الحل العربي في سورية: فرص النجاح وعواقب الفشل

  • 17 نوفمبر 2011

فاجأت الجامعة العربية نفسها قبل أن تفاجئ الآخرين بقرار تاريخي غير مسبوق في تعاملها مع الوضع السوري؛ إذ إن الاستجابة السلبية التي وجدتها من دمشق لمبادرة وقف العنف جعلت الجامعة تخطو خطوة أولى للانتقال من منطق "الحل بالتعاون مع النظام" إلى "حل بالرهان على المعارضة". كان قرارها إيذاناً بأنها باشرت إرهاصات نظام عربي جديد يأخذ في الاعتبار التغيير الذي تطرحه الثورات والانتفاضات الشعبية.

عشية هذا القرار كانت الجامعة في مواجهة مأزق صعب، فمنذ أعلنت اتفاقها مع سورية لم يتوقف العنف فحسب، بل تصاعد بمعدلات مأسوية. وبين ضغوط شعبية وأخرى دولية كان عليها أن تحسم موقفها؛ فإما الاستمرار بالنهج المتبع والإصرار على أن اتفاق الثاني من نوفمبر 2011 مع النظام ما يزال قائماً، وأنها تريد التشدد في تطبيقه وتطلب ضمانات أكبر من النظام، وإما أن تستنتج من سلوك النظام أنه غير جاد بل يريد فقط إضفاء غطاء عربي على أعمال القمع التي بدأها منذ اليوم الأول للانتفاضة في منتصف مارس الماضي.

واقعياً لم يكن الطرفان متكافئين. فالنظام السوري مدرك أن الجامعة لا تملك إلزامه لكنها قد تعوّضه بعضاً من شرعية فقدها من جراء أعمال القتل والقمع والتنكيل التي ارتكبها ضد مواطنيه. أما الجامعة، كإطار تنضوي فيه الأنظمة العربية كافة، فقد وجدت نفسها إزاء أزمة غير تقليدية؛ إذ ندر أن تتدخل في نزاع بين نظام وشعبه، ولا تتيح لها صلاحياتها سوى العمل من خلال النظام وبموافقته. والأهم أنها، لكي تنجح في مسعاها، لا بد أن تستند إلى إرادة أكيدة للنظام بالبحث عن حل، وإلى استعداده لتقديم تنازلات من أجل تحقيق هذا الحل.

كانت الجامعة قد تحركت بوتيرة سريعة أواخر فبراير للتفاعل مع الأزمة الليبية، وخلال أقل من شهر كانت قد وفرت غطاءً عربياً للقرار الدولي الذي جعل ليبيا منطقة حظر جوي، وهو ما فتح الطريق إلى إسقاط النظام بعد حرب دامت نحو سبعة شهور. ولم تتحرك الجامعة للبحث في الوضع السوري إلا بعد ثلاثة شهور من بدء الانتفاضة وسقوط أكثر من ألفَي قتيل، وكان واضحاً أن للدول العربية مقاربة خاصة لسورية، فهي دولة في صراع مع إسرائيل، ولا يجوز إتاحة تدخل خارجي فيها، لذا اكتفى بيان الاجتماع العربي الأول (أواخر يونيو) بالدعوة إلى "وقف العنف" انسجاماً مع مضمون البيان الأول الذي أصدره مجلس الأمن الدولي.

لكن تصاعد العنف استدعى اجتماعاً آخر توصل مع بداية سبتمبر إلى "المبادرة العربية" التي شكلت خريطة طريق مفصلة لحل سياسي للأزمة. وعلى الرغم من أن الشارع السوري ومعظم العواصم الدولية كانت تجاوزت مبدأ "الإصلاح من خلال النظام" لمصلحة "إسقاط" هذا النظام، فإن المبادرة العربية ظلت في الإطار الإصلاحي. والواقع أنها نص قوي وواضح يبدأ باشتراط وقف العنف وينتهي بعناوين الإصلاحات الملحة على أساس "فصل الجيش والأمن عن الحياة السياسية والمدنية"، كما يقترح حكومة انتقالية برئاسة شخصية معارضة، ويحدد سنة 2014 موعداً لانتخابات رئاسية مفتوحة وحرّة على سبيل الاعتراف ببقاء الرئيس الحالي بشار الأسد في المنصب إلى نهاية ولايته. لكن نظام دمشق لم يتعامل مع هذه المبادرة لأنه كان حينئذ مركزاً على بلورة خطة أخرى بالتشاور مع روسيا، التي ما لبثت أن استخدمت مع الصين حق النقض (الفيتو) لإفشال مشروع قرار طرحته فرنسا وبريطانيا في مجلس الأمن ويتضمن إدانة للنظام وتلويحاً بعقوبات لاحقة.

