الحملة الإسرائيلية على جمعيات حماس في الضفة الغربية

إبراهيم عبدالكريم: الحملة الإسرائيلية على جمعيات حماس في الضفة الغربية

  • 29 يوليو 2008

ترسِّخ التقارير المصوَّرة التي قدّمتها القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، مؤخراً، حول اقتحام قوات الاحتلال مقار العديد من الجمعيات والمؤسسات المدنية الفلسطينية في الضفة الغربية، انطباعاً عميقاً في ذهن المشاهد بأن الأمر يتعلق بعمليات حربية، لا تختلف عمّا كان يجري خلال سنوات القمع الإسرائيلي للانتفاضة الثانية.. فماذا عن طبيعة هذه العمليات؟ وما هي أهدافها؟ وكيف تبدو التفاعلات المتعلقة بها؟

الحدث الجديد بدأ منذ قيام وزير الدفاع الإسرائيلي "إيهود باراك" بتوقيع أمر في 7 يوليو/تموز 2008 يعتبر فيه 36 جمعية خيرية إسلامية تعمل في الضفة الغربية وخارجها "تنظيمات محظورة"، بذريعة انتمائها إلى هيئة "ائتلاف الخير" التي تأسست عام 2001 لنقل المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في عهد انتفاضة الأقصى، والتي حظرتها الحكومة الإسرائيلية عام 2002، ووصفتها بأنها تشكّل جزءاً من شبكة عالمية لجمع الأموال لمصلحة حركة "حماس".

وينضمّ هذا الأمر، الذي يعدّ الأوسع في السنوات الأخيرة،  إلى سلسلة أحكام سابقة ضدّ منظمات خيرية خارجية، تضم أكثر من عشرة صناديق في كل أرجاء العالم، ولا سيما في دول الخليج وأوروبا والأمريكيتين، قامت بتحويل عشرات الملايين من الدولارات سنوياً إلى جمعيات محلية اُعتبرت تابعة لحركة "حماس". وحسب معلومات نقلتها المخابرات الإسرائيلية إلى وزير الدفاع، بلغت قيمة الأموال التي تم تحويلها عام 2007 إلى هذه الجمعيات نحو 120 مليون دولار.

واستعداداً لشن الحرب على جمعيات "حماس"، تم تشكيل طاقم خاص لهذا الغرض في قيادة المنطقة الوسطى، بمبادرة من قائد المنطقة اللواء "جادي شمني"، شارك فيه ممثلون من جهاز الأمن العام (الشاباك) والإدارة المدنية والشرطة، كما تم تزويد هذا الطاقم بأنظمة وتعليمات ومعطيات مهمة من جهات مختلفة، وأُلحق به عدد من الخبراء المتخصصين بما يسمى "مكافحة أموال الإرهاب".

ومنذ صدور الأمر الجديد لوزير الدفاع، راحت قوات الاحتلال تنفذ خطة واسعة النطاق، بموافقة رئيس الحكومة "إيهود أولمرت"، وبإشراف رئيس أركان الجيش "جابي أشكينازي"، ومشاركة رئيس "الشاباك" "يوفال ديسكين"، لضرب البنية المدنية لحركة "حماس" في مختلف مناطق الضفة الغربية، عبر استهداف عشرات المؤسسات والجمعيات المدنية والمصالح التجارية التي يعتبرها الاحتلال مقربة من الحركة، بما في ذلك؛ إغلاق مدارس وحضانات ومراكز صحية ودور أيتام وجمعيات لرعاية أسر الشهداء والأسرى والمعوقين ومؤسسات مالية ومصالح تجارية ومراكز خدمات اجتماعية، ومصادرة أملاكها ووضع اليد على الحواسيب والبيانات التي توثق أعمالها. وخلال تنفيذ حملات الدهم كثيراً ما كان جنود الاحتلال يقومون بسرقة الأموال من المؤسسات والمنازل التي يدخلونها. وجاءت هذه الخطة، التي ركزت على منطقة نابلس، استكمالاً لحملة بدأت منذ أوائل هذا العام في مناطق الخليل وقلقيلية ورام الله. وقد اجترّت قوات الاحتلال الادعاء بأن إغلاق هذه المؤسسات يحرم "حماس" من "أموال مخصصة للإرهاب".

بمنظور واسع، من المؤكد أن الخطة الإسرائيلية الجديدة تنتمي إلى نهج إسرائيلي يقوم على وضع العقبات أمام مساعي حركة "حماس" لزيادة نفوذها في الضفة الغربية، انطلاقاً من الإدراك الإسرائيلي بأن الحركة تحظى بالشعبية المتزايدة، وأن مطاردة المصادر المالية لها تعدّ وسيلة مهمة للغاية لإعاقة تطور الحركة والمس بقدرتها على توسيع دائرة مؤيديها.

وفي الإطار ذاته، عمدت السلطات الإسرائيلية إلى فحص المنظومات المصرفية الخارجية المرتبطة مع المؤسسات المالية في إسرائيل، لتحري احتمال تمرير الأموال عن طريقها، تحت أسماء وأغراض مغايرة لأهدافها الأصلية. ويستند التوجه الإسرائيلي في هذا المنحى إلى تقديرات بأن "حماس" أنشأت في الضفة في السنوات الأخيرة "شبكة تنظيمية مترابطة"، سيكون ممكناً عبرها انتزاع السيطرة في الضفة من السلطة الفلسطينية، وإقامة "دولة حماس الثانية" في الوقت المناسب.

ولكن هل تتمكن إسرائيل من تحطيم جسور "حماس" وتخريب قنواتها المالية واللوجيستية؟.. في ضوء التجربة الغنية التي امتلكتها "حماس"، ثمة ما يستدعى الاعتقاد بأن الجمعيات الخيرية وجدت دوماً السبيل للعثور على مسارب خفية لتلقي المساعدة اللازمة لها. وتبيَّن حالات كثيرة أن القدرة الإسرائيلية على مراقبة نقل الأموال إلى هذه الجمعيات كانت محدودة، فالأموال التي ترسل من الدول العربية إلى المناطق الفلسطينية، وإن كانت تمر عبر مرشِّحات إسرائيلية من خلال ثلاثة مصارف، إلا أنه يمكن ببساطة صياغة أسماء جديدة لهذه الجمعيات أو نقل الأموال يدوياً. وبشأن الجوانب الميدانية، تبيَّن مفردات الأداء العملي لمؤسسات "حماس" أنه من المتعذر على سلطات الاحتلال اجتثاث البنية التحتية لهذه المؤسسات، بفضل تعدد الطرق المبتكرة لنشاطاتها، ولا سيما أنها أخذت بالتركيز على القنوات الفردية والعائلية والمنزلية.

وأمام العجز الإسرائيلي عن إطباق الحصار على مؤسسات "حماس"، برزت محاولات إسرائيلية لتوجيه اللوم للسلطة الفلسطينية، لعدم قيامها بدور مساعد لإسرائيل في هذا الأمر. وتأخذ إسرائيل على السلطة عدم تعاونها ومحدودية نجاعتها في مراقبة حركة الأموال في المصارف، وامتناع السلطة عن إنشاء "صندوق نظيف" -بالوصف الإسرائيلي- يتلقى المال من مصادر مسموح بها.

هنا يمكن معالجة المسألة انطلاقاً من تكوين صورة عن موقف السلطة الفلسطينية إزاء الحرب الإسرائيلية على "حماس" ومؤسساتها. ويستطيع المتابع تحديد اتجاهين لهذا الموقف؛ أولهما: أن السلطة الفلسطينية معنية من حيث المبدأ بإخضاع مؤسسات "حماس" للقوانين والأنظمة السائدة فيها، وتحجيم أي نشاط سياسي واجتماعي للحركة لا ينسجم مع التوجهات العامة التي سبق أن تم الاتفاق عليها في "اتفاق مكة" وبرنامج "حكومة الوحدة الوطنية". والثاني، أن السلطة الفلسطينية لا يمكن أن تقبل على نفسها التعاون مع إسرائيل في هذا المجال، ليس فقط لأن نشاط الجمعيات والمؤسسات المستهدفة يخفف عن السلطة أعباء ومسؤوليات تقع على عاتقها، وإنما لأن السلطة ترفض حرمان الفلسطينيين من خدمات وأنشطة متعددة المجالات تقوم بها جمعيات تعمل بصورة شرعية في مناطق السلطة.

وعلى الرغم من الإغراء الذي يقدمه تقليم أظافر "حماس" في الضفة، فإن هناك ظاهرة في غاية الأهمية يسجلها المراقبون للسلطة الفلسطينية، تتجلى بتضامنها مع غالبية المؤسسات والجمعيات التي تعرضت للقمع الإسرائيلي، والتشجيع على الصمود وعدم الانصياع لأوامر الجيش الإسرائيلي، وتوفير الدعم للمتضررين من الإجراءات الإسرائيلية، والحكم على هذه الإجراءات بأنها تصب في إطار سياسة العقاب الجماعي المحرّمة وفق القانون الدولي الإنساني، بخاصة أن تلك المؤسسات تقدم مساعدات إنسانية للعائلات الفلسطينية المحتاجة في ظل زيادة معدلات الفقر في المجتمع الفلسطيني، فضلاً عن اعتبار الحملة الجديدة لقوات الاحتلال في مناطق السلطة الفلسطينية أنها تشكل استهدافاً للسلطة ذاتها ولمكانتها ومصداقيتها لدى الجماهير الفلسطينية.

حين يؤخذ هذا المعطى ودلالاته في الاعتبار، من المرجح أن تستفيد "حماس" ومؤسساتها من الموقف الذي اتخذته السلطة الفلسطينية، بما يغذي حوافز التفاهم والحوار والحرص على تطويق الخلافات والانقسام، في منحى استعادة الوحدة الوطنية، وحشد المزيد من القوى في مواجهة الاحتلال.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات