الحملات الشعبية الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية: الدلالات والجدوى

  • 29 أبريل 2012

كانت حملة التضامن الدولية التي شكلها بعض النشطاء الأجانب مع الفلسطينيين، في منتصف نيسان/ أبريل الجاري (2012)، تحت شعار "مرحباً بكم في فلسطين"، بمنزلة إلقاء حجر في مياه الصمت واللامبالاة الدولية الراكدة إزاء القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من أن السلطات الإسرائيلية نجحت إلى حد ما في إحباط هذه الحملة، فإن الهدف منها تحقق في تذكير الرأي العام العالمي بمعاناة الشعب الفلسطيني المستمرة؛ حيث احتلت هذه الحملة والجهود الإسرائيلية لإفشالها عناوين رئيسية في وسائل الإعلام الدولية المختلفة، وأحدثت تفاعلات مهمة، محلياً وإقليمياً ودولياً.

وطالما أن هذا الحدث ينتمي إلى ظاهرة الحملات الشعبية الدولية الداعمة للحقوق الفلسطينية، يصبح من المهم الإشارة إلى جذور هذه الحملات وأهدافها. فالمهمة الرئيسية لهذه الحملات تتمثل في توعية الرأي العام العالمي بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والتضامن معه في مواجهة الأعمال القمعية والتعسفية التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بحقه. وهذا الهدف اكتسب أهمية متزايدة في ضوء عاملين، الأول هو الموقف السلبي الذي تبناه المجتمع الدولي بشكل عام، ومجلس الأمن الدولي بشكل خاص، تجاه معاناة الشعب الفلسطيني؛ والثاني، هو نجاح الحملات الإعلامية الصهيونية في إقناع قطاعات مهمة من الرأي العام الغربي بأن الممارسات القمعية الإسرائيلية ضرورية بوصفها وسيلة للدفاع عن النفس ومواجهة جماعات متطرفة تريد تدمير إسرائيل. وبالتالي فإن حملات التضامن الشعبي الدولي مع الفلسطينيين يمكنها أن تؤدي دوراً، ولو محدوداً، في التصدي لهذه الحملات وتشكيل رأي عالمي ضاغط للدفاع عن حقوق الفلسطينيين.

وقد أخذت طليعة هذه الحملات تتبلور تدريجياً مع تزايد معاناة الفلسطينيين جراء الاحتلال، وتوّجت تنظيمياً منذ اثني عشر عاماً، أي مع انطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية؛ حيث ظهرت "حركة التضامن الدولي"( The International Solidarity Movement – ISM )، بمبادرة من أدام شابيرو، وهو يهودي (من بروكلين) معاد للصهيونية والاحتلال، وبمشاركة زوجته الفلسطينية عفاف هويدي. وجرى وضع مبادئ وتوجهات لهذه الحركة يُفهم منها أنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي بطريقة لاعنفية، عبر المشاركة الإعلامية والبحثية والتوثيقية، وحتى الفعلية المباشرة، في التصدي لإجراءات الاحتلال وقواته ومستوطنيه، وفضح السياسات والانتهاكات الإسرائيلية للحقوق الفلسطينية، والدعوة إلى تطبيق قرارات الشرعية الدولية، والعمل على تفعيل دور الشعوب للضغط من أجل تطبيق تلك القرارات. وقد نمت هذه الحركة وافتتحت فروعاً لها في أوروبا والولايات المتحدة، وكان هناك دور بارز في اتساعها للجاليات الفلسطينية في الشتات ولهيئات فلسطينية في الوطن.

وعلى هذه الخلفية اتخذت إسرائيل موقفاً عدائياً من حركة التضامن الدولية، واتهمتها بأنها "قوة متطرفة تشارك في تقديم المساعدة للإرهاب"، وتؤيد بشكل معلن وصريح الكفاح المسلح للفلسطينيين، وتنطلق من دوافع "لاسامية". ورغم ذلك، تمكنت الحركة من حشد عدد كبير نسبياً من الناشطين الدوليين، وأسهمت بصورة فعالة في تغذية موجة الانتقادات والمقاطعة لإسرائيل. وكان من الخطوات النوعية التي اتخذتها؛ تنفيذ فعاليات تضامنية ميدانية مع الفلسطينيين، وتنظيم حملة "مرحباً بكم في فلسطين" الأخيرة، بالتعاون مع رابطة أصدقاء فلسطين في أوروبا وشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية، وسواهما.