بعد إقفال أبواب تدويل الأزمة، ومع استمرار أعمال القمع وارتفاع أعداد الضحايا، وكذلك إخفاق النظام في مباشرة خطة داخلية للحوار  والإصلاح، باتت الحاجة ماسة إلى تحرك عربي يمكن أن يُفلح في تغيير مجرى الأحداث أو يفتح نافذة للتدويل أقله من أجل دخول المنظمات الإنسانية. هذه المرة جددت الجامعة (منتصف أكتوبر) الدعوة إلى وقف العنف، واقترحت عقد حوار بين ممثلي النظام والمعارضة في مقرها في القاهرة وبرعايتها خلال خمسة عشر يوماً، كما شُكلت لجنة وزارية للاتصال بدمشق واستمزاج استعدادها للتعاون مع هذه الدعوة. وعلى الرغم من أن النظام كان قد أبدى سلبية حيال هذا التحرك فقد  قرر، بعد تردد، أن يستجيب فكان الاتفاق في الثاني من نوفمبر الحالي على "وقف فوري" للعنف والتحضير للحوار الذي لم يكن النظام موافقاً نهائياً على عقده في الخارج. في الأيام التالية للاتفاق بلغ القتل أرقاماً قياسية، مما جعل الأمين العام للجامعة يحذّر من أن فشل الاتفاق سيكون "كارثياً". بل إن العنف استمر حتى عشية اجتماع عربي طارئ لتقييم الموقف (12 نوفمبر 2011) وسط مشاعر إحباط وعجز.

تنبغي الإشارة إلى أن الاتفاق نفسه جاء متأخراً جداً، وتولد معه انطباع بأن الجامعة تعمل على إنقاذ النظام غير مبالية بمعاناة الشعب، باعتبار أنها عوّلت أولاً وأخيراً على تعاون النظام الذي اعتمد خلال الشهور الثمانية الماضية على العنف وسيلة للبقاء في السلطة. ثم إنه أصرّ في كل النقاشات مع الوزراء العرب على أنه لن يوقف حملته على من يسميهم "عصابات مسلحة" و"إرهابيين" و"لصوص" وغير ذلك، وهو ما يعني أن عملية "وقف العنف" بالغة التعقيد، ولن تكون بالسلاسة التي تخيلها الوسطاء العرب. يضاف إلى ذلك خصوصاً أن مسعى الجامعة جاء أيضاً بعد اتساع حركة الانشقاق عن الجيش، إذ تجاوز عدد المنشقين العشرين ألف عسكري، وقد لجأ هؤلاء إلى مدنهم وبلداتهم التي أصبحت بدورها أرض معارك بينهم وبين القوات النظامية. وإذ دعت السلطة جميع السوريين إلى تسليم أسلحتهم طوعاً لقاء عفو فوري عنهم، وقدمت ذلك باعتباره تدبيراً أولياً للبدء بتنفيذ الاتفاق مع الجامعة، فإن الاستجابة الشعبية خلال مهلة الأسبوع المحددة لم تكن معتبرة. لكن سبقها رد فعل أمريكي غريب من نوعه؛ إذ دعا المواطنين إلى عدم الوثوق بالسلطة وبالتالي عدم تسليم أسلحتهم.

في أي حال أعطى هذا الموقف الأمريكي حجة لدمشق كي تبرر عدم تنفيذ الاتفاق بـ "التدخل الفعلي المباشر" لواشنطن في الأزمة، ولتحاول أيضاً أخذ الجامعة إلى منحى آخر إذ طالبتها بإدانة هذا التدخل والعمل على وضع حد له "لمساعدة سورية على توفير البيئة المناسبة لتنفيذ الاتفاق". والواقع أن الجامعة هي التي تحتاج إلى مساعدة بأن يسارع النظام إلى وقف العنف لتتمكن من مواصلة التعاون معه، وإلا فإنها ستجازف بمصداقيتها وستتورط بدورها في المسؤولية عن إراقة الدماء، ما قد يضطرها في النهاية إلى التخلي عن مبادرتها.

عند هذه النقطة كان واضحاً أن النظام السوري هو الذي وضع الجامعة أمام خيار القبول بـ"دور عربي" وفقاً لشروطه أو "الاستقالة" من الأزمة السورية من دون أن تتمكن الجامعة من اتخاذ أي إجراء تدويلي بسبب تعذّر الإجماع داخل مجلسها. لكن ثماني عشرة من أصل اثنتين وعشرين دولة عربية رفضت عملياً هذين الخيارين، وأيدت الخيار الثالث، وهو عدم الاستقالة وعدم التدويل بل الذهاب إلى تعريب ديناميكي يوجّه إنذاراً أخيراً إلى سورية بـ"تعليق" عضويتها – تمهيداً لتجميدها إذا دعت الحاجة- وبسلسلة قرارات تتضمن فرض عقوبات وسحب السفراء والاتصال بالمعارضة (لدرس إمكان الاعتراف بها)، بالإضافة إلى دعوة مباشرة غير مسبوقة إلى الجيش السوري "لعدم المشاركة في قتل المواطنين" ما يمكن أن يعتبر تشجيعاً على الانشقاق والتمرد.

كان طبيعياً أن يأتي رد الفعل السوري انفعالياً، وأن يعتبر القرار غير قانوني بسبب عدم توفر الإجماع (عارضه لبنان واليمن والعراق). لكن القرار يمكن أن يوفر فرصة لدمشق، إذا تجاوزت الانفعال، للتعامل مع اتفاق وقف العنف والدخول في عملية جدية لنقل السلطة. فهذا خيار متوفر الآن ولكنه لن يكون على الطاولة لوقت طويل. وإذا لم ينتهز النظام الفرصة الأخيرة المتاحة فقد يعني ذلك أنه حسم أمره بدفع البلاد إلى حرب أهلية.

Share