيرها من المعدات) في شبكة دفاع عسكري واحدة في دول المجلس الست. وقد ألحق هذا المفهوم بدول المجلس قيوداً مالية وأحدث تبايناً في وجهات نظر دول الخليج حول طبيعة التهديدات المحتملة. وربما يتم إحياء مفهوم الدفاع الصاروخي المشترك من خلال الحوار الأمني الخليجي-الأمريكي رداً على القدرات الصاروخية الإيرانية المتنامية.

Share