وتحتفظ الذاكرة الفلسطينية والعربية والعالمية بوميض الشهداء الذين ينتمون إلى "حركة التضامن الدولية"، وسقطوا دفاعاً عن الشعب الفلسطيني، ومنهم: الأمريكية راشيل كوري التي مزقتها سلاسل الجرافة الإسرائيلية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، والبريطاني توم هندورال الذي قتل برصاص الاحتلال- وهو يدافع عن تلاميذ رفح، وفيتوريو أريغوني الذي كافح من أجل فك الحصار الظالم على القطاع. وجوليانو خميس الذي استشهد في جنين. كما تحفظ الذاكرة الفلسطينية والعالمية شهداء السفينة التركية "مرمرة" في مايو 2010، والتي كانت ضمن قافلة الحرية، التي ضمت ناشطين من المجتمع المدني من جنسيات مختلفة، وكانت في طريقها إلى غزة لكسر الحصار المفروض عليها، قبل أن تتصدى لهم قوات البحرية الإسرائيلية بعنف شديد تسبب في مقتل 19 ناشطاً، منهم تسعة أتراك، وإصابة 26 آخرين، وهو الأمر الذي تسبب في أزمة دبلوماسية حادة بين تركيا وإسرائيل مازالت تبعاتها قائمة حتى اليوم. وغير ذلك الكثير من المتضامنين الشهداء والجرحى، الذين تطول قائمة أسمائهم.

وقد قامت حملة هذا العام "مرحباً بكم في فلسطين"، على فكرة بسيطة مؤداها قيام مجموعات دولية من الناشطين بالسفر من مطارات عدة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها إلى مطار بن غوريون (اللد)، للتوجه منه إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، والقيام بتدشين أول مدرسة دولية ومتحف في بيت لحم. وضم مشروع الحملة نحو 1500 ناشط. لكن إسرائيل شنّت عملية مضادة باسم "فضاء محمي/2"، لمنع النشطاء من الدخول، سواء بترحيل من اكتشف أمره لدى وصوله إلى المطار، أم بالتنسيق مع شركات الطيران التي حجزوا على متنها لإلغاء الحجز، أو من خلال اتصالات مع دولهم لمنعهم من مغادرتها. حيث استنفرت حكومة إسرائيل سفاراتها، ومختلف الهيئات ذات الشأن للانخراط في هذه العملية المضادة.

وكإجراء فوري، وزعت السلطات الإسرائيلية على شركات الطيران الأوروبية والأمريكية "قائمة سوداء" بأسماء الناشطين المسجلين للمشاركة في الحملة لمنعهم من المجيء إلى مطار بن غوريون، وتم تعميم رسالة من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تتضمن إبلاغهم في المطار بأنهم مدرجون على قائمة الممنوعين من السفر إلى إسرائيل، بدعوى اعتزامهم "تعطيل النظام ومواجهة قوات الأمن عند نقاط الاحتكاك" في المطار والضفة الغربية. ولوحظ أن الضغوط الإسرائيلية قوبلت باستجابات فورية من الدول المعنية، ما أسهم في إجهاض هذه الحملة التضامنية الجديدة.

غير أن نحو عشرين متضامناً تمكنوا من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية، وكان واضحاً في التفكير الإسرائيلي الحرص على عدم تكرار سابقة "مرمرة" التركية، ووأد أي إنجاز إعلامي أو ميداني لمنظمي الحملة التضامنية الجديدة. لكن مقطع فيديو بثته القناة التلفزيونية الإسرائيلية العاشرة، ظهر فيه ضابط إسرائيلي برتبة مقدم يضرب ناشطاً دنماركياً بسلاحه قرب حاجز على الطريق بالقرب من قرية العوجا شمال أريحا في الضفة الغربية، كان أبلغ من كل الكلمات، وأحدث حالة مؤثرة من "الضرر الإعلامي" لصورة إسرائيل، باعتبار أن المضروب هو "شخص أشقر" أمام عدسات التصوير، وليس واحداً من مئات آلاف الفلسطينيين الذين يعتبر هذا المشهد مهملاً حين يكونون هم ضحيته.

وفي محاولة لإظهار الصورة "النزيهة" للمؤسسة الإسرائيلية، اعتمدت هذه المؤسسة صيغة "كبش الفداء"، فتم التشديد على أن رئيس الوزراء نتنياهو بنفسه شجب سلوك هذا الضابط، وأن رئيس الأركان بيني غانتس سارع إلى تجميده، ومنعه من شغل أي منصب قيادي مدة سنتين. لكن ذلك لم ينجح في محو الضرر الذي لحق بإسرائيل جراء السلوك الذي اعتمدته سلطاتها، كما برزت انتقادات داخلية طالت المجلس الوزاري المصغر ووزارة الأمن الداخلي وأجهزة المخابرات والهيئات العاملة على الساحة الدولية ووسائل الإعلام الإسرائيلية في كيفية إدارتها للأزمة، وكان هناك من أكد أن رفض السماح لناشطي حقوق الإنسان بالدخول إلى المناطق المحتلة يجسد عدم شرعية الاحتلال، وأنه كان يجب استقبال أولئك الناشطين بالورود.

وارتباطاً بهذا الحدث، من المهم التوقف عند دلالاته، ولاسيما خروج إسرائيل عن طورها لإحباط الحملة الجديدة، وظهورها كدولة هستيرية ضعيفة تخاف من الناشطين الدوليين وتسيء التعامل معهم، وهو ما يؤكد أن حملات التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني تربك إسرائيل وتزعجها، وهذا بحد ذاته إنجاز للحملة، ولاسيما أن ساحات المطارات العالمية صارت ميادين لمظاهرات تضامنية مع الشعب الفلسطيني.

غير أن جدوى هذه الحملات أبعد بكثير من التأثير اللحظي لهذه الحالة أو تلك؛ لأن ما يجري يساهم في كشف الوجه الحقيقي للاحتلال الإسرائيلي، وفي استقطاب الاهتمام الدولي لتعرية السياسات القمعية الإسرائيلية وإدانتها، والتعاطف مع معاناة الفلسطينيين، وتعزيز المطالب الشعبية الدولية بمقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها والتعامل معها كدولة خارجة على القانون، لردعها عما تقوم به في المناطق المحتلة. وغني عن البيان أن حشد الرأي العام الدولي والتعاطف الشعبي لصالح الفلسطينيين من شأنه أن يوجد – افتراضاً- قوة ضاغطة على المستوى الرسمي، لانتهاج سياسة متوازنة حيال صراع الفلسطينيين لنيل حقوقهم.

وإذا كانت إسرائيل قد نجحت في كبح موجة المتضامنين الأخيرة، فمن المؤكد أنها لن تتمكن من إنهاء حركة التضامن الدولية، ولن تستطيع إخماد رياح التأييد الشعبي الدولي للحقوق الفلسطينية. وكمؤشريْن في هذا الاتجاه؛ أعلن ناشطون فرنسيون تشكيل حركة تضامنية مع الشعب الفلسطيني، تحمل اسم "الحرية لفلسطين"، رداً على احتجازهم والتحقيق معهم في مطار بن غوريون. كما نُشرت معلومات تفيد بأن ناشطين فلسطينيين وأجانب يسعون إلى تنظيم حملة رابعة مماثلة، خلال شهر أغسطس/ آب القادم، كخطوة رمزية على مسار فضح إسرائيل كقوة استعمارية عنصرية. وقد وعد هؤلاء الناشطون بمفاجآت تخبئها الحملة المقبلة. ومرة أخرى ستكون الحملة الجديدة تحت العنوان نفسه؛ "مرحباً بكم في فلسطين".

Share