الحمائية ومخاطر أخرى تهدد التجارة العالمية

  • 24 أغسطس 2014

كان الهدف الأساسي لـ «الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة»، المعروفة باسم «الجات»، لدى توقيعها في أكتوبر عام 1947، هو تحرير التجارة العالمية، وقد أقرت الاتفاقية عدداً من المبادئ الواجب الالتزام بها لإدراك هذا الهدف، وكان «مبدأ المعاملة القومية» و«مبدأ الدولة الأولى بالرعاية»، على رأس تلك المبادئ، ووفقاً لـ «مبدأ المعاملة القومية» فعلى كل عضو بالاتفاقية معاملة السلع والخدمات المنتجة لدى الأعضاء الآخرين بالطريقة نفسها التي يعامل بها منتجاته المحلية، أما «مبدأ الدولة الأولى بالرعاية» فيفرض على أي عضو بالاتفاقية في حال منحه أفضلية ما لأي عضو آخر أن يمنح الأفضلية نفسها لباقي الدول الأعضاء.

وبرغم إقرار جميع الدول الأعضاء بهذه المبادئ، فلم يكن ذلك يمثل مانعاً للمخالفة من قبل بعضهم، فأقدمت مجموعة من الدول على بعض الممارسات الحمائية المنافية لمبادئ تحرير التجارة العالمية، وكانت قضية الإعانات الحكومية للمزارعين في أوروبا، وتشجيعهم على استعمال البذور المزروعة محلياً، من بين القضايا الخلافية طوال عقود، ومازالت تمثل مشكلة حقيقة بالنسبة إلى جهود تحرير التجارة العالمية حتى الآن. ولم يكن تَعثُّر مفاوضات «جولة الدوحة» لتحرير التجارة العالمية، التي انطلقت في عام 2001، ولم تحقق أهدافها حتى الآن، إلا واحدة من تجليات النزعة الحمائية التي مازالت تصطبغ بها السياسات التجارية لبعض الدول، إذ يتمسك كل طرف بموقفه، ولدى كل منهم الرغبة في حماية الأسواق المحلية لبعض المنتجات.

ازدادت النزعة الحمائية بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بعاملين أساسيين: أولهما، «الأزمة المالية العالمية»، التي دفعت الدول إلى فرض قواعد متشددة على حركة البضائع والخدمات والأموال عبر حدودها من الخارج وإليه، فعمدت إلى حض الأسواق المحلية على استخدام المنتجات الوطنية، كآلية لتعويض تراجع الطلب الخارجي عليها، وعمدت، سواء بالترغيب أو بالترهيب، إلى دفع المستثمرين المحليين إلى الاستثمار في مشروعات محلية؛ لتعويض ضعف تدفق الاستثمار الأجنبي على أسواقها، بل وأقدمت بعض الدول على ممارسات عدائية تجاه الشركات الأجنبية، وليس ما فرضته الصين مؤخراً من عقوبات على بعض الشركات الأجنبية إلا أحد هذه المظاهر. أما العامل الثاني في هذا الإطار فقد تجسد في تنامي الاضطرابات الجيوسياسية في العديد من مناطق العالم، ما يُخِلّ بسيولة الحركة الدولية للبضائع، والمتابع يرى ذلك بوضوح في الأزمة الأوكرانية، وما أحدثته من توتر في العلاقات الاقتصادية بين روسيا والغرب، في ظل العقوبات المتبادلة بينهما، وكذلك ما تحدثه الأوضاع المتوترة في منطقة الشرق الأوسط من تهديدات لانتظام حركة البضائع والأفراد والأموال، بسبب تدمير البنى التحتية للتجارة في بعض الدول وتوجّه بعض الدول لإغلاق حدودها.

لا يمكن فصل هذه القضايا عن العديد من المظاهر التي تهدد جهود تحرير التجارة العالمية، والتي يجب التعامل معها بجدية قبل فوات الأوان، وعلى رأسها: ضعف المؤسسات المالية وتفككها في أجزاء عدة من العالم، ما يهدد بصعوبة إتمام التعاملات الاقتصادية الدولية. هذا إلى جانب توتر العلاقات بين الاقتصادات المتقدمة والاقتصادات الصاعدة، الذي حض مجموعة دول «البريكس» على الإعلان مؤخراً عن إنشاء بنك للتنمية وبنك احتياطي خاصين بها؛ لمعالجة القضايا التنموية الخاصة بأعضائهما، كبديلين لـ «صندوق النقد» و«البنك» الدوليين. ومن الضرورة بمكان أن تنتبه الدول جميعها إلى أن التحديات التي تواجه التجارة العالمية الآن هي تحديات خطيرة، وهناك ضرورة ملحة للتعاون معاً في مواجهتها بشكل غير تقليدي، ومن دون التمترس خلف المصالح الوطنية، قبل تحولها إلى أزمات مزمنة تضر بمصالح الجميع.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